جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والثورة التحريرية الكبرى: حقائق التاريخ 2/1

بقلم: حسن خليفة-

على نحو من التنسيق تتساوق الكتابات التي تظهر هنا وهناك، بين أكثرها يعمل وقت وآخر، و على "طمس" حقائق ناصعات من التاريخ، ويسعى لنشر الأباطيل والأضاليل. وأيّا كان الحساب الذي تعمل له تلك أقلام فهو افتئات على التاريخ وظلم وعدوان وخيانة للحق والحقائق ذلك أن الوثائق موجودة ناطقة، والوقائع ثابتة قائمة، خاصة عندما يتعلق أمر بهيئة علمية دينية دعوية إصلاحية كجمعية العلماء المسلمين الجزائريين تتناثر المراجع ذات الصلة بتاريخها هنا وهناك، ولا تفت تظهر في أشكال مختلفة (أطروحات علمية ـ كتب مرجعية ـ شهادات وثائقية ـ كتب عادية).

وفي ظلال ذكرى الثورة التحريرية التي هي على بعد أسابيع قليلة وددت أن أخصص هذا الموضوع - في أكثر من حلقة ـ لهذا الأمر الحساس الجليل وأعني به علاقة الجمعية بالثورة التحريرية الكبرى، ليس للرد على المفترين، ولكن إيضاحا وتجلية لتلك الحقائق للأجيال الحالية من الشباب؛ خاصة منهم من يعمل في مجال البحث والتدريس أو من الباحثين والباحثات في مختلف ميادين العلوم والفنون، على والذين لم يستطيعوا، لأسباب مختلفة، الإطلاع على تاريخ وطنهم وتاريخ ثورتهم بما فيها من أمجاد وآثار مشرفة وجهود علمية، وثقافية، ودينية، وسياسية واجتماعية...

ولقد سبق لكاتب هذه السطور أن سطر بعض مقالات بشأن منهج الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمة الله عليه (نشرت في الشروق والبصائر)، وأبان فيها عن "الفرادة" التي تطبع شخصية هذا العلم الكبير الكريم من أعلام الجزائر، بخصوصية منقطعة النظير في إدارة "شؤون المشروع الإصلاحي" الذي عكف عليه، تخطيطا، وتنظيما، وتوجيها، وتكوينا، ما يزيد عن أربعين عاما كاملة أو أكثر، وفي ظروف يعلمها الجميع، مع استعمار ليس أخطر ولا أفجر منه، وهو الاستعمارا لاستيطاني الفرنسي الذي كان هدفه "ابتلاع "الجزائر كليا. والتذكير بهذا ينفع في فهم طريقة التعامل مع المستعمر الفاجر العدواني، والكيفيات التي اعتمدها الأستاذ الشيخ ابن باديس ومنها التمكين للدين والهوية رويدا رويدا والتأسي بالمنهج النبوي في الإعداد الطويل الأمد نسبيا، ببناء الشخصية المسلمة المعتزة بدينها وقيمتها من خلال التربية والتعليم والتوجيه والموعظة .

إن ذلك كله يجب أن يُستصحب في فهم دور الجمعية وقادتها الأفذاذ وعلاقتها بالثورة المباركة؛ وقد سجلت عشرات الوثائق أن أبناء الجمعية وهم أبناء الشعب الجزائري في جزء كبير منهم،من تلك النخبة المتعلمة، هي التي كانت ذخيرة الثورة وأطرها البشرية في مختلف المراحل؛ حتى ما بعد استعادة السيادة الوطنية ؛ حيث كانوا كوادر عملت للوطن بصدق وإخلاص ونزاهة

لكن دعنا نستعرض الأمور من وجه آخر،وهو وجه الصلة المباشرة للجمعية من خلال رجالها وقادتها بالثورة، كالشيخ ابن باديس نفسه ـرحمه الله ـ أو الشيخ الإبراهيمي أو الشيخ فضيل الورتلاني وسواهم كُثر.

كيف كان ابن باديس ينظر إلى الثورة على فرنسا، وكيف كان يفكر في الصلة بين الجزائر وفرنسا، في ضوء مخازيها ومظالمها وإجرامها وتعقبها للأصول والجذور تستأصلها وتعمل على إزالتها كليا، وذلك هو جوهر الاستدمار الفرنسي على مدار عقود طويلة من وجوده الاستيطاني السرطاني في هذه البلاد الطاهرة.

مما يرويه الشيخ حمزة بوكوشة -رحمه الله- وهو أحد أأبناء الجمعية الكبار، وجاء في مجلة المعرفة)عدد20 )ضمن مقال له قال:"إن ابن باديس رحمة الله عليه كان يفكر في "الثورة" أيام اشتعال الحرب العالمية الثانية، وقال الشيخ بوكوشة: "اجتمعت به (يعني ابن باديس) لآخر مرة بنادي الترقي، وكان حاضر الاجتماع تلميذة الشيخ محمد بن الصادق الملياني ليس غير، وبعدما تحادثنا معه في مواضيع خاصة وعامة انتفض ـ رحمه الله ـ وقال: "هل لكم أن تعاهدوني .فقال له الشيخ محمد الملياني: لا أستطيع قبل أن أعرف، ثم توجه الشيخ ابن باديس الي وقال: وأنت. قلت:إذا كان على شيء، أنت فيه معي، فإني أعاهدك. قال:طبعا، أنا لا أكلف غيري بما لا بما لا أ كلف به نفسي .فمددت يدي وصافحته وقلت: إني أعاهدك ولكن على ماذا؟ قال:إني سأعلن الثورة على فرنسا عندما تشهر عليها إيطاليا س الحرب.ثم افترقنا".

أما العلامة الشيخ المفتي المعروف أحمد حماني رحمه الله، وهو تلميذ الشيخ ابن باديس، فقد روى من جهته ما يفيد تهيؤ فكر ابن باديس وعزمه.قال: لما كنت تلميذا في جامع الزيتونة زارنا الشيخ ابن باديس في تونس سنة 1937 وقد استدعته جمعية الطلبة المسلمين الجزائريين فألقى خطبة رائعة جاء فيها: أنتم يا أبناء الجزائر، يا أبناء الأمة المنكوبة، يا أبناء الأمة التي لا علم لها. ماذا أعدت لكم الجزائر؟ أعدت لكم فقرها، وأعدت لكم الجزائر جهلها، أعدت لكم الجزائر بؤسها وذلها، وأعدت لكم الجزائر شجونها فهل أنتم مستعدون"، وفي أهل هذا ما فيه من تحريض وتحفيز وتوعية ودفع للعمل والثورة على فرنسا وإجرامها وعدوانها

كما روى الشيخ أحمد حماني أيضا وقال.. أشهد ـ والشهادة لله ـ "إننا كنا ذات ليلة في مدرسة التربية والتعليم في قسنطينة، وكان أيام اغترار بعض الزعماء السياسيين ببرنامج "فيوليت "وترويجهم له في الشعب (الجزائري)، ... فأخذ الشيخ يحدثنا هذا "البروجي " (المشروع) ويكشف من أسلوبه ما كان خافيا، وكان الشهاب ساكت عن بعضه .فقلت: يا أستاذنا لماذا لا نكشف للشعب هذه المساويء. فأجاب (رحمه الله)" الشعب اليوم مغتر بما يعرض عليه وهو سراب. فدعه حتى يضربه الحائط، وتصيبه الخيبة فيستيقظ ويكون رد فعله وأعنف". ولم يطل الزمان حتى أعلن في مجلة الشهاب" هل أن أوان اليأس من فرنسا ومن وعودها"؟ ومعلوم أن سلاح اليائسن هو الثورة .(من مقال:صور من ذكرياتي مع الإمام عبد الحميد بن باديس، جريدة الشعب -16 أفريل 1999ص8).

وهاهنا شهادة أخرى جليلة القدر يسجلها الدكتور فاضل الجمالي: رئيس الوفد العراقي في اجتماع الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في خريف 1951 بباريس قال:...زارني في (نزل كريون ـ بباريس ـ ( أ محل إقامتي وفد جزائري يرأسه الشيخ الإبراهيمي وقد اقترح عليَ الوفد عرض قضية الجزائر على الجمعية العامة في دورتها الحالية (في ذلك الوقت) شرحت للوفد عدم جدوى ذلك، وأن قضية المغرب أجل النظر فيها إلى الدورة القادمة، مجاملة للدولة المضيفة (فرنسا).وقلت له إن العراق على استعداد لمعاونة الجزائر ونصرتها .وبعد أيام من لقائنا أقمت حفلة في الفندق، وكان في مقدمة المدعوين الشيخ الإبراهيمي وقبل انتهاء العشاء نهض الشيخ خطيبا مما أدهش السامعين ونال إعجابهم .ومما قاله في خطابه:"إن الجزائر ستقوم قريبا بما يدهشكم من تضحيات وبطولات.في سبيل نيل استقلالها وإبراز شخصيتها العربية الإسلامية" تكرر لقاؤنا في باريس وتوطدت العلاقة الأخوية بيننا على قواعد العروبة والإسلام. (مجلة الثقافة الجزائرية عدد 87 ماي-جوان 1985).

آخر التغريدات: