من رواد التقریب: الإمام الإبراهيمي مدرسة في الفكر والجهاد

بقلم: الشيخ محمد مهدي التسخيري-

هناك شخصيات، في تاريخ الانسانية ليس من اليسير أن يتأتى للكاتب ان يجمع فيما تنتج وتبدع لما لها من حكمة وعلم؛ وخلق، واداء، وادب وجاذبية، وسعة فكر، وعقلانية، وبعد معنوي وذاتية من حكمة تستقطب العقول والقلوب اينما حلت ومع من تواصلتشخصيات نذرت نفسها لخدمة المجتمعات الانسانية، ونهضت بهامن كبوتها، وفكتاغلالها، واسترجعت كرامتها واستقلالها، وقادت امتها في طريق الصلاح والاصلاح. فالحديث عن رائد من رواد هذه الامة المباركة الذي أنار في سماء وجوده كواكب اضاءت درب الهداية للبشرية، وللامة الاسلامية خاصة، ألا وهو العلامة الامام محمد البشير الابراهيمي المصلح الاسلامي الجزائري، الذي وظف جهده، وجهاده، وحياته، لتربية مجتمعه واصلاحه وتحريره من اغلال الاستعمار الفرنسي، وكان مناراً لأبناء الامة والاجيال من بعده.

إن أي أمة من الأمم التي تحترم نفسها، تتشرف بعظماء افرادها، وتتزين بكرام ابنائها، وترفع من شأنها برفع شأنهم فيعلوقدرها، بعلوقدرهم وتبلغ بهم قمم المجد العالية، ولاخير في امة لا تعرف قدر رجالها، ولا تضعهم في موضع الاجلال بما يليق بمقامهم الشامخ.

من هو ؟

هومحمد البشير بن محمد السعدي بن عمر بن محمد السعدي بن عبدالله بن عمر الابراهيمي (1206 – 1385 هـ، 1889 – 1965م) من قبيلة (أولاد ابراهيم) العربية، التي استوطنت مقاطعة قسنطينة في الجزائر.

ولد بريف الجزائر في يوم الخميس 14 شوال 1206 هـ – 12 يونية 1889م في أسرة توارثت علوم الاسلام والعربية على امتداد خمسة قرون..

وتربى وتعلم في كنف عمه الشيخ محمد الملكي الابراهيمي ودرس على يديه الكتب التي كانت تدرس بالازهر الشريف ذلك الحين.

وتميّز بذاكرة خارقة للعادة.. حفظ القرآن الكريم في تمام الثامنة من عمره، مع فهم مفرداته وغريبه، ولم يبلغ الرابعة عشرة من عمره الا وكان قد حفظ العديد من المتون في النحووالسيرة والمنطق والفقه والاصول والادب؛ لغة وشعرا وبديعا والرجال.. ولقد بغلت قوة حافظته الحد الذي كان يحفظ عشرات الابيات من سماع واحد.

وبعد وفاة عمه سنة 1361هـ 1903 م وعمر البشير 14 سنة.. وكان عمه قد أجازه الاجازة العامة.. وعهد اليه ان يخلفه في التدريس لطلابه، فاصبح شيخا وهوفي سن الصبا.

وقد زار اهم الدول الاسلامية للتعلم والتعليم من عام 1361 هـ – 1903 م كالحجاز ومصر وسورية والعراق و… ما افاد واستفاد ثم عاد الى الجزائر سنة 1338 هـ – اوائل سنة 1920 م على نية ايقاظ الامة وتحرير الشعب الجزائري من براثن الاستعمار الفرنسي الغاصب آنذاك.

البشير والاصلاح

الاصلاح امر فطري تسعى اليه النفوس جاهدة من اجل تحقيقه في حياتها الفردية، والاجتماعية، للوصول الى سعادة دنيوية واخروية، باستخدام كل السبل الانسانية المشروعة . لكن شعار الاصلاح سيف ذوحدين؛ فهوشعار القادة المصلحين الواعين ، والناشرين شرعة الحق، والمبلغين لرسالات الله، والامناء الاخيار أوالاولياء الصلحاء، والعلماء الابرار الذين بذلوا الجهدوالمهج من اجل تغيير النفوس ثم المجتمعات لاقامة العدل والانصاف ونبذ الظلم والاجحاف، وبث الوعي في عقول ابناء امتهم والايمان في قلوبهم.

والاصلاح ايضا كان شعار المستعمرين الغزاة الذين قتلوا العباد وخربوا البلاد ونشروا الفساد ونهبوا الثروات وزرعوا الفرقة والشتات. باسم الاصلاح. اسقطوا الدولة الاسلامية وحوّلوا الوطن الاسلامي الى دويلات، والامة الاسلامية الىشعوب، تُفتَرَسْ كل يوم من سبع استعماري ضار، تحت عناوين مختلفة كالقومية تارة والشيوعية اخرى والديمقراطية.. وما الى ذلك من وجوه وصور مبرزة لما يسمونه الطغاة والغاصبون بالاصلاح الذي ليس هوإلاّ الإفساد الاجتماعي والثقافي والحضاري بكل ما تحمل الكلمات من معانيها.

فما زالت الصرخة الاصلاحية للامام البشير الابراهيمي تدوّي في سماء الاحرار والمصلحين من بعده: «يا ويح الجهلة، أيريدون من كلمة الإصلاح ان نقول للمسلم قل: لا اله الا الله مذعنا طائعاً، وصل لربك أوّاها خاشعاً، وصم

له مبتهلاً ضارعاً، وحج بيت الله أوّاباً راجعا، ثم كن ما شئت نهبة للناهب، وغنيمة للغاصب، ومطية ذلولاً للراكب.

ان كان هذا ما يريدون كلا، ولاقرة عين; وإنما نقول للمسلم، اذا فصلنا، كن رجلا عزيزا، قويا، عالما، هاديا، محسنا، كسوبا، معطيا من نفسك، آخذاً لها، عارفاً بالحياة، سباقا في ميادينها، صادقا، صابراً، هيناً اذا اريد منك الخير، صلبا اذا اريد منك الشر.

ونقول له اذا أجملنا: كن مسلما كما يريد منك القرآن وكفى».

وعن دوره الاصلاحي في المجتمع الجزائري يقول فضيلة الاستاذ العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: «وكان هدف الشيخ الابراهيمي من عمله الاصلاحي الكبير الذي بدأه مع ابن باديس ورفقائه في الدرب، هواعداد الشعب الجزائري المسلم ليوم لاريب فيه، وهويوم التحرر من الاستعمار الفرنسي الإستيطاني المتغطرس، الذي طال ليله وطم سيله.

ولن يحرر الوطن الجزائري من نير الاستعمار الا الشعب الجزائري، ولن يتم ذلك الا اذا حررنا نفسية الشعب من الخنوع للمستعمر، ومن التبعية لثقافته، ومن اليأس من مقاومته.

وحينئذ سيتحول هذاالشعب كله الى جنود للكفاح، بل الى ابطال تنشد الجهاد والاستشهاد، حين تحل العقدة وتتحكم العقيدة، وتتضح الغاية، وتستبين الطريق، وتستحكم العزيمة، ويسود قبل ذلك كله: الايمان بالله، والثقة بنصره، والايمان بان الحق مع الشعب المجاهد، وان الباطل مع العدووالمستعمر، وان الحق لابد ان ينتصر على الباطل، (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هوزاهق) (الانبياء: 18)

كان لابد من غرس العزة في الانفس، واليقين في السرائر، والامل في القلوب، والبغض للذل والخنوع، والشعور بالسيادة، والتوق الى الحرية».

فالاصلاح الذي كان يدعوله الشيخ البشير، كما اشار إليه الدكتور القرضاوي هواصلاح النفوس وتزكيتها وتهذيبها وتمهيدها للتحلي بالقيم الانسانية العليا من العزة والكرامة، واليقين والامل بالله القادر المتعال الذي فوق عباده، وعندما يحصل التغيير الايجابي في النفوس، يخلفه التسديد الالهي بتغيير الامة (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد:11) وينقلهم الى موقع القيادة والريادة والوسطية والشهادة على العالم كله (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس..) (البقرة: 143)

ويرى فضيلة الشيخ مختار السلامي «رئيس المجلس الاسلامي الاعلى في تونس، سابقا» ان آراء الاصلاح كانت احدى ركائز شخصية الامام الابراهيمي،، وجد فيها صدى نفسه، ومتنفس، وصورة أمينة لما بلغته مداركه، فامتزح بهاودافع عنها وجعلها احدى ركائزه في الجهاد يقول: لانزاع في ان اول صيحة ارتفعت في العالم الاسلامي بلزوم الاصلاح الديني والعلمي في الجيل السابق لجيلنا هي صيحة امام المصلحين الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده – رضي الله عنه – وأنه اندى الأئمة المصلحين صوتا، وابعدهم صيتا في عالم الاصلاح.. كانت تلك الصيحة الدواية في فم ذلك المصلح العظيم صاخة لآذان المتربصين بالاسلام، ولآذان المبطلين من تجار الولاية والكرامة وعبدة الاجداث والانصاب..، ولآذان الجامدين من العلماء.

وفي الحديث عن الدور الاصلاحي للامام البشير الابراهيمي يستطرق الاستاذ المفكر الاسلامي الدكتور محمد عماره قائلا: ان الاصلاح الديني، بواسطة العلماء المخلصين، هوالذي يجعل لصولة العلماء الاولوية والغلبة على صولة الملك.. وهوالذي يجعل للعلم سلطنته وسلاطين يغالبون ويغلبون سلاطين الجور والفساد.. وهوالذي يجعل تجديد الدين السبيل الى تجديد الدنيا.. وهوالذي يهيىء النفوس –ومن ثم المجتمعات – لتقبل السياسات والقوانين والنظم وبرامج الاحزاب والحكومات.. لانها – جميعاً – آليات لاشاعة الاصول وترسيخها في المجتمعات وما البدء بعكس هذا المنهاج – أي تقديم الفروع على الاصول.. والاكتفاء بسياسات الفروع في تجديد الثوابت وتأكيد الهويات –

الاّ حرث في البحر، ونقش على الماء، وبناء في الهواء، مهما حسنت نوايا الذين ينحرفون الى هذا السبيل.

دور العلماء عند البشير

«العلماء ورثة الانبياء» كما ورد في الحديث الشريف، هم الثلة الذين نذروا انفسهم لاحياء العقول وتطهير النفوس وتنوير القلوب وجاهدوا ليل نهار، دفاعا عن حقوق الامة الاسلامية ورفع منارة الاسلام، ترسيخا للعقيدة وتثبيتا للاصول وتفهيما للفروع ونشرهم المعارف الالهية، والعلوم العقلية والنقلية، ورفع الشبهات الباطلة الدخيلة، قاوموا الفكر اللقيط المنحرفالمستورد الداعي الى نسيان التراث الاسلامي الهائل المؤسس لحضارة الاسلام، والتبعية العمياء المطلقة لما جاء به المستشرقون والمبشرون الجدد تحت ظلال التكنولوجية الحديثة، لالخدمة المسلمين بل وسيلة لاستعبادهم وإخضاعهم واذلالهم للوصول الى ثروتهم والتسلط على مقدراتهم وممتلكاتهم البشرية والطبيعية، أي استعمار عقولهم بعد ان عجزوا عن استعمار اوطانهم بالقوة والعسكرة.

فالامام البشير يشيد بالعلماء الحقيقيين الذين هزوا النفوس الجامدة، وحركوا العقول الراكدة، قوالون للحق لايخافون في الله لومة لائم. ويكتب بمناسبة الاحتفال بذكرى الامام جمال الدين الافغاني «الاسد آبادي» عام 1957 قائلا: «ان من البر بأنفسنا ان نذكر – مع كل شارقة – عظماءنا ومصلحينا الذين كان لهم أثر مشرق في تاريخنا، وأن نحيي ذكرياتهم لنحيا بها، ونأخذ العبر منها، ونجعلها دليلنا اذا اظلمّت علينا السبل، وقدوتنا اذا أعوزنا

الإمام القائد

العلماء الربانيون في هذه الامة ثلة من الاولين، وقليل من الآخرين، والحكمة في هذه القلة قلة اخرى، لا تلد القرون منهم الا الواحد بعد الواحد، ولايجيء الواحد الى الوجود إلاّ بعد فترة من تحكم الاهواء واستيلاء (الخمول)، وسفه القيادة والبعد عن هداية الدين، والجهل بامور الدنيا وبالصلة الوثيقة بينها وبين الدين، فانطماس المعالم المنصوبة والاعلام الهادية فيهما فيكون ظهوره تجديداً للدين والدنيا معا، ودعوة للعزّة ، فيهما معا، واصلاح لما افسدته الغفلة منهما معا، وريا لما تشعث من بنائهما معا، ومن هذا القبيل جمال الدين.

الخليون الفارغون من علماء القشور والرسوم بنظر الافغاني ليس أي من هؤلاء عالما دينيا بالمعنى الذي يفهمونه من الدين ومن العالم الديني، الذي هوعندهم حاكي اقوال وحافظ اصطلاحات وراوي حكايات، ويجلس في حلقته فيفيض في الحلال والحرام وفي الزهد والرقائق بكلام مقطوع الصلة بالقلب، مقصور على اللسان، فهولا يؤثر، ومن ثم فهومقصور على سمع السامع فهولا يتأثر، وليس فيه الا قال فلان، وقال فلان، وليس منه: قلت ولا ارتأيت، ولا فكرت، حتى اذا فرغ كل شيء منه، وخرج من الدرس فوجد البدع والمنكرات من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يهتز لها هزة الغضب، ولا يتأثر لها تأثر المنكر، بل يجاري البدع والمبتدعين ويكثِّر سوادهم، ويكون حجة على الدين لا حجة له.

اما اصحاب العقول المتدبرة، والافكار المثمرة، والبصائر النيرة، والموازين الصحيحة للرجال، فانهم يرون الافغاني عالما أي عالم، وفردا انطوى على عالم، وحكيماً أي حكيم، وأنه أحيى وظيفة العالم الديني واعاد سيرتها الاولى…

… لقد كان الافغاني عالما شجاعا، قوالا للحق جريئا فيه، لا يخشى في كلمة الحق يقولها ولا في الحق يدعواليه لومة لائم، وجميع الثغر التي

اتينا منها فعلة العلل فيها آتية من سكوت علماء الدين وبعدهم عن شؤون المسلمين العامة..

وقد جزاه الله في الدنيا جزاءً عاجلاً، فرزقه من التلامذة المستعدين نفخ فيهم من روحه، ورباهم على مبادئه، وكانوا من بعده حملة فكرته، الشارحين لها بالعمل، وحسبكم بالاستاذ الامام محمد عبده..

لقد اقتحم جمال الدين هذا الميدان فكان حجة لبعض العلماء، وحجة على بعضهم.. رحمه الله على جمال الدين جزاء لما قدمه للاسلام والمسلمين، وكفاه ما سنّه للعلماء من أسس حسنة لم نزل نتقلب في أعطافها، وندين له بالفضل فيها».

وعندما يستعرض الدكتور عمارة كلام البشير عن الامام جمال الدين، يجل كلماته احتراما ويضيف: هكذا ميز الامام البشير بين «علماء الرسوم» الذين لاقلوب لهم، ولاحكمة فيهم، ولا شجاعة لديهم، والذين رسم لهم الافغاني صورة «كاريكاتورية» عندما وصف الواحد منهم بانه «جبة كالخرج، وعمامة كالبرج، ورأس فارغة»!!.. ميز الامام البشير بين هذا الصنف من «العلماء» وبين «العلماء الحكماء» الذين يجددون الدنيا بتجديد الدين.. وتحدث عن مكانة الافغاني بين هؤلاء العلماء الحكماء.. وعن غرسه الطيب المتمثل في الامام محمد عبده.. وعن دين هذه المدرسة الاصلاحية على حركات الاصلاح الاسلامي في العصر الحديث…

وللإمام البشير حديث آخر عن العلماء المخلصين الذين اعاروا جماجمهم لله، وصدقت افعالهم اقوالهم، وتسلحوا بسلاح الايمان بالله، والعلم النافع، وعن هؤلاء العلماء الصادقين يقول الامام الابراهيمي:

لقد صدق اولئك العلماء ما عاهدوا الله عليه، وفهموا الجهاد الواسع فجاهدوا في جميع ميادينه، ان القبول بالجزاء من الله على الاخلاص يجعله لعباده المخلصين، وهوالسر الالهي في نفس العالم والانتفاع به، وهوالسائق الذي يدع النفوس المدبرة عن الحق الى الاقبال عليه. ونفوذ الرأي وقبول الكلام من العالم الديني الذي لايملك الا السلاح الروحي، هوالفارق الاكبر بين صولة العلم وصولة الملك، وهوالذي اخضع صولة الخلافة في عنفوانها لاحمد بن حنبل واخضع صولة الملك في رعونتها للعز بن عبدالسلام.. وان موقف هذين الامامين من الباطل لعبرة للعلماء لوكانوا يعتبرون، وان في عاقبتهما لآية من الله على تحقيق وعده بالنصر لمن ينصره.. وما لنا من فائت نتمنى ارتجاعه اعظم من بعث تلك الشجاعة.

اعظم ما أضعنا من خصالهم، وحرمنا – بسوء ترجيتنا – من خلالهم .. ولعمري ان تلك القوى لم تمت، وانما هي كامنة، وان تلك الشعل لم تنطفىء، فهي في كنف القرآن آمنة، وما دامت نفحات القرآن تلامس العقول الصافية، وتلابس النفوس الزكية، فلابد من يوم يتحرك فيه العلماء فيأتون بالاعاجيب..

ولازلنا نلمح وراء كل داجية في تاريخ الاسلام نجما يشرق، ونسمع بعد كل خفتة فيه صوتا يخرق، من عالم يعيش شاهدا، ويموت شهيدا، ويترك بعده ما تترك الشمس من شفق يهدي السارين المدلجين الى حين.. ».

ويشير الدكتور القرضاوي إلى حرص البشير الابراهيمي على معرفة اولئك المتاكلين باسم الاسلام وحماية الشريعة من هؤلاء: «وكان من حرص الشيخ على حماية الاسلام من الدجالين، يصب جام غضبه على اولئك الذين يلبسون لبوس العلماء، ثم هم يعملون لخدمة الاستعمار تحت عنوان الوظائف الدينية: كالامامة والخطابة والتدريس والفتوى، وهذه هي الكارثة: ان يتحدث باسم الاسلام رؤوس جهال، يُسألون فيفتون بغير علم، فيضلون ويضلون، أواسوأ من ذلك: أن يُفتوا بما يرضي سادة الاستعمار، وان اسخط الواحد القهار، وانما ينتصر الاسلام بالعلماء لابالعملاء، وبالدعاة لابالادعياء.

يقول الشيخ: ان المسجد لا يؤدي وظيفته ولايكون مدرسة للقرآن، الا اذا أشاده اهل القرآن، وعمروه على مناهج القرآن وذادوا عنه كل دعاية، وما جعل القرآن المساجد لله، الا لتكون منبعا لهدايته، وما وصف الذين يعمرون مساجد الله بانهم لايخشون الا الله، الا ليقيم الحجة على ضعفاء الايمان ويعزلهم عن هذه المرتبة وصدق الله وصدق رسوله الذي وصف القرآن بانه (لا تنقضي عجائبه)!

فوالله لكأن هذه الجملة «لم يخش الا الله» من هذه الآية بهذا الاسلوب المقيد للحصر بأبلغ صورة نزلت اليوم، وهاجة بانوار الرسالة، مطولة بانداء الوحي، لتكون حجتنا القاطعة على هذا النمط من عمار المساجد الذين يخشون المخلوق ولايخشون الله.

مقاومة الاستعمار

الابتعاد عن روح المبادىء الاسلامية وهجر القرآن الكريم ادى الى هبوط المستوى الفكري الاسلامي في المجتمع، ونفوذ الافكار المنحرفة التي هيأت الظروف للغزوالثقافي، ومن ثم العسكري ضد الوطن الاسلامي وتمزيق الامة الواحدة الى شعوب وقوميات متناحرة، ومتنافرة، لايقبل بعضها بعضا، كل يجرّ النار الى قرصه ويبحث عن مصالحه في ظل قيادات مأجورة، بعيدة كل البعد عن مصالح امتنا، مسلطة على رقاب ضعفاء شعوبها، وممتنة لاسيادها، التي نصبوها وألقوا زمام قيادة الشعوب المشتتة بأيديهم لتبقى على ماهوالحال اواشد فرقة. كان ولابد للدخول الى اراضي الآخرين بحاجة الى شعارات براقة مسكتة لعامة ا لناس، ومغرية للنفوس الضعيفة والارادات المهزومة، فحملوا شعار الاستعمار كما حمل خلفهم شعار الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان وبسط العدل والحرية فكلاهما لايحملان سوى الخراب والنهب، والدمار، والقتل والسجن والعبودية،والارهاب، ومصادرة الاوطان، والاموال، والثروات واستعباد العقول والاجساد، ثمرة الاستعمار هوكل ما نشاهده اليوم في العالم الاسلامي خاصة، من تخلف علمي وتكنولوجي، وكبت الحريات، وعدم احترام ارادة الشعوب، وتهميش النخب الفكرية اوابعادها من اوطانها ليكون جهدها لصالح المستعمرين القدامى والجدد، وتغيير مناهج التدريس في المدارس، والمطالبة بالتغيير اكثر الى حد عدم قراءة بعض آيات القرآن الكريم المعارضة لمصالح اليهود والقوى الاستكبارية الغاصبة المتغطرسة، وتقديم مناهج دراسية جديدة، تستهدف التطبيع والمساومة والتبعية لقوى الاحتلال الغاصبة، واعتبارها ملائكة الرحمة النازلة من اجل مصالح أبناء الأمة الاسلامية.

فاذا كان الامام الخميني (رحمه الله) قد وصف الاستعمار الاميركي بالشيطان الاكبر في عالمنا المعاصر، فان الامام البشير ايضا، قد وصف الاستعمار الغازي لبلاد الاحرار الجزائرية، بهذاالوصف سابقا في احدى خطبه قائلاً: «يا معشر الجزائريين: ان الاستعمار كالشيطان الذي قال فيه نبينا (ص): ان الشيطان قد يئس ان يعبد في ارضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما دون ذلك; فهوقد خرج من ارضكم ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه الا فيما اضطررتم اليه، وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها».

وحول الغزوالفرنسي واهدافه في الجزائر يذكر الدكتور محمد عمارة: «لقد جاء الاستعمار الفرنسي الى الجزائر سنة 1245 هـ – 1830 م لا ليجعل منها مجرد مستعمرة يحتل فيها الارض وينهب الثروات، ويغرب العقول بالقدر الذي يؤبد به احتلال الارض ونهب الثروات.. وانما جاء طامعا فيما هواكبر من ذلك واخطر.. جاء ليجعل الجزائر امتداداً لفرنسا عبر البحر المتوسط.. قطعة من فرنسا الدين واللغة والهوية والحضارة.. ولذلك كانت حربه الشرسة والضروس ضد اصول الشعب الجزائري.. ضد الاسلام الذي انتزع الجزائريين من النصرانية الرومانية.. وضد العربية، التي جاء بها الاسلام الى الجزائر.. وضد القانون الاسلامي الذي اخذته الجزائر عن فقه امام دار الهجرة مالك بن انس (93 – 79 –هـ، 712 – 795 م) رضي الله عنه.

الى هذا الحد بلغ سقف الطموح الاستعماري الفرنسي على ارض الجزائر بالذات.. فهويريد تخطي اعناق القرون الاسلامية في التاريخ الجزائري، ليعود بها الى النصرانية بدلاً من الاسلام.. والى الفرنسية بدلا من العربية.. والى قانون نابليون بدلا من فقه الامام مالك.. ولهذا كانت كل سياساته الاستعمارية «الثمرات الفرعية» التي ولدتها حربه الضروس من هذه الاصول.. ولهذه الحقيقة – التي غفل عنها الكثيرون من «علماء الفروع» - انطلقت «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» من المنهاج الاسلامي للاصلاح، ذلك الذي يبدأ بالاصول، وصولاً منها الى الفروع، وهوالمنهج الذي توفرت على بعثه وتجديده مدرسة الاحياء التي اسسها جمال الدين الافغاني وهندس بناءها الامام الشيخ محمد عبده..»

واما الامام البشير الابراهيمي خلال سنوات اقامته بالمدينة المنورة تفتحت عليه الملكات الاصلاحية والسياسية.. وتدارس قضايا الخلافة الاسلامية.. وحال الدولة العثمانية.. واوضاع الامة العربية ومستقبلها.. والهيمنة الاستعمارية.. وخاصة مع الشيخ عبدالحميد بن باديس.. الذي التقى به 1331 هـ – 1912م وعلى امتداد ثلاثة اشهر تذاكر الشيخان وتدارسا وخططا معا للنهوض بوطنهما الجزائر، وانتزاعها من المسخ الاستعماري الصليبي الفرنسي واعادتها الى العروبة والاسلام.. وعند ما بلغته اخبار عن الجزائر، استبشر بتحسن الجوللعمل الاصلاحي.. عاد الى الجزائر سنة 1338 هـ – اوائل سنة 1920 م – على نية القيام بالعمل العلمي .. ثم السياسي .. فتعاون مع النخبة التي كانت قد سارت على المنهاج الذي رسمه هووالشيخ ابن باديس… وتواصل العمل الاصلاحي الذي انجر الى تأسيس جمعية العلماء. الذي «سوف نتحدث عنها لاحقا»..

فالبشير الابراهيمي كما يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: «يعد ثاني اثنين على صعيد القيادة الفكرية والروحية للثورة الجزائرية المباركة التي طهر الله بها ارض الجزائر من بغي الاستعمار، ولئن قضى الله بأن يرحل عن هذه الدنيا بجسمه، فان مبدأه الذي كان يسير وتسير الجزائر عليه غير قابل للرحيل، اذ لم يكن فكرا ابتدعه من عنده، وانما هوشرعة الله وحكمه استلهمها من كتاب الله وهدي نبيه، وما كان عليه سلف هذه الامة رضوان الله عليهم، وشرعة الله باقية ما بقي الزمان».

اعتقل المستعمرون الفرنسيون الامام البشير في «2 ربيع الاول 1359 هـ – 10 آبريل 1940» ونفوه الى قرية نائية بالجنوب الوهراني تسمى آفلوحيث امضى ثلاث سنوات في الاقامة الجبرية، واستدعت ادارة تلمسان المحلية الشيخ الابراهيمي قبل هذا القرار وحاولت اقناعه بسداد طلب الحكومة فرفض وقيل له ارجع الى اهلك وودعهم واحضر معك حقيبتك، فقال لهم: لقد ودعتهم وهذه حقيبتي جاهزة.

وعن قصة رفضه للمستعمر الفرنسي وجهاده ضد المحتلين يقول الرئيس بوتفليقة: لقد ابتلي الامام الابراهيمي في تلمسان ابتلاء المؤمن المحتسب؛ لأن دينه ومروءته أبتا عليه أن يركن الى الذين ظلموا قومه وجاروا على وطنه، ورفض اصدار بيان يؤيد فرنسا في الحرب العالمية الثانية، بالرغم مما عرض عليه من مغريات فكان جزاؤه السجن في قرية نائية – وهي آفلو– فصبر صبر المؤمن، ولم يحزنه ما اصابه في سبيل دينه ووطنه؛ فتلك الضريبة لايدفعها الا العاملون المخلصون للاوطان ولايؤديها الا البررة من الرجال، ولكن الذي حز في نفسه وآلمه اشد الالم هووفاة أخيه الحبيب الى قلبه الامام عبدالحميد بن باديس، وعدم تمكنه من تأبينه والقاء النظرة الاخيرة عليه، وما أشقّ ذلك على نفسه، يدرك ذلك من عرف العلاقة المتينة بين الرجلين.

ثم فرج الله كربة الامام الابراهيمي فأخرجه من السجن فوجد أن اخوانه قد اصطفوه لخلافة الامام بن باديس في رئاسة جمعية العلماء فانطلق – رغم الحرب العالمية الثانية التي كانت ما تزال مشتعلة – يعمل دون ملل ولا كلل يفتح المدارس الحرة، والمساجد المستقلّة.

وكان جهده مشكورا وسعيه مذكورا وتنسيقه مع اخوانه في الحركة الوطنية مشهورا، حيث انبثق عن ذلك ماعرف في تاريخناالمعاصر باسم بيان الشعب الجزائري الذي وجه في سنة 1943م لقادة الحلفاء الذين نزلوا بالجزائر في اواخر سنة 1942 ووجه الى مسؤولي ما يسمى آنذاك فرنسا الحرة.

الا ان فرنسا لم تكن حرة الا في قهر المستضعفين.. فماان وضعت الحرب اوزارها ورفع الجزائريون مع شعوب العالم رايات الفرح والابتهاج بانتهائها، حتى بطشت بطشتها الكبرى صباح يوم 8 مايوالكئيب من سنة 1945 فقتلت من قتلت وسجنت من سجنت، وكان الامام الابراهيمي ضمن من سجن وعذب في مدينة الجزائر وقسنطينة، مما تسبب له من امراض ظلت تنهك جسمه وتؤلمه الى أن أسلم الروح الى بارئها.

فالاستعمار عند الشيخ الابراهيمي ليس فرنسا فقط – كما يسطر الدكتور ابوالقاسم سعد الله – بل هوممتد ومتمثل في صراع الشرق والغرب وفي تثاقف الحضارات ذاتها، سواء في العهد الروماني المظلم الذي غطى بظلامه المغرب والمشرق على السواء، اوفي العهد الفرنسي الذي لايقل في نظره ظلاما وظلما.

ففي كلمة له بعنوان (الجزائر المجاهدة) حلل الشيخ اوضاع الجزائر القديمة والحديثة، انطلاقا من موقعها الجغرافي قائلا: ان هذاالموقع هوالذي رشحها لتحوز السبق في الجهاد، وهويعني به موقعها على الضفة اليسرى للبحر المتوسط، وبالضبط في مواجهة مرسيليا، حيث تتشكل اوسع نقطة من ضفتي هذا البحر بالنسبة لجيران الجزائر (تونس والمغرب). وقد حلل الابراهيمي طموح الامم اللاتينية في استعمار جيرانها في الضفة الافريقية «تحليل الخبير باوضاع الامم الغابرة، فقال عن الامم اللاتينية انها ذات اطماع وفتوحات وكبرياء ودماء منذ كانت، ولم يزدها ظهور الدين المسيحي السامي الروح

إلاّ ضراوة وطموحا في الغلبة، لان الطبيعة المادية المتكالبة لتلك الامم غلبت طبيعة الدين المسيحي الروحية المتسامحة، وبذلك اصبح الدين المسيحي دينا رومانيا لا شرقيا.

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودور الامام الابراهيمي

كما ان للانسان حقوقاً فان عليه تكاليفاً من الله سبحانه وتعالى لابد منها من اجل تحقيق سعادته في الدنيا والآخرة معا، وهذه التكاليف تارة تكون فردية يقوم بها الانسان في مجالات الحياة المختلفة، من عبادة ومعاملات وعلاقات اجتماعية ومنافع اقتصادية وتمشية امور يومية وغيرها، وهناك تكاليف اجتماعية لايمكن للانسان بمفرده القيام بها ولاتتحقق الا بمعونة الاخرين، وهذه تتطلب منه التعاون مع الاخرين، وفقا لبرنامج محدد لتحقيق الاهداف المعينة المنصبة في طريق رضا الله وخدمة خلقه، وتتفرع هذه التكاليف في جوانب عديده وأهمها، اقامة التغيير الفكري البنيوي والسياسي على مستوى المجتمع والبلاد والامة، للوصول الى مجتمع افضل يحكم فيه الخير ويطرد منه الشر بكل الوانة الفكرية والسياسية، وهذا النوع من التغيير يتطلب جهداً كبيرا ومضاعفاً مقرونا بالاخلاص والتعاون والبرنامج المدروس في مدة زمنية كافية، من هذا المنطلق تأسست الاحزاب والجمعيات والمنظمات المحلية والدولية من اجل تنظيم الامور والدفاع عن الحقوق والوصول الى تغييرات على اعلى المستويات في البلدان الحرة والمستعمرة والمغتصبة، فمنها من حقق اهدافه ومنها لايزال يتابع ويجاهد بغية الوصول الى اهدافه المنشودة.

ان احتلال الغزوالفرنسي للجزائر وعمله المتواصل لتغريب الشعب المسلم الجزائري بكل مايملك من اساليب وقوة، اوجب الظن بان الجزائر عادت الى عهد الصليبية الاولى، واقامت المهرجانات والاحتفالات بمئوية استعمارهها للجزائر استوجب استفزاز ضمير الامة وتفجير روح الاصلاح وطاقات المقاومة .. ففي تلك الاحتفالات خطب احد كبار الساسة الاستعماريين الفرنسيين فقال: (اننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرأون القرآن ويتكلمون العربية، فيجب ان نزيل القرآن من وجودهم، وان نقتلع العربية من ألسنتهم»!!

وخطب سياسي آخر فقال : (لاتظنوا ان هذه المهرجانات من أجل بلوغنا مائة سنة في هذا الوطن، فلقد أقام الرومان قبلنا فيه ثلاثة قرون، ومع ذلك خرجوا منه،الا فلتعلموا ان مغزى هذه المهرجانات هوتشييع جنازة الاسلام من هذه الديار..)!!

كما خطب احد كرادلة الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية – بهذا المهرجان – فقال: (ان عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وان عهد الصليب قد بدأ، وانه يستمر الى الابد.. وان علينا ان نجعل ارض الجزائر مهدا لدولة مسيحية مضاءة ارجاؤها بنور مدنية منبع وحيها الانجيل)!!

وفي مواجهة هذا الفجور الاستعماري – الصليبي – كما يذكر الدكتور محمد عماره «تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» سنة 1349 هـ ، 1931 م.. وكان رئيسها ابن باديس .. ووكيلها ونائب رئيسها الامام البشير.. وبذلك بدأت الثورة الاصلاحية والاحيائية في الجزائر، سالكة طريق المنهج الاسلامي في الاصلاح .. بواسطة المؤسسات الاصلاحية.. والعمل المؤسسي المنظم، وبرأي الدكتور عمارة؛ اذا كانت الجزائر قد شهدت العديد من العلماء والعديد من الثوار، على امتدا د تاريخها مع الاستعمار الفرنسي.. ذلك التاريخ الذي من جهاد امامها الاكبر الامير عبدالقادر الجزائري (1222 – 1300 هـ ، 1807 – 1883م) وحتى جهاد الامامين عبدالحميد بن باديس، ومحمد البشير الابراهيمي.. فان ما تميزت به الحركة الاصلاحية التي جسدتها «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» هواستدعاء المنهاج الاسلامي في الاصلاح، والانطلاق من معالمه التي بعثها وحددها –في عصرنا الحديث – ائمة الاحياء والتجديد: جمال الدين الافغاني… والاستاذ الامام محمد عبده..

وهذه هي العلامة الفاصلة.. والسمة البارزة.. والقمة المميزة لمنهاج جمعية العلماء عن غيرها من الدعوات والثورات والاحزاب التي شهدتها الساحة الجزائرية في مواجهة الاستعمار.

لقد ركز الاستعمار الفرنسي – في الجزائر – على مسخ ونسخ الاصول المميزة للانسان الجزائري..

الاسلام الذي هو دين الأمة..

والعربية.. التي هي لسان الدين والامة، والوطنية.. التي تفصل المستعمر عن المستعمر ، والتي تحول بين الشعب الجزائري وبين الذوبان والاندماج

في فرنسا..

ولهذه يجعل الامام الابراهيمي الاولوية في تحديد معالم المنهاج الاصلاحي:

1 - الاصلاح الديني والعلمي والتعليمي.

2 - واصلاح مناهج الفكر الاسلامي في التعامل مع القرآن الكريم، باعتباره النص المقدس والمؤسس للدين .. والامة.. والحضارة..

3 - وصولا الى الاصلاح السياسي، الذي يبدأ بالاصول والجذور واللباب، حتى يبلغ الفروع، التي يخطىء البعض عندما يحسبونها جماع السياسات! وفي خصوص العمل السياسي يشير الدكتور البوطي الى تلقي الامام البشير عن السياسة وتقويمه لها فيراها في بعدين: احدهما متجه الى العلو، والاخر هابط الى الدون، ومساحة مابين الطرفين كلها مشمول بمعنى السياسة، فالصاعد هواحياء القيم والمبادىء والذي اهمل وضعف سلطانه، والهابط مايشمل التنافس على الرئاسة والتهافت على الكراسي و.. والامام الابراهيمي جعل من جمعية العلماء نموذجاً للنشاط الاسلامي الذي يجب ان يتسامى الى البعد الصاعد لمعنى السياسة، وان لا يتورط في الهبوط الى دركها الاسفل، فيقول ببيانه الرصين المعهود: (ان جمعية العلماء تعمل لسياسة التربية، لانها الاصل، وبعضهم مع الاسف يعملون لتربية السياسة، ولايعلمون انها فرع لايقوم الاعلى أصله، واي عاقل لايدرك ان الاصول مقدمة على الفروع، وان الاستعمار لافقه واقوى ذكاء واصدق حسا من هؤلاء حين يسمي اعمال جمعية العلماء سياسة، وما هي بالسياسة في معناها المعروف، ولا قريبة منه، ولكن يسميها كذلك لانه ويعرف انها اللباب وغيرها القشور، ويعرف انها ايجاد لما اعدم وبناء

لما هدم، وزرع لما قلع، وتجديد لما اتلف، وفي كلمة واحدة هي تحد صارخ لاسلوبه).

وفي موضع آخر يتكلم الشيخ الابراهيمي بكل وضوح وشفافية عن اهداف الجمعية واسباب وجودها مخاطبا الاستعمار الفرنسي الغاصب:

(يا حضرة الاستعمار) ان جمعية العلماء تعمل للاسلام باصلاح عقائده، وتفهيم حقائقه، واحياء آدابه وتاريخه، وتطالبكبتسليم مساجده واوقافه الى أهلها.

وتطالبك باستقلال قضائه، وتسمي عدوانك على الاسلام ولسانه ومعابده وقضائه: عدواناً بصريح اللفظ.

وتطالبك بحرية التعليم العربي وتدافع عن (الذاتية الجزائرية) التي هي عبارة عن (العروبة والاسلام) مجتمعين في وطن.

وتعمل لأحياء اللغةالعربية وآدابها وتاريخها، في موطن عربي وبين قوم من العرب وتعمل لتوحيد كلمة المسلمين في الدين والدنيا، وتعمل لتكوين اخوة الاسلام العامة بين المسلمين كلهم.

وتذكر المسلمين الذين يبلغهم صوتها بحقائق دينهم، وسير اعلامهم، وامجاد تاريخهم.

وتعمل لتقوية رابطة العروبة بين العربي والعربي، لان ذلك طريق الى خدمة اللغة والادب.

فاذا كانت هذه الاعمال تعد – في فهمك ونظرك – (سياسة) فنحن سياسيون في العلانية لا في السر، وبالصراحة لابالجمجمة.

اننا نعد كل هذا ديناً «على الحقيقة لاعلى التوسع والتخيل، ونعده من واجبات الاسلام التي لانخرج من عهدتها الابأدائها على وجهها الصحيح الكامل.

ولتعلم أننا نفهم الاسلام على حقيقته; وأننا لا نستنزل عن ذلك الفهم برقية راق، ولا تهديد مهدد، ولتعلم سلفا، ولتسلم منطقيا وواقعيا، اننا حين تختلف الانظار بينك وبين الاسلام، فنحن مع الاسلام، لاننا مسلمون ولتعلم ان تلكالاعمال تزيدنا مع جلال العلم جلال العمل.

لتعلم مادام الاسلام عقيدة وشعائر، وقرآنا وحديثا وقبلة واحدة، فالمسلمون كلهم امة واحدة، ومادامت اللغة العربية لسانا وبيانا وترجمانا فالعرب كلهم امة واحدة; كل ذلك كلما اراد القدر المقدور، والطبيعة المطبوعة، والاعراق المتواصلة، والارحام المتشابكة (فلا اسلام جزائري) ( ) كما تريد، ولاعنصرية بربرية كما تشاء.

ولتعلم – آخر ما تعلم – أن زمنا كنت تسلط فيه المسلم على المسلم ليقتله في سبيلك قد انقضى وانه لن يعود..

ولكن ماقولك – ايها الاستعمار - في تدخلك في ديننا، وابتلاعك لاوقافنا، واحتكارك للتصرف في وظائف ديننا، وتحكمك في شعائرنا، وتسلطك على قضائنا، وامتهانك للغتنا؟

ما قولك في كل ذلك، أهومن الدين أم من السياسة؟

وكيف تبيح لنفسك التدخل فيما لا يعنيك من شؤون ديننا، ثم تحرم علينا فيما يعنينا من شؤون دنيانا؟ وهبنا واياك فريقان، فريق اخضع الدين للسياسة ظالما، وفريق ادخل السياسة في الدين متظلماً فهل يستويان.

إننا إذا حاكمناك الى الحق غلبناك، وإذا حكمتنا الى القوة غلبتنا، ولكننا قوم ندين بأن العاقبة للحق لا للقوة.

نشاط الجمعية

وعندما يتحدث الدكتور القرضاوي عن هم جمعية العلماء الشاغل يقول: لقد وقفت جمعية العلماء لتذود عن الاسلام في شتى الميادين كما يذود الاسد عن عرينه، وكما يدافع الحر عن عرضه، وكما يدافع الوالد عن ولده وفلذة كبده. دافعت عنه في ثلاثة ميادين في وقت واحد.

أـ في الميدان الخارجي بماردت به من شبه الطاعنين، وكفكفت عن غلواء المبشرين، وبما أقامت من حصون في وجوه الملحدين.

ب – وفي الميدان الخاص بالحكومة الجزائرية، وخصوصا في قضية (فصل الدين عن الحكومة) التي تناولها الشيخ في مقالات عدة تحمل النور والنار، تناولتها بالشرح والتحليل، وبالبيان والتذليل، ولم يهن لها عزيمة، ولا خارت لها في المطالبة قوة، لم يخدعها وعد ولاردها وعيد.

ت – وفي الميدان الداخلي: بينها وبين قومها وأبناء أمتها، حتى تعلم الجاهل، واهتدى الضال، وفاء الى الرشد الغوي.

فلسطين والبشير

القضية الفلسطينية كانت وماتزال تعتبر اهم قضية اسلامية عرفها تاريخ المسلمين منذ بزوغ الرسالة النبوية؛ لأنها تمثل صراع الحق والباطل والكفر والايمان، وتميز الرجال الاحرار والشجعان عن غيرهم، ممن ركنوا الى الظلم خوفاً اوطمعاً اوسكتوا عن الحق، وتعاونوا مع الظالمين باقلامهم وافكارهم واموالهم .

فالقضية الفلسطينية هي الميزان الواقعي للواعين الذين يدركون مايجري من مخططات شيطانية على مدى قرون سالفة لاركاع العالم الإسلامي، وابعاد ابنائه عن دينهم ولغتهم وهويتهم، واتباع ثقافة وحضارة غير اصيلة ولقيطة بلا اصول ومبادئ وقيم انسانية معترف بها لدى عقلاء العالم، فتاريخ الاسلام يحمل لائحة طويلة، من اسماء العلماء والمجاهدين والثوار الذين نذروا انفسهم من اجل الدفاع عن هذه القضية، وكشفوا حقائق الامور لشعوبهم، وما يستتبعه من اخطار الحضور الصهيوني في المنطقة؛ فالفكر والقلم والدم كان ولايزال سلاح الاحرار في العالم بدلاً عن خيانة وتكاسل الحكام المأجورين واستيلاء الاستعمار على البلاد الاسلامية، واسكات الشعوب عن المطالبة بحقوقهم والدفاع عن قضية الاسلام المحورية.

فكان الامام البشير، من هؤلاء العلماء الذين اهتموا بالقضية الفلسطينية في بدايات الاحتلال الصهيوني، وعمل الاستعمار البريطاني والفرنسي .. المستمر لقطع الاراضي الفلسطينية عن الجسم العربي والاسلامي، وزرع الغدّة السرطانية الصهيونية وسط الجسم الاسلامي والعربي في الشرق الاوسط، للوصول الى قاعدة عسكرية وترسانة نووية كبرى من اجل ارهاب شعوب ودول المنطقة؛ بغية تمهيد للدول الاستكبارية العظمى المتمثلة آنذاك بالقوة البريطانية. واليوم تحمل عنوان الولايات المتحدة الاميركية، لتفعل ماتشاء وفقاً لآخر النظريات الفوكويامية والهنتغتونية، واقامة سلطنة عالمية واحدة، واستعباد الشعوب بطريقة حضارية اميركية بعد استلاب الثروات والفكر والحضارة من المجتمع الاسلامي.

لقد تحدث الابراهيمي كثيراً عن قضية فلسطين في السياسة الدولية وفي الصراع العربي الصهيوني وعن مواقف الامة العربية ازاءها.

فهويرى ان فلسطين في العصر الحديث تؤخذ في سوق الأغراض والمنافع الخسيسة بيعاً ومساومة، وهويعني احتلال بريطانيا لفلسطين ، وصدور وعدبلفور بشأن مستقبلها ، واتفاق سايكس بيكوالذي جعل فلسطين تحت الانتداب البريطاني تمهيداً لتهويدها وصهينتها، وهي مواقف دولية معروفة، ولكن الابراهيمي قد أعطاها بعدها التاريخي والسياسي والاستراتيجي الذي كانت بعض الدول والحركة الصهيونية تعمل على فرضه بالقوة.

يذكر الدكتور ابوالقاسم سعدالله أنه في نطاق الحديث عن تقسيم فلسطين لاحظ الابراهيمي أن الدول التي صوتت عليه لم تخلق هي نفسها خلقا طبيعيا، وإنما هي دول خلقتها المنافسات، ولم يبلغ الكثير منها مبلغ فلسطين، في المجد والسبق الحضاري، ووصف الهجرة اليهودية الى فلسطين وصفاً

لا نجده الا عند اصحاب الاختصاص، فقال: إنها ليست كلها يهودية بل هي هجرة اوروبية، دخل فيها السلافي واللاتيني والجرماني والسكسوني؛ لقد جاءوا جميعاً على صوت الصهيونية الى فلسطين حاملين معهم خصائصهم العرقية المشار اليها (الجنسية المتفرقة) ومعها الخصائص الأوروبية من علم وفن وجشع وإلحاد واستعمار وعتو…

وحين ارادت فرنسا ان تتدخل في فلسطين بدأت بالحديث عن مشردي فلسطين وتدويل مدينة القدس، ولذلك لم تسلم من مهاجمة الابراهيمي على أساس تاريخي أيضا، كان صاحب الدعوة الفرنسية إلى تدويل القدس هوالمستشرق لويس ماسنيون الذي اتهمه الابراهيمي – دون التصريح باسمه – بأنه خديم الاستعمار، فقد أنشأ ماسنيون لجنة في باريس سماها (لجنة فرانس – إسلام) واتخذ من وقف سيدي أبي مدين الجزائري مطية لتدخل فرنسا في الموضوع، وفي نظر الابراهيمي أن فرنسا اتخذت الحديث عن المشرّدين الفلسطينيين ومن وقف سيدي ابي مدين ذريعة للتدخل في شؤون فلسطين، واعتبر ما أقدم عليه ماسينيون باسم بلاده «خلطة اديان» وتساءل الابراهيمي : لماذا ذكرت فرنسا بالاسم ولم تذكر المسيحية في هذا السياق؟ إن الامر في نظره لا يعدوأن يكون تدخلا فرنسيا لحماية المسيحية في القدس، واتهم المستشرقين عموما بانهم لم يقولوا كلمة منصفة عن فلسطين، وكان الاولى بماسينيون وأمثاله أن يشغل نفسه بأوقاف الجزائر التي استولت عليها فرنسا، وليس بوقف أبي مدين الذي مضت عليه قرون في فلسطين وتساءل الابراهيمي: أين كان ماسينيون يوم ساهمت دولته في الجريمة التي اخرجت الاسلام من فلسطين؟ ويوم وافقت على التقسيم وساعدت اليهود على الهجرة والتهريب.؟

ولم يُنس هم الجزائر الامام الابراهيمي هموم العرب والمسلمين، كما يقول الرئيس بوتفليقة: (فناصر جميع قضاياهم من المغرب الى المشرق ونالت قضية فلسطين – لخصوصيتها – الأهتمام الاكبر فأسس لجنة لمساعدة فلسطين، وعرض مكتبته للبيع للتبرع بثمنها الى فلسطين، ودبج بقلمه البليغ سلسلة من المقالات عنها قال فيها الدكتور فايز الصايغ الاستاذ بالجامعة الامريكية ببيروت إنه لم يكتب مثلها من يوم جرت الاقلام في

قضية فلسطين).

وقد تبرع بأعز مالديه من ثروة معنوية ومادية – هي مكتبته وصديقة عمره في خلوته – لأسمى قضية اسلامية، واكبر هدف مقدس في سبيل الله، الا وهوتحرير فلسطين ورجوع اهلها اليها، ورجوعها الى الجسد الاسلامي الموحد.

الدور العلمي للامام البشير الابراهيمي

لقد كان الامام الشيخ محمد البشير الابراهيمي، رحمه الله – إماماً في العربية وبلاغتها، تفقه في اسرارها، وتغذّى بآدابها، واستنار بقرآنها، وكان خطيباً مصقعاً، يهز القلوب ببيان ساحر، يعيد للأذهان ماكان للخطابه العربية من سلطان، في عهد «قس بن ساعدة» و«سحبان» كان متحدثا بارعاً، لطيفا، يغمر مجالسه بالحكمة، ويجمّلها بالنكتة، ويعطرّها بأريج ينعش الارواح والعقول، وكان ديواناً لايام العرب، وآدابهم وتقاليدهم في افراحهم وأحزانهم، في حربهم وسلمهم، يروي عن فهم وبصيرة، ويصدر عن حافظة واعية، وذاكرة منجدة؛ وكان – الى جانب ذلك – فحلاً في الشعر الفصيح والملحون، يذكّرك بالمعرّي في لزومياته، وأبي الطيب في حِكَمِه وامثاله. اما اسلوبه في الكتابة فهوجاحظ عصره و«بديع زمانه» مما جعله بحق معجزة من معجزات الثقافة العربية الاسلامية في القرن العشرين.

بهذه الكلمات البديعة والبليغة يصف الشيخ عبدالرحمن شيبان «رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين»، الامام الشيخ البشير الابراهيمي.

فان المهمة الاولى عند رواد الفكر والحقيقة هوالسعي الى اخراج ابناء الامة من ظلمة الجهل الى نور العلم ومن الضلال الى الهداية الحقيقية؛ التي اساسها العلم والتهذيب والتزكية. فحياة ائمة الامة الاسلامية خير شاهد على ادائهم لمهمة تثقيف المجتمع وهدايته المعنوية، فلم يكن الامام البشير إستثناءً لهذه الخصيصة، والذي قال عنها الرئيس بوتفليقة:

«ففي عهده كثرت المدارس الحرة في المدن والقرى، وتأسست الشعب في الحواضر والاحياء وأنشئ المركز العام للجمعية في عاصمة البلاد، وفتحت فروع في المدن الفرنسية وفي القاهرة، وأسس المعهد العتيد معهد الامام ابن باديس في قسنطينة، وصار فرعاً لاقدم جامعة اسلامية هي جامعة جامع الزيتونة المعمور، واعترف بشهادتها في دول المشرق والمغرب، وقد التحق بثورة التحرير الكثير من طلابه، منهم من هوحي عندالله يرزق، ومنهم كثير من اطارات الدولة في مختلف اداراتها ومؤسساتها. وأرسلت البعثات الطلابية باسم الجمعية الى دول المشرق والمغرب، واعيدت البصائر الى الصدور وانتشر صيتها في داخل الجزائر وخارجها، فقرأ فيها الناس آيات من الحكمة والبيان.

لقد تنبه الامام الابراهيمي الى أن الاستعمار بنى استراتيجية على ان يغرس في نفوس الجزائريين ماسماه الامام الابراهيمي القابلية للاحتقار، وذلك بتجهيلهم اصلهم ودينهم وتاريخهم فآلى الابراهيمي على نفسه أن يحقن الجزائريين بما يفشل تلك الاستراتيجية، ووقف نفسه وأنفق وقته وأبلى عمره في ذلك وقد أكرمه الله فأنجح مسعاه وثبت خطاه وحقق رجاه.».

نلاحظ ان البشير كيف استطاع ان يحدد الداء العام ثم ينطلق لمعالجته كما هوالحال في كل طبيب حاذق عارف بالآم الجسد، فهوالعارف بالآم جسد الامة من ضربات الاستعمار الخارجي والجهل الداخلي ومؤامرات الشياطين لابعاد الامة عن اسلامها، وزرع الفرقة فيها واستفرادها دولة دولة، وشعبا شعباً وفرداً فردا، وتحويل نقاط القوة الى ضعف، كالوطنية المميزة بين المستعمِر والمستعمَر، والقوميّة الرابطة بين الامة ودينها الاسلامي المبين بلغتها العربية القرآنية دون اللغات الاخرى، فبهجران اللغة العربية ونسيانها يتحقق الابتعاد عن الالفاظ والمعارف القرآنية، ويكون الشبك جاهزاً للشعوب الاسلامية لتكون صيداً للمستعمر وفريسة للاستكبار.

مقومات الفكر البشيري

يقول الدكتور القرضاوي: ومن تأمل في سيرة الامام الابراهيمي، وفي تراثه الادبي والفكري: تبين له بوضوح وجلاء: خطه الاصلاحي، ومنهجه التجديدي.

ونستطيع ان نجمل مقومات الفكر الاصلاحي والتجديدي عند البشير الابراهيمي في هذه النقاط:

1ـ الاسلام والعروبة: أساساً ومنطلقاً.

2- الوحدة والحرية (أوالتوحيد والتحرير): محوراً وهدفا .

3- العمل الجماعي: ضرورة وشرطا.

4- الامة العربية والاسلامية: ساحة وميداناً.

ثم يشرح الدكتور القرضاوي النقاط الخمسة بدقة علمية رصينة ومفيدة نذكر قليلاً عن ماجاء حول النقطة الاولى:

«كان الاسلام هوالمرجعية الاولى، بل المرجعية الوحيدة للابراهيمي وجماعته، وهوامر طبيعي لا غرابة فيه ولا دهشة منه، بل الغريب ان تكون له مرجعية اخرى غير الاسلام.

فالرجل عالم مسلم، حفظ القرآن منذ صباه، وقرأ الحديث ودرس التوحيد والفقه والاصول، وسائر علوم الاسلام، ونبغ فيها، وأمسى معلماً لها، وداعيا اليها، فلا يتصور منه ان يتخذ مرجعاً غير الاسلام.

ولكن مامفهوم الاسلام الذي يؤمن به الشيخ ويدعواليه، ويذود عن شبهات المرتابين وأكاذيب المفترين؟

إنه ليس الاسلام الذي شابته شوائب الازمنة والامكنة، والاعراف المتباينة ، فكدرت صفاءه، وغبشت ضياءه، إنه ليس للاسلام مذهب من المذاهب، ولا طائفة من الطوائف، ولا قطر من الاقطار، ولا عصر من الاعصار. إنه (الاسلام الاّول) اسلام القرآن الكريم ، والسنة الصحيحة. اسلام الرسول الكريم وصحابته الميامين وتلاميذهم الاخيار من التابعين.

إنه اسلام القوة لا الضعف، واسلام التجديد لا الجمود، وإسلام الحرية لا القيود، واسلام القوة والكرامة، لا الذلة والمهانة.

لقد حرص الابراهيمي أن يبين باستمرار رسوخ الاسلام في الجزائر رسوخ الجبال الشم، وأنه اصل اصول حياتها، وأنه منها بمثابة الروح من الجسد، إذا انفصل احدهما عن الآخر فمعناه الموت.

يقول في مقالة له: (إن الاسلام في الجزائر ثابت ثبوت الرواسي، متين القواعد والاواسي، قد جلا الاصلاح حقائقه فكان له منه كفيل مؤتمن، واستنار بصائر المصلحين بنوره، فكان له منهم حارس يقظ، وأعاد كتابه (القرآن) الى منزلته في الامامة فكان له منه الحمى الذي لا يطرق، والسياج الذي لا يخرق)».

واما فضيلة الشيخ مختار السلامي بعد ذكره لأهم ركائز شخصية الامام الابراهيمي يقول: «تكاملت شخصية الامام محمد البشير الفكرية والعلمية بكل ماقدمناه، وقد بدأ يخرج من محيط التلقي الى يفاع الافادة منذ بواكير شبابه في الجزائر قبل ان يرحل الى المدينة، وكذلك في المدينة المنورة ، فقد كان يجلس الى الشيوخ للأخذ عنهم، ويقوم بالتدريس ويأخذ عنه طلبة العلم.

وقد تتبعت كثيرا مما جاد به قلمه وجرى على لسانه، فتبين لي أنه رحمه الله يصدر عن ثوابت لاتكاد تخفى في ماكتبه ونشره وحاضر به وقرّره.

تتمثل هذه الثوابت في:

أولاً: القرآن الكريم، لقد ألِفَ القرآن الكريم وألَفَهُ القرآن، وامتزجت روحه ومداركه بحقائقه، وصقل ذوقه وفكره باسلوبه وبيانه، وأثرت لغة القرآن زاده اللغوي، فالكلمات القرآنية المشحونة المدوية المزلزلة تتأتى له أنيسة طبعه وكلامه، والحجج القرآنية تسرع اليه تتنزل في منزلتها غير نابية ولا مفتعلة، فاذا هي قوته المؤيدة في الدعوة والبيان، وسلاحه الماضي في افحام خصومه، وسريان سلطان الحق الداحض للباطل والشبه والظلم والتعسف، والقرآن يحلي بيانه بما يقتبسه من كلام رب العزّة فيدخله في النسيج العام بقوي اشعاعه وبديع جماله.

ثانياً: التمسك بالدين مصفى مما امتزج به من البدع عبر العصور، فهوملتزم بالمنهج الاسلامي المستند الى السنة النبوية، يدافع عنه ويعلنه اعلاناً واضحاً، ويرجع دوماً الى تلكم الطريقة في فهم الدين والدعوة اليه.

ثالثاً: إيمانه بالعربية لغة وجامعة وحمالة لدقيق المعاني وأعمق مايجري في باطن الانسان من مشاعر واحاسيس وتفكير.

رابعاً: إيمانه بالاخوة الاسلامية مع تجذره في المنبت الجزائري، فقد كانت قضية الجزائر ومقاومة الظلم الاستعماري وافتكاك الحق الجزائري من براثن التسلط الفرنسي، وعمله على أن تبقى الجزائر حرّة مسلمة عربية، قد استقر ذلك في نفسه استقراراً لازمه ولايكاد يغفل عنه، ودافع عنه دفاعاً هوهالة من شرف الجهاد يبقى حياً وإن تقلبت الظروف وتحولت الاحوال.

خامساً: إيمانه بأنه يتحمل مسؤولية اصلاح أوضاع العالم الاسلامي بصفة عامة والجزائر بصفة خاصة، فهولا يرقب الاحداث من الخارج وانما يقدر دوره أنه أحد عمد التأثير فيها.

سادساً: إيمانه بان سنن الكون هي سنن ثابتة تقتضي ممن يتحمل المسؤولية أن يتأمل في الطريقة التي تجري عليها الأحداث، فلا يخدع بما يضلل الناظر من الفقاقيع التي تتعجل بالبروز الى السطح.

إن هذه الثوابت لتعمر خصب انتاجه الذي قسمه الى وحدات كبرى ثلاث:

الأولى: هي مقالاته التي كان ينشرها في البصائر وغيرها، وقد تعددت أغراضها، ومع تنوعها تكاد تعرف من طريقة ترتيبها وحبك نسجها أنها بقلم الشيخ الامام .

الثانية: خطبه التي كان يصحب مافيها من براعة وابداع، نفس الخطاب المباشر ومايحويه من تدقق الحياة وما يسعفه به سرعة الخاطر من إلهام يحس به القاريء لتلكم الخطب ويتفاعل معها كما أحس الحاضر المشاهد وتفاعل.

وقد قمت بالمقارنة بين خطبته بجامع كتشاوه في اليوم المشهود، وبين خطبة الشيخ محي الدين بن زكي الدين البديعة، التي خطب بها في اول جمعة صليت بالقدس بعد الفتح (وفيات الاعيان ابن خلكان ج 4، ص 230 ومابعدها) واستمتعت بالخطبتين وماصحب الخطبتين من التوفيق وماسجلاه في تاريخ الامة الاسلامية.

الثالثة: رسائله التي كانت مجلى لسعة مداركه، وغزير معارفه، وواسع علمه، والتي تكشف عن منهجه في غربلة مايرويه الرواة، وما يستشهد به النحاة، وبروزه علماً يدقق ويحقق، كرسالة الضب التي اعتقد جازماً أنه لووجه احد العلماء جهده لشرحها والتعليق عليها مرتبطاً في جميع خطواته بنصها لحبر كتاباً مفيدا جدا.»

وبالرغم من ان هذا الامام العظيم لم يتفرغ لتأليف الكتب، لكن الذي بقي منه من مؤلفات وآثار علمية خير دليل على عدم نسيانه للجهد العلمي اضافة للجهاد العملي يقول الدكتور محمد عمارة مستنداً الى قول البشير نفسه: «لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الاعمار أكلا، ولكنني الفت للشعب رجالاً، وعملت لتحرير عقوله تمهيداً لتحرير أجساده، وصححت له دينه ولغته، فأصبح مسلما عربيا، وصححت له موازين ادراكه، فأصبح انساناً أبيا. وحسبي هذا مقربا من رضى الرب ورضى الشعب».

بالرغم من احترافه هذه الصناعة الثقيلة – تربية الرجال وإيقاظ الامة – فلقد ترك من الآثار العلمية: (عيون البصائر) و(الاطراء والشذوذ في اللغة) و(اسرار الضمائر العربية) و(التسمية بالمصدر) و(كاهنة اوراس) و(رسالة الضب) و(فصيح العربية من العامية الجزائرية) و(أرجوزة) – في 36 ألفا من ابيات الشعر، وهوفي المنفى في آفلو– ضمّنها تقاليد الشعب الجزائري وعاداته… أما مقالاته ، فأنها قد جمعت فكونت خمسة مجلدات، قاربت صفحاتها ألفين وخمسمائة صفحة.

الخاتمة

هذا هوالامام محمد البشير الابراهيمي.. الذي لم يرث مالا. ولم يتمول اموالاً. والذي عاش مع أسرته على مرتب شهري من صندوق «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» ..والذي كان يسدد ديونه القديمة بديون جديدة!!.. محتفظاً بالحرية والاستقلال عن اصحاب النقود والسلطان.. سالكاً في ذلك طريق العلماء الاعلام – الذين لم يرثوا درهما ولا ديناراً – مكتفين بالعلم والجهاد وحسن أؤلئك رفيقا.

وهوالذي قال فيه صديقه ورفيق دربه الامام عبدالحميد بن باديس بعد اقراره لائحة «جمعية العلماء» - التي كتبها الشيخ البشير سنة 1349هـ، 1931م: «عجبت لشعب أنجب مثل الشيخ بشير أن يضل في دين أويخزى في دنيا، أويذل لاستعمار»؟! ونختم المقال بدعاء للشيخ عليه الرحمة:

اللهم يا ناصر المستضعفين انصرنا، وخذ بنواصينا الى الحق، واجعل لنا في كل غاشية من الفتنة! رداءً من السكينة، وفي كل داهمة من البلاء: درعاً من الصبر، وفي كل داجية من الشك: علما من اليقين، وفي كل نازلة من الفزع؛ واقية من الثبات، وفي كل ناجمة من الضلال: نوراً من الهداية، ومع كل طائف من الهوى: رادعا من العقل، وفي كل عارض من الشبهة! لائحاً من البرهان، وفي كل ملمة من العجز! باعثاً من النشاط، وفي كل مجهلة من الباطل: معالم من الحق واليقين، ومع كل فرعون من الطغاة المستبدين: موسى من الحماة المقاومين).


الهوامش:

*- معظم مصادر المقال مأخوذ من «اسبوعية البصائرالجزائرية» الأعداد «240- 241 –

242و243».

1- الاسلام الجزائري هوغاية كان يعمل لها الاستعمار بجميع الوسائل ليفصل – على مر الزمن – بين مسلمي الجزائر وبين بقية المسلمين، ولكن الله خيّبه؟!


مصدر : رسالة التقریب العدد 50.

 

آخر التغريدات: