محمد البشير الإبراهيمي فقيد العروبة والإسلام

بقلم: القائد عبد الله التل-

الزمان: الثلث الأول من القرن العشرين، والمكان جزء عزيز من ديار العروبة و الإسلام هو الجزائر وأوضاع البلاد السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية يصورها: استعمار فرنسي عمره مائة عام، قضى على كيان البلاد السياسي، و ادخل في روع الغرب المستعمر أن الجزائر فرنسية لأنها - بحسب رأيه- امتداد لأرض فرنسا يفصل بينهما البحر،  وتغلغل في نفوس عدد كبير من عرب الجزائر أنفسهم فجعلهم بمختلف الوسائل، يرددون دعوى فرنسا الفاجرة ومنطقها  العجيب المستهجن.

واقتصاد وطني منهار، بعد أن اغتصب الفرنسيس في مدى قرن كامل ملايين الأفدنة والأرض الخصبة ونهبوا موارد البلاد وخيراتها، واحتكروا التجارة والزراعة والصناعة، وحولوا شعب الجزائر إلى قطيع العبيد لا عمل له سوى تأمين رفاهية السادة المستعمرين، وتموين فرنسا بالخمر الذي يستقطر من أعناب كروم الجزائر، وتموين غرب أوربا بالقمح الذي تنبته حقول الجزائر.

وثقافة فرنسية استعمارية، هدفها تخريب العقول والنفوس، وتحطيم الشخصية العربية الإسلامية والقضاء على اللغة العربية لأنها لغة القرآن، وإفشاء الأمية حتى زادت نسبتها في الشعب الجزائري على 90 %، وخلق الدسائس و الفتن لتمزيق الشعب و إقناع البربر أنهم جنس آخر يختلف عن عرب الجزائر. 

وحرب سافرة ظالمة لا رحمة فيها ولا هوادة، تشنها فرنسا "أم الحرية" على الدين الإسلامي الذي يدين به الشعب العربي في الجزائر، كما يدين بع الشعب العربي في المغرب و تونس و ليبيا بلا استثناء حتى أننا لا نكاد نجد جزائريا أو مغربيا أو تونسيا أو ليبيا واحدا بغير الإسلام، والذين يعيشون في هذه البلاد  من غير المسلمين هم من يهود الغرب ومسيحييهم. ومع هذا عمدت فرنسا طوال سنين استعمارها اللعين إلى محاربة الإسلام في لغة الإسلام، لغة القرآن. كما حاربته بنشر الخرافات و البدع وتشجيع الزوايا والطرق التي يديرها مسلمون من عملاء فرنسا مثل : قدور بن غبريط ، وحاربته منذ اليوم الأول الذي دنست فيه أقدامها أرض الجزائر يوم صادرت أموال المسلمين وأوقاف المسلمين ومساجدهم وحولت بعضها إلى كنائس.

وحاربته يوم جعلت من حكوماتها  حكامها أوصياء على الإسلام، ووضعت القوانين التي تعطي الإدارة الفرنسية حق الإشراف على الشؤون الإسلامية و سيطرت بذلك على أركان الإسلام الأربعة : الصوم والصلاة والحج والزكاة.

فأصبح الشعب الجزائري المسلم يصوم ويفطر ويعبد بحسب الأوامر الذي يلقيها المدير الفرنسي. ويصلي وراء الأئمة الذين يختارهم الحاكم الفرنسي من بين الخونة و الجواسيس ويحج إلى بيت الله الحرام بالرخصة الفرنسية التي لا تعطى إلا بالرشوة و لعدد زهيد من أفراد الشعب.

ويخرج بعضه في الخفاء، زكاة رمزية، لأنه شعب فقير معدم، نهب  الفرنسيس  وطنه وثروات بلاده فلم يبق عنده مال يزكيه.

ولم تستطع فرنسا السيطرة على الركن الخامس وهو الشهادة، لأن الإنسان قد يتلوها في سره ومن غير أن يسمعنا الجندي الفرنسي.

حاربت فرنسا الإسلام الذي جاء به القرآن وجعل رسالته محمد صلى الله عليه و سلم، واخترعت بدلا عنه إسلاما جديدا مبنيا على البدع والخرافات وأسمته (إسلام جزائري).

وفرنسا التي ادعت العلمانية، وفصلت الدين عن الدولة رسميا سنة 1905 لم ترض في الجزائر إلا بالإشراف التام على الدين الإسلامي. ولم تسمح المسلمين بممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وحجزت على حرية الدين الإسلامي وآدابه وأفكاره وفي الوقت نفسه أباحت نشر الفساد والرذيلة والإباحية والانحلال  والكفر والإلحاد.

على مثل هذه الصورة الكئيبة كانت الجزائر في الثلث الأول من القرن العشرين، يوم قضت العناية الإلهية بتكوين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لتقود معركة التغيير الجذري في حياة الشعب العربي في الجزائر، بقيادة العالم المرحوم عبد الحميد بن باديس ومن بعده شيخنا الجليل المرحوم محمد البشير الإبراهيمي الذي ظل حاملا رأية الجهاد أكثر من خمسة وعشرون عاما، إلى أن انتقل إلى جوار ربه في شهر المحرم المنصرم 1385 – مايو 1965.

ولقد كان البشير الإبراهيمي بما وهبه الله من علم وفضل وإلمام كامل باللغة العربية  آدابها وفنونها وأسرارها، وقدرة خارقة على التوحيد والوعظ والإقناع خطابة وكتابة، وبما أوتي من مواهب وطاقات علمية وفكرية وعملية وسياسية لا نظير لها، مؤهلا لحمل راية الجهاد والذود عن شعب الجزائر المستعبد ومن دينه المضطهد.

فحملها بشجاعة وأمانة وإخلاص في ظروف عصيبة وأحوال رهيبة.

فمن الناحية الجزائرية قاد البشير الإبراهيمي حملة الإصلاح الديني لتطهير الإسلام من الخرافات والبدع التي ألصقها به الفرنسيس واليهود  وعملاؤهم من العرب. وتولى مهمة تنوير العقول وتبصيرها بحقيقة الدين الإسلامي وآدابه وتاريخه، فقضى على الدين المزيف الذي اخترعه الفرنسيس وأسموه (إسلام جزائري).

طالب بفصل الدين الإسلامي من الحكومة، أسوة بالدين المسيحي الذي تركت له الحرية التامة في ممارسة طقوسه وشؤونه. وندد بالسياسة الاستعمارية الغبية الغاشمة التي ترمي من وراء بسط سيطرتها على الدين الإسلامي، إلى القضاء على الإسلام.

طالب بإعادة أوقاف المسلمين التي اغتصبها الفرنسيس على مر السنين، وهدفهم تجريد الإسلام من وسائل دعمه ونشره وبقائه.

طالب بحرية التعليم العربي واعتبار اللغة العربية لغة البلاد الرسمية. كما طال باستقلال القضاء الشرعي عن القضاء الفرنسي المهني على أسس تبيح الرذيلة و تشجيع الانحلال.

حارب الحزبية لأنها أداة تمزيق، وداء وبيل ينخر في جسم الشعب، وبخاصة العلمانية منها، وتلك التي تشجع الكفر والإلحاد. وكان رحمه الله بعيد النظر حينما اعتبر الحزبية أشد خطرا على المسلمين من المستعمر نفسه.

سخر من سياسة فرنسا التي كانت تسعى إلى التفريق بين العرب والبربر. وأثبتت أن الدماء البربرية التي مازجت الدم العربي في سلسلة من الزمن امتدت ثلاثة عشر قرنا قد أصبحت عربية. وأن وحدة الشعب في الجزائر راسخة خالدة وحدة الدم و اللسان ولحمتها الدين الواحد وروحانية الإسلام.

تحدى  سياسة الاندماج التي نادت بها فرنسا بصفاقتها وحماقتها، وأثبت بشجاعته وقوة حجته، زيف دعوى فرنسا وسخف منطقها. ودلل على عظمة الإسلام و طاقاتها الكامنة التي تعصم شعب الجزائر المسلم من الذوبان والاندماج.

قاوم هيئات التبشير ومن ورائها سلطات الاستعمار، واليهودية العالمية، وترك الفاتيكان وبذله وسخائه.

تصدى للغزو الفكري الاستعماري الذي يشكك المسلمين في تاريخهم وتراثهم، تمهيدا للقضاء على مقومات وجودهم، وجعلهم كمية مهملة في ميزان القوى العالمية.

فعلى البشير الإبراهيمي كل هذا وأكثر ف الميدان الجزائري الداخلي، وأصاب كبيرا في معركة اللغة العربية وتدريسها في مدارس الجمعية التي أخذت تتزايد يوما بعد يوم، حتى أربت على 400 مدرسة رغم بطش المستعمر وإرهابه وجبروته، ورغم القوانين الصارمة  التي كانت تقضي باإلقاء القبض على المدرس الذي يضبط متلبسا بتعليم اللغة العربية، بينما تعطى الحرية للسارق والزاني والفاجر والافاق والمخرب.

و نجح الإبراهيمي في إبراز الشخصية الجزائرية العربية المسلمة، بعد أن أجالها المستعمر خيالا ووهما. ونجح في تجديد شباب الإسلام، ومسح عنه الغبار الذي تراكم على مر السنين بفعل الاستعمار و التبشير.  

و نجح الإبراهيمي في خلق جيل من الشباب العربي الجزائري المؤمن بعروبته ووطنه ودينه. وكان ذلك الجيل هو نواة جيش التحريري الجزائري الذي خاض معركة المليون شهيد، وحرر الجزائر من استعمار مدمر دام 132عاما. ولولا جهود جمعية العلماء المسلمين في الجزائر لكفاح رئيسها ابن باديس والإبراهيمي لما قامت ثورة الجزائر في غرة نوفمبر 1954. لولا الجيل الذي رباه البشير الإبراهيمي ومعاونوه من علماء الجزائر، لما استطاع شعب الجزائر أن يقدم للثورة وقودها من شباب محمد الذين انتظموا في قوافل لا عد لها ولا حصر، باذلين دماءهم وأرواحهم في سبيل الله وفي سبيل الوطن.

وعلى الجانب العربي العام وقف البشير الإبراهيمي حياته على  الذود عن حياض العروبة والإسلام ، من  الرباط غربا إلى اندونيسيا شرقا، ومن القرم  والتركستان شمالا إلى حضرموت جنوبا ولم يكن يوم الأيام إقليميا يعمل للجزائر وحدها أو للشمال الإفريقي وحده. ولم يكن عنصريا يد إلى قومية ضيقة. بل كان إنسانا واسع الأفق كبير القلب  نقي الضمير، يدعو إلى وحدة إسلامية نسبتها بالضرورة وحدة عربية تقوم على دعائم  راسخة من الإيمان بالله والإيمان بهذه الأمة التي شرفها الله بحمل رسالة الإسلام.

والبشير الإبراهيمي الذي خبر دسائس الاستعمار وذاق من ويلاته وجرائمه ووحشيته، ولم يترك فرصة تمر إلا اهتبلها لتسخير قلمه ولسانه وطاقاته العديدة، من أجل الدفاع عن الأقطار العربية التي ابتليت بالاستعمار.

دافع عن حرية المغرب الأقصى، وعن حرية تونس وليبيا وسوريا والعراق وفلسطين، كما دافع عن مسلمي الهند وروسيا والصين. وعاش الإبراهيمي معارك الكفاح والتحرير التي خاضتها الأمة العربية من محيطها إلى خليجها. عاش أحداث العربية والإسلام وتفاعل معها وانفعل بها. دعا إلى الإتحاد والوحدة، وندد بالانقسام والفرقة، وأفحم الغرب المستعمر وأبطل دعواه وإنكاره عروبة الشمال الإفريقي وكونه من صميم ديار العروبة  والإسلام.

وتغنى الإبراهيمي بالأزهر وأثره في الثورات المصرية المتتابعة وفضله على العالم الإسلامي. ودعا إلى تطوير التعليم في الأزهر ليزاوج بين علوم الدين وبين علوم الدنيا، ويهيئ أبناءه لأن يكون رجال دين ودنيا.

ولفلسطين من كفاح الإبراهيمي  بهم وافر فقد اعتبرها قضية العرب والمسلمين الأولى، ومشكلة المشكلات العصر الحديث. نبه لأخطار صهيونية وحذر من الأعيب اليهودية العالمية ومكرها وخداعها قبل أن تقع الكارئة. وحين ضاعت فلسطين أصيب الإبراهيمي بجرح لم يندمل أبدا. وبكاها دما، وندد بالعرب والمسلمين الذين فرطوا في الأمانة وما استطاعوا نيل شرف حماية بيت المقدس من الغزو الصليبي الجديد، الذي تستر في هذه المرة من وراء راية صهيون. ولا غرابة  في هذا، فالإبراهيمي كان يرى  أن فلسطين أحق بالحماية والرعاية من الجزائر وطنه الأول، وكما يرى أن بيت المقدس جزء من الدين الإسلامي، وواجب الدفاع عنه فرض عين على كل مسلم ومسلمة .

ولم ترض همة الإبراهيمي بالإطلاع على المشكلات العربية الإسلامية والإسهام في حلها وهو  جالس في وطنه الأول الجزائر، وإنما رحل المشرق العربي والمشرق الإسلامي أكثر من مرة زار بلاد العرب والمسلمين وعاش في سوريا ومصر مهاجرا في سبيل الله مبتعدا عن ظلم الفرنسيس.  زار فلسطين والحجاز وتركيا وأفغانستان  وباكستان وأندونسيا وإيران. وكان في جميع أسفاره داعية خير ومحبة وتوفيق ووحدة . فرق في علاقاته بين شعوب الإسلام وبين حكامها، فأحب الأولى وبذل في سبيلها من علمه وفضله وصحته، وتعالى على الحكام الذين يسيرون في ركاب المستعمر عدو العرب والإسلام ولم يتوان عن لومهم وتوجيه النقد لهم وتبصيرهم بعاقبة ذلهم وخيانتهم. وكان الإبراهيمي في حلة  وترحاله يعرف العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بحقيقة المأساة الجزائرية، فعرف الناس الجزائر بعالمها وسفيرها الإبراهيمي.

وفي السنوات التي قضاها الإبراهيمي في مصر، سعدت بأن أكون من تلاميذه الذين نهلوا من عزيز علمه وقبسوا من كريم أخلاقه. عرفته في أطوار متباينة من مر الحياة وحلوها وأشهد بأنه كان على الدوام ذلك الإمام العملاق الذي لا تهزه أحداث الحياة ولا تفت في عضده أو تنال من عزيمته وقوة إيمانه.

ولقد توج الإبراهيمي جهاده وكفاحه في تأييده المطلق للثورة الجزائرية. ومنذ اليوم الأول لاندلاعها، أوقف الإبراهيمي نشاط الجمعية وأمر جميع أتباعه وأنصاره وتلاميذه ومريديه وهم يشكلون خلاصة الشعب الجزائري، بتأييد الثورة والالتحاق بكتائب الجهاد.

وفي احتفالات عيد النصر التي أقيمت في الجزائر أول نوفمبر 1962، رأيت البشير الإبراهيمي في أحسن ساعات حياته وأعظمها. لقد أمّ جموع المسلمين التي احتشدت لأداء صلاة الجمعة في مسجد كتشاوة الذي حوله الاستعمار الفرنسي إلى كاتدرائية وظل طول مدة الاحتلال الذي دام 132، إلى أن عاد الحق لأهله بعد انتصار الثورة.

وألقى الإبراهيمي خطبة الجمعة مكتوبة على غير عادته، وكان واضحا أن المناسبة العظمى قد هزته وفرضت على شيخوخة الجليلة أن يسجل ما كان يجول في خاطرة على الورق. وجاءت الخطبة درسا رفيعا في السياسة والتاريخ والدين لا تعالى فيها ولا شماتة، وقد لخصت الخطبة تاريخ الجزائر بما فيه من دروس وعبر، وعبرت عن فرحة الحاضر وآمال المستقبل. وكانت في نظري خطبة وداع فاه بها فارس عالم بطل، أثقلت كاهله العلة وأرهقته تبعات الجهاد الطويل. وكنت وأنا استمع إلى خطبته ترن في أذني كلمات البطل أسامة بن المنقذ :

مع الثمانين عاث الدهر في جلدي              وسأني ضعف ساقي واضطراب يدي

فإن كتبت فخطي جد مضطرب                    كحط مرتعش الكفين مرتعد

فأعجب لضعف يد عن حملها قلما                من بعد حطم القنا في لبة الأسد

على أن الجاهد الذي كان باديا على الشيخ البطل لم يحجب عنا ابتسامة الرضى وإشراقة فرحة العمر التي كانت تنفذ إلى أعماق الجماهير الملتفة من حول الشيخ فتفهم تفسيرها :

من عاش بعد عدوه يوما فقد بلغ المنـا

وبعده فإني لا استطيع في هذه الكلمة القصيرة أن أدون جزاءا يسيرا من تاريخ الشيخ العالم البشير الإبراهيمي، لأن تاريخه يحتاج للإحاطة به إلى مؤلف خاص تدون فيه أعماله ومفاخره ومآثره وبطولاته وتضحياته.

أما خسارة العروبة والإسلام بفقد البشر الإبراهيمي فعظيمة لا يعوضها إلا الله القادر على هداية شبابنا ودفعهم إلى تسرم خطاه والسير على نهجه.

رحم الله شيخنا العزيز واسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأحسن أولئك رفيقا.

أربد (شرق الأردن)                                                                                         عبد الله التل

 

* القائد العربي المجاهد عبد الله التل - حاكم القدس سابقا


آخر التغريدات: