أعمال الإمام الابراهيمي في الغرب الجزائري

بقلم: د.عبد الحفيظ بورديم-

تنبني هذه المداخلة على استدعاء مرحلة تاريخية أنجزتها العبقرية الجزائرية في مجال الإصلاح الديني والاجتماعي. ولتحقيق المنهجية العلمية نتتبع بالكشف والتحليل أعمال الإمام محمد البشير الإبراهيمي(1889-1965) في الغرب الجزائري(1933-1940)، بالاعتماد على تفصيل: مرتكزات الفهم وقواعد العمل وضوابطه وثمراته.

 وتقتضي النفعية مساءلة النص والتجربة، كما تقتضي بسط منهجية التنزيل في الواقع المعاصر، حتى تتحقق الاستفادة المثالية والاستمرارية الدّعوية. ذلك أنّ كل بناء لاحق إنما هو على بناء سابق. والذين يقتصرون على حاضرهم دون أن يلتفتوا إلى عبقرية ماضيهم مثلهم كمثل ذي العين الواحدة بصره حسير يرتدّ إليه بالصور المشوّهة.

لذلك نبني مفاصل هذه المداخلة على إشكالية تجمع قضيتين هما:

- كيف نفهم العمل؟

- كيف نستفيد منه؟

مع العلم أن: العمل هو قول الإمام الإبراهيمي ومنجزاته في الغرب الجزائري، وأن الاستفادة هي حاجاتنا لحلّ مشكلاتنا المعاصرة.

1- مرتكزات الفهم

يحتاج الدارس إلى جملة من المرتكزات ليفهم المجال المعرفي والاجتماعي والسياسي الذي ظهرت فيه أعمال الإمام الإبراهيمي بالغرب الجزائري، ولتحقيق ذلك نستعين بما كتبه هو نفسه، ولكننا نؤكد أن الإمام كان رائد فكرة لا طالب شهرة، ومنجز أعمال لا ماضغ أقوال.

1-1. ثاني اثنين

تقتضي الأمانة التاريخية أن نذكر فضل الإمام عبد الحميد ابن باديس على صاحبه، فهو الذي حمله على الرجوع إلى الجزائر بعد أن طال مكثه بالحجاز. لقد لقيه في المدينة المنورة عام 1913 بعد الحج، وكانا يجتمعان في أغلب الليالي لا يتحدثان إلا عن الجزائر وسبل ترقيتها وإعدادها للحرية: “فإذا انتهينا من التصورات أخذني بالحجة وألزمني بالرجوع إلى الجزائر لنشترك في العمل، المحقق للأمل، وأقام لي الدليل من الدين على أن هذا العمل أشرف وأقرب إلى رضى الله من الهجرة” . لقد كان ثاني اثنين إذ هما في المسجد النبوي يفكران ويدرسان ويتناصحان.

وكانت نفس ابن باديس تنطوي على حب لتلمسان. ذكر ذلك في قوله:” حقا إن لتونس هوى روحيا بقلبي لا يضارعه إلا هوى تلمسان” لذلك كان يكثر إليها الزيارة واللقاء بأهلها، فلما ألحوا عليه بالبقاء بين ظهرانيهم، وعدهم أن ينفذ إليهم رجلا عالما يشرف على الإصلاح الديني والعلمي والاجتماعي، وما كان ذلك الرجل إلاّ محمد البشير الإبراهيمي.

اتخذ الإبراهيمي 1933 من تلمسان مركزا لتحقيق دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الغرب الجزائري. وجد بها مواهب فطرية واستعدادا ذكيا فأقام البناء على البناء، وبذل الجهد عظيما ولم يأل، حتى أخرجت الأرض شطأها واستوت على سوقها. كان في سبعة أعوام صحيح الفكرة بعيد النظرة. لا يكاد ينجز عملا حتى يقبل على آخر. كأنه جحفل كثير، وإنما هو قائد بصير.

2-1. الإنجاز التعليمي

بدأ بالتعليم المسجدي والمكتبي جاعلا من تلقين العربية المبتدأ ومن تبيين حقائق القرآن المنتهى، والقصد من ذلك أن ينشئ: “من أبناء الأمة جيلا قرآنيا يتقن حفظ القرآن وأداءه ويحسن فهمه والعمل به ويتخلق بأخلاقه ويتربى على هديه ثم ينشر بواسطته دين الله في أرض الله” .وقد كانت له رؤية منهجية اقتضت أن يأخذ نفسه بالعربية الفصحى إلى “درجة الإغراب” ، وهو يريد أن يقيم بذلك دليلين: أحدهما ردّ على متعلمي اللغات الاجنبية بأن الفصحى لا تعيا عن المعاني الجديدة، والثاني تحفيز لمحبي العلم أن يعلموا أبناءهم.

والتعليم الذي ارتضاه الإبراهيمي ليس هو الذي يكثر من حفظ المتون ويتلهى بها، بل هو الذي يقتحم الحياة وينشئ العقل الاستدلالي، لذلك يوصي المعلمين بقوله: “امزجوا لهم العلم بالحياة والحياة بالعلم يأت التركيب بعجيبة، ولا تعمّروا أوقاتهم بالقواعد، فإن العكوف على القواعد، هو الذي صير علماءنا مثل القواعد، وإنما القواعد أساس” .

3-1. الإنجاز الاجتماعي

عرف عن الإبراهيمي قوله إن: “الإصلاح الديني لا يتمّ إلا بالإصلاح الاجتماعي” . وهي لعمري حقيقة سامية تبيّن عبقرية التفكير والإنجاز عند المصلحين الجزائريين. إن اهتمامهم بالمشكلات الاجتماعية وحرصهم على تمتين أواصر القربى بين الجزائريين لهو دليل وعي بأن “الإسلام دين واجتماع” . إذ لا معنى أن تتعلّم طائفة من الناس العقائد الكلامية أو المذاهب الفقهية أو المتون العلمية، ثم ينزوون غير مبالين بمن حولهم. إن قواعد الاجتماع تقتضي مسؤولية المتعلمين تغيير الواقع.

وقد كانت رسالة الإبراهيمي حين نزوله بالغرب الجزائري أن يؤلف بين مختلف المكونات الاجتماعية من عرب وأمازيغ وكراغلة،”الكاتب…حلّ أصعب عقدة عقدها الاستعمار فجمع الكراغلة والعرب على ما جمع الاسلام عليه ربيعة ومضر” وقد تحقق له أن اجتمعت إليه فئات واسعة منهم جميعا فتآلفوا وتآخوا إخاء فوّت على الاستعمار اللعب بورقة الظهير البربري.

ولتحقيق ذلك، كان يحرص في تفسيره القرآن الكريم بدار الحديث أن يربط المعاني القرآنية بالمعاني الاجتماعية تحفيزا للمسلمين أن ينتقلوا من الانتماءات الضيقة التي يحبسهم فيها الاستعمار إلى الانتماء الواسع الذي يريده لهم الإسلام وتريده لهم الجمعية. ومن جميل ذلك أن الشيخ ابن باديس “صادف في ليلة من تلك الليالي الزاهرة بحياته درسا بدار الحديث من تلمسان في قوله تعالى ((وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوّءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة)) فقال لي –رحمه الله- بعد تمام الدرس ما معناه: إن هذا الدرس وحده كاف لإحياء أمة مستعدة… وإن ما سمعته منك في معنى اتخاذ البيوت قبلة هو ما حوّم عليه علماء الاجتماع في مبدإ تكوين الوحدة الاجتماعية للأمم” .وكلّ الذي كان منه في التوجيه والإرشاد ومقاومة الإفساد ومنازلة الاستبداد، إنما يرجع إلى أصل جامع وغاية شريفة، هي تحقيق التآخي بين المسلمين وربطهم بدواعي الاجتماع فيستقيموا على طريقة مثلى من: التعاون والتآزر والكسب والفقه بالواجبات والحرص على الحقوق.

4-1. الانجاز العمراني

ومن ثمرات ذلك الاجتماع تحقيق نهضة عمرانية أصيلة تعكس الانتماء الحضاري، وتبرز الذوق الجمالي في البناء. ومجلى تلك النهضة العمرانية هو هذا الصرح الشامخ الذي استقلت به الجمعية ليكون لها مدرسة للتعليم ودارا للحديث تيمّنا بدار الحديث الأشرفية الدمشقية.

لقد بدئ في إنشائها عام 1934 وتمّ إنجازها في 27سبتمبر 1937 فكانت آية في الجمال، دلّت على عزيمة غالبة وشكيمة ضاربة، ففي مدّة وجيزة أمكن شراء الأرض، ورفع القواعد، فجاءت “تترقى في مثل هذه المدة القليلة إلى هذه القمة العليا، وتظهر في هذا الشكل العجيب المدهش جامعة بين الفن العربي البديع والشكل العصري الأنيق، وتبدو آية في الضخامة والجمال والسعة والكمال” .أرادها الإبراهيمي أن تكون على ذلك الشكل الهندسي العمراني، لتكون العمارة شاهدة على الانتماء الإسلامي، وأرادها أن تعلو ولو بشبر على مدرسة (دوسلان) لتحقق علوّ الإسلام وظهوره على الاستعمار ورجاله وديانته.

ثم تفتّقت همّة العاملين على الإكثار من مثل دار الحديث، فكانت بعدها مدرسة عائشة للبنات، ومدرسة سبدو، ومدرسة أولاد سيد الحاج، ومدرسة ندرومة، ومدرسة الغزوات، ومدرسة مغنية، ومدرسة عين غرابة، ومدرسة صبرة، ومدرسة بني صاف، ومدرسة الحنايا وغيرها كثير.
ولم تهضم الإدارة الاستعمارية هذا الإنجاز وعدّته خطرا على وجودها، فبادرت بعد ثلاثة أشهر من افتتاح دار الحديث إلى غلقها في أول جانفييه 1938 وحاكمت الإبراهيمي “بدعوى أنه كان سببا في جمهرة أو تجمهر الناس بدون رخصة” .إنّ استدعاء النصوص والتجربة تؤكد أن الإمام كان رائد الفكرة وصادق النظرة، وجد بالغرب الجزائري مواهب فطرية، فأحسن تحريكها وأجاد قيادتها حتى استوت بين يديه صورة من العزم الثاقب والحزم اللاهب، فإذا بها تتآلف صفّا مرصوصا، ونظاما مخصوصا، أبهر المستعمرين وأذنابهم، فلم يملكوا إلاّ نفيه إلى آفلو عام 1940 بعد أن يئسوا منه، وبصروا منه ما أقضّ مضاجعهم وآلم مواجعهم.
سبع من السّنين كانت كافية أن يتغيّر فيها الحال ويقترب المآل.

2- قواعد العمل

ويحقّ لنا بعد ذلك أن نسأل عن قواعد العمل، فمن غير المنطقي أن تترتب النتائج على غير مقدمات، ومن غير الممكن أن ينبني النجاح على الارتجال والفوضى. لقد وضع الامام ابن باديس أصولا عشرين انبنت عليها منهجية العاملين في الجمعية، وقد وضحها الامام الابراهيمي في مقاله “جمعية العلماء: دعوتها وغايتها” . ويمكننا أن نردّها إلى قواعد ثلاث هي:

2-1. الربانية

ومقتضاها إخلاص العمل لله تعالى وابتغاء مرضاته. وهي قاعدة جليلة ترافق العاملين في الحقل الإسلامي ولا يجب أن تغيب عنهم، بل تكون هي مدار المراجعة لتحقيق الصدق والصواب. ومتى تحقق إخلاص العمل لله تنزّه عن الأهوائية والعجبية، فرب عجب جرّ استكبارا. وربّ إخلاص جرّ قبولا وانتصارا.
إن الربانية هي تنشئة الأمة بردّ معاني الثقة والاعتماد والخوف من الله وحده، لذلك يستعيد الإبراهيمي محنة الأستاذ العقبي، فيخلص منها إلى القول: “كل هذا فهمته الأمة وفهمت معه أن لا ثقة إلا بالله ثم بالحق الذي جعله نظاما للوجود، وأن لا اعتماد إلا على الله ثم على نفسها، وأن لا خوف إلا من الله ثم مما اجترحت الأيديومبدأ الربانية حين كان خلقا تربويا يزكي الأنفس ويحملها على توجيه الأعمال بالنيات الصادقة، هو المعيار الذي أخذ به الإبراهيمي في مراجعة أعمال الجمعية ومنتسبيها، فقال: “أصبح المنتسبون إلى الإصلاح ولو من العامة يخلصون لله في عباداتهم وإيمانهم ونذورهم وأدعيتهم” .
والرؤية التجديدية ليست في القول بالإخلاص قولا مجرّدا، بل في فهمه. والفهم عند الابراهيمي يجمع بين الايمان ومقتضياته وبين العزة ومقتضياتهما، يقول مثلا: “نقول للمسلم إذا فصلنا: كن رجلا عزيزا قويا عالما هاديا محسنا كسوبا معطيا من نفسك آخذا لها عارفا بالحياة سبّاقا في ميادينها صادقا صابرا هيّنا إذا أريد منك الخير، صلبا إذا أردت على الشر”.

إن الربانية في أصلها هي حمل النفس – وتربية الناشئة من أبناء الأمة- على الإيمان الصحيح بالله والثقة به والتوكل عليه وإخلاص النيات له. وهي كفيلة بأن توجد المسلم الذي لا يتبع الأهواء ولا يخضع للشهوات ولا يتنازل عن حقّه في الحياة الكريمة.

2-2. التعبدية

والربانية متى تحققت في القلوب صدّقتها الجوارح، فحسنت عبادة الله بها وفق ما ارتضاه هو نفسه لعباده. ومن ثمّ فقد ارتكز عمل الابراهيمي في مواعظه ودروسه على إشاعة مظاهر التعبد الصحيح لله تعالى، وقد لمس ذلك بنفسه حين قال: “لا نبالغ إذا قلنا إن من بواكر النجاح الأولى التي جنتها جمعية العلماء، إرجاع الغاوين من المسلمين إلى حظيرة الدين، ولا يحصى عدد الذين تأثروا بمواعظها فأصبحوا يحافظون على الصلوات بشروطها الحسية والمعنوية” . وهذا هو السّرّ الأول في حرص الجمعية على بناء المساجد والاكثار منها.

ومن مظاهر الترويض على التعبدية وإحيائها في النفوس، حرص الابراهيمي على توحيد شعيرتي الصوم والافطار، ومطالبة الجزائريين بأن يعتمدوا على أنفسهم في الرؤية، وليس على ما تقرّره لجنة الأهلّة. ومن روائع كلامه ما قاله في خطبة العيد: ” صححوا عباداتكم بمعرفة احكامها وشروطها ومعرفة ما هو مشروع وما هو غير مشروع فان الله تعالى لا يقبل منكم إلا ما شرعه لكم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم

وإحياء التعبدية هو الذي يفسّر قوّة الجمعية في مدافعة البدع ومحاربتها، إذ رأتها سببا في ابتعاد الناس عن الدين الصحيح ومدخلا إلى ضعف التدين. وهو يحذّر من: “سخط الله على من يغيّر ما بدين الله ويعبث بسنة رسول الله” .

هكذا تجتمع الربانية لتزكية الأنفس مع التعبدية لإقامة الشعائر-عند الابراهيمي-، وكلاهما إعداد للمسلم الجديد الذي لا تختلط عليه المفاهيم ولا يكون هزؤة المستعمرين.

2-3. المقاصدية

ولقد حرص الإبراهيمي في الأعوام السبعة –التي قضاها بالغرب الجزائري- على تشكيل العقل المقاصدي وحمل المتعلّمين عليه. وكان قدوة في الفهم والإفهام. وهو الذي كتب – في الفصل الثالث من القانون الداخلي للجمعية – محدّدا القواعد العامة ومميزا بين المقاصد الأولى والمقاصد الثانوية والأعمال التطبيقية وكيفية تنفيذها ووسائل التنفيذ. فخصّ المادة 64 بقوله: “تجري الجمعية في جميع أعمالها الآتية على أربع قواعد: تقديم الأهمّ على المهم – ما لا يدرك كله لا يترك كله – درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة – قليل العمل خير من كثير القول”.

ومن نافلة القول أن نردّ هذا الحرص على ترتيب قواعد العمل، كما سماها، إلى العقل المقاصدي الذي يميز بين الأهم والمهم كما يميز بين المفسدة والمصلحة، والذي يحفز الطاقات إلى العمل ولو كان قليلا لا يدرك الكلّ، فالعبرة ليست بمن يحسن مضغ الكلام بل بمن يحسن تقدير الحاجات وإنجاز المطالب.
وإنّ للمقاصد ضوابط هي الرجوع إلى صريح الكتاب وصحيح السنة، والأخذ بأسباب الحياة والمدنية الصحيحة.
ومن جديد الرؤية المقاصدية كما يُبَيِّنها الإبراهيمي هي جعل الأولية “بحمل {العلماء والطلبة} على التخلق بالأخلاق الإسلامية” . وموضع الجدّة يكمن في هذا الاهتمام بالأخلاق وجعلها أول المطالب، ومن له أدنى إلمام بالنظرية المقاصدية يعلم أن الأولين جعلوا الأخلاق من التحسينيات، وهي عندهم تأتي ثالثة بعد الكليات والحاجيات. وكأن الإبراهيمي لا يجدد الإصلاح إلا بعد أن يجدد العقل المقاصدي حين يعيد ترتيب الأعمال فيجعل للأخلاق المرتبة الأولى.

إن العقل المقاصدي الذي أحياه الإبراهيمي وعلمه في مجالسه، كان له أثره الكبير على حياة الناس في الغرب الجزائري، من ذلك مثلا وقوفه في جنازة رئيس شعبة تلمسان محمد مرزوق في 25 أوت 1939 وارتجاله خطبته الاولى على جنازة، حرّك بها الخشية من الله وحفز إلى التسابق على الخيرات، فاهتزت قلوب من سمعها ” حتى الذين كانت تعوقهم عوائق الشر وتصدهم رؤوس الضلال عن سماع كلام الإبراهيمي” .

إن هذا الشاهد يدل على العقل المقاصدي الذي جعل الإبراهيمي يخرج عن العرف السائد في الخروج بالجنائز ليقوّم بدعا كانت تصاحبها، ثم إلقاؤه الخطبة على الحاضرين ليبلغ التأثير مسامعهم دون حجاب. وقد كان له ما أراد. فاعجب من أمر رجل يحيي السنة ويميت البدعة.

3- ضوابط العمل

إن الأفكار الحيّة والعظيمة تحتاج إلى إرادة قوية لتحويلها إلى واقع سلوكي منهاجي، ولذلك يأتي الالتزام الأخلاقي بمثابة المعيار التمثيلي للفكرة. ونموذج الالتزام هو الرابط بين القول والفعل، وهو الصورة التي تضمن القبول الاجتماعي، ليتحول رائد الفكرة إلى نموذج القدوة. ويمكن أن نحدّد ذلك الالتزام وتلك القدوة في ضابطين اثنين ترجع إليهم كلّ ضوابط العمل الأخرى، وهما: ضابط الجندية، وضابط القيادة. وكلاهما مشروط ببعضهما، فالجندية المنجزة لا تكون إلا مع القيادة الحكيمة. وأكثر الأفكار العظيمة إنما يأتيها الخذلان من جندية مجنونة أو قيادة مفتونة.

فما حظّ عمل محمد البشير الإبراهيمي منهما؟

3-1. الجندية

إذا استرجعنا مشهد شابّ – في الرابعة والعشرين من عمره- عالم مقيم بالمدينة المنورة، يحظى فيها بالمنزلة الرفيعة بين علمائها، ويسعد بجوار المسجد النبوي والقبر الشريف. وفي ذلك من المعاني الوجدانية والإيمانية ما يملأ النفس بهجة وسرورا، ثمّ يلقى شابا في مثل عمره يدارسه أوضاع الجزائر، ويحمله على العودة إليها، ليبدأ حياة التربية والتعليم، حيث مخاطر الكيد الاستعماري وعوائق البغض الخرافي.
إنّ من يترك حياة الجوار ليخوض حياة الجهاد استجابة لقرينه وسميّه، لا يكون إلاّ جنديا صحيح الجندية، تصدّقها عنده روح التضحية والقدرة التي تقديم الرأي الصواب حين يقتنع به.

ومن تمام صدق الجندية عند الإبراهيمي، أنه حين رجوعه إلى الجزائر من الشام، بقي زمنا غير يسير (1920-1933) بمسقط رأسه اولاد براهم حيث باشر رسالته الإصلاحية الفردية، فبنى مسجدا ومدرسة حرّة. ولكنّه يستجيب لرأي ابن باديس فيترك عشيرته التي تؤويه وعصبيته التي تحميه، لينتقل إلى تلمسان ويبدأ الإشراف على مشروع الإصلاح الجماعي.

ولقد ظلّ الإمام الإبراهيمي وفيّا لقائده ابن باديس لا يفتأ يذكر فضله في كلّ حين، ولا يفتأ ينتصر لحكمته في كلّ أوان، بل لقد ضرب المثل العالي في الجندية حين افتتاح دار الحديث حين سلّم مفاتيحها لابن باديس.
3-2. القيادية

يذكر تاريخ الرجال أبطالا يكونون جنودا منجزين ما كانت القيادة حكيمة لغيرهم، فإن ارتضتهم القيادة انتقلوا من أخلاق الجندية إلى أخلاق القيادة، أي من أخلاق الطاعة والتنفيذ إلى أخلاق الحكمة والتدبير. ومن المشاهد البليغة ما تمثله سيرة عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- الذي التزم بأخلاق الجندية لما ولي الخلافة أبو بكر الصديق –رضي الله عن- وخير شاهد على ذلك موقفه في حروب الردّة ونزوله عند رأي الخليفة، فلمّا آلت إليه الخلافة حمل نفسه وأهله على التقشف وأجرى العطايا للفقراء ونظّم القضاء وأقام الدواوين وجهّز جيوش الفتح. أقام مؤسسات الدولة على العدل.

ولن أكون مبالغا إذا قلت إن الإمام الإبراهيمي كان في هذه أشبه الناس بعمر بن الخطاب –رضي الله عنه- وهو الذي بعد وفاة الشيخ ابن باديس ارتضاه العلماء لإدارة الجمعية، ضرب المثل العالي في حكمة القائد وصبره على غيره وثباته على المبدإ وفقهه للواقع. مع عفّة في اليد وسلامة في القلب. وهو الذي جمع له أهل تلمسان مالا كثيرا ليشتري دارا له ولولده، ولكنه جعل المال كلّه في صندوق الجمعية ليصرف على مدارسها ومعلّميها. فاعجب له من قائد يعطي ولا يؤخذ.

وقد صدر في ذلك عن وعي عميق وفهم جديد بمكانة القيادة من واقع الأمة الإسلامية، بل إنه يجعل خروج القيادة من أيدي العلماء أكبر سبب في انحطاط. وهذا قوله: ” إن خروج قيادة الأمة الإسلامية من أيدي العلماء هو أكبر الأسباب فيما وصلت إليه من انحطاط، وهو أمر قديم العهد، ونحن نعلم علم القطع أن علماءنا في القرون الوسطى كانوا وليس بأيديهم من أمر الأمة شيء…” .

وبعد، يجب أن نقرّر أن ذلك كان خلقا فرديا لمسناه فب سيرة محمد البشير الإبراهيمي، وكان خلقا جماعيا ألزم أعضاء الجمعية أنفسهم به، استجابة لقانونها الأساسي الذي كتبه محمد البشير الإبراهيمي نفسه ونشره عام 1931، حيث أوجب في المادتين 28 و29 مبدأين تنظيميين يفرضان أخلاق القيادة والجندية سواء، فالرئيس لا يتكلم من نفسه بل يراجع المجلس الإداري، والعضو لا يردّ على المغرضين إلاّ بعد الاسئذان .

4- منهجية الاستفادة

يحق لمن يشتغل على تراث السابقين أن يسأل عن القصدية والنفعية منه. إن القاعدة السننية تفرض على البناء ألاّ يكون استئنافيا، بل تراكميا تكامليا. ولو قدّر لجيل –في دورة حضارية- أن يقطع وشائج القربى بمن قبله، مستغنيا عن تجاربه، لوقع في خطيئة القطيعة التي تهلك ولا تنبت. ولقد جرّبت الدولة المستقلة في الوطن العربي استراتيجية القطيعة، ولكنها كانت كلّ مرّة تصطدم بجذور الانتماء التي تطالعها من تحت سقوف الاسمنت المسلّح. وأثبت السننية أنّ الخصوصية لا تلغى بقرارات عسفية.

لذلك نركز -في حالة دراستنا هذه- على سؤال منهجية الاستفادة. إذ أن مبدأ الاستفادة نفسه يبقى واجبا حضاريا، حتى تتحقق الصيرورة والتواصلية. والخلافية كلّها حول المنهجية لا غيرها.
نقرّر مبدأين اثنين: أحدهما أن التجربة محكومة بخصويتها الزمانية والمكانية وما تولّد من تحديات واستجابات، من فهم وتخطيط، من ظروف. والآخر تغيّر الموقعية الزمانية والمكانية –قياسا على الأولى- من حيث منظومة المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.

وعليه فإن منهجية الاستفادة تبدأ من تحقيق الرابطة بين جانب الإعجاب العاطفي بمنجزات الإبراهيمي، وبين جانب الاستفادة العلمية السننية من المنجزات. فما وافق منها ظروفا جديدة، فلا يحقّ للعاملين أن يعرضوا عنها. وهم بذلك سيبنون على أصول متينة ويحقّقون رضى بالاستمرار ويثبتون انتماء وجدانيا ويبرحون جهدا ووقتا. وما كان منها غريبا عن الطور الجديد أو غير مستجيب لمتطلبات التغيرات المتجددة، فقد وجب على العاملين أن يجدّدوا ترتيب الأولويات وتقديم ما حقّ التقديم ودفع ما حقّه الدفع.
وأمثلة ذلك لا تحصى ولا تستقصى، فمثلا إن التأكيد على دوائر الانتماء الثلاثة (الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا) ثوابت تشكّل الإنسان. وفتوى الفصل بين الدين والدولة متغيّر يتجدّد بصيغة نقيضة. لأن الدولة التي طالبوها بأن تنفصل عن الدين كانت نصرانية استعمارية فبأيّ شرعية تشرف على الدين الإسلامي. وأما الدولة المستقلة فيلزمها دستورها بأن دينها الإسلام، ومن ثمّ وجب عليها أن تخصّص عنايتها للالتزام بالإسلام وحمايته من أعدائه المتربصين. وذلك هو قسم من يتولّى رئاسة الجمهورية الجزائرية.

5- خلاصات

نخلص من هذه القراءة لأعمال الإمام محمد البشير الإبراهيمي إلى تحقيق الثمرات التالية:
1. وجد الإمام بالغرب الجزائري مواهب فطرية واستعدادا ذكيا فأقام البناء على البناء.

2. انبنى مشروع أعماله على إنجاز الإصلاح التعليمي والمسجدي، والإصلاح الاجتماعي والانجاز العمراني.

3. انبنت فلسفة العمل على قواعد ثلاثة هي الربانية والتعبدية والمقاصدية.

4. ظهرت تلك القواعد في ضابطين اثنين هما: خلق الجندية وخلق القيادة

5. منهجية الاستفادة تتحقق بإحياء الثوابت وبالاجتهاد في المتغيرات.


آخر التغريدات: