البشير الإبراهيمي.. العلامة الذي أحيا هويَّة بلد وأمة!!

يُعتبر العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أحد أهم رموز التنوير والنضال الذين ظهروا في العالم الإسلامي القرن الرابع عشر الهجري، وأحد أهم علماء المسلمين الذين قادوا تيار الصحوة الإسلاميَّة في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي في الجزائر وفي عموم العالم الإسلامي، ومن بين أهم الأصوات والأقلام التي تحدثت عن قضيَّة فلسطين في أدبياتها وفي حراكها العام، وأعادت الهويَّة العربيَّة والإسلاميَّة للجزائر بعد أكثر من 130 عاما من الاحتلال الفرنسي.

ولقد كان الإبراهيمي خطيبا مفوها، وكان يملك من الحس الأدبي والخطابي ما يجعله قادرا على تحريك الجماهير سواء من خلال كتاباته في جريدة "البصائر"- مجلة "البصائر" بعد ذلك- لسان حال جمعيَّة علماء المسلمين الجزائريين التي أسسها في العشرينيات مع العلامة المفكر الكبير عبد الحميد بن باديس، أو من خلال بياناته كرئيس للجمعيَّة بعد وفاة ابن باديس.

من هو

هو الشيخ محمد البشير بن محمد السعدي بن عمر الإبراهيمي الجزائري (1889- 1965م)، أحد أعلام الفكر والأدب في العالم العربي والإسلامي، وأحد علماء المسلمين الأجلاء، والذي كان له دور كبير في الصحوة الإسلاميَّة في الجزائر وعبر العالم الإسلامي كله، كان رفيق درب العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس في قيادة الحركة الإصلاحيَّة الجزائريَّة، وظل نائبه طيلة حياته في رئاسة جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريين التي أسساها معا، ثم خلفه في رئاسة الجمعيَّة، وكان من أبرز رموز علماء المسلمين الذين تصدوا للاستعمار الغربي في بلاده وفي العالم العربي والإسلامي، وأحد رموز التنوير في القرن الرابع عشر الهجري.

ولد الشيخ الإبراهيمي في الرابع عشر من يونيو 1889م، الموافق الثالث عشر من شهر شوال للعام 1306هـ، في قريَّة جزائريَّة اسمها قريَّة "أولاد إبراهيم" في منطقة كانت تسمى برأس الوادي "سطيف حاليا" قرب ولايَّة برج بوعريريج، وتلقى تعليمه الأولي على يد والده وعمه، وحفظ القرآن الكريم ودرس بعض المتون الأمهات في الفقه واللغة.

ثم غادر الجزائر في العام 1911م لكي يلحق بوالده في بلاد الحجاز التي كانت تابعة في ذلك الوقت للدولة العثمانيَّة، وتابع تعليمه هناك؛ حيث تعرف على الشيخ ابن باديس عندما زار المدينة المنورة في العام 1913م، ثم غادر الحجاز عام 1916 إلى دمشق؛ حيث عمل في التدريس، وشارك في تأسيس المجمع العلمي في دمشق، والذي كان يهدف إلى تعريب الإدارات الحكوميَّة في سوريا.

وهناك التقى بالعديد من العلماء والأدباء الذين كانوا موجودين في دمشق، وأقام معهم علاقات طيلة أربعة سنوات تقريبا، ثم، وفي العام 1920م، غادر الإبراهيمي دمشق عائدا إلى الجزائر، وبدأ في دعوته الإصلاحيَّة ونشر العلم في مدينة سطيف مسقط رأسه أولا؛ حيث دعا إلى إقامة مسجد أهلي غير تابع للإدارة الحكوميَّة، وفي العام1924م زاره العلامة ابن باديس مجددا، وعرض عليه فكرة إقامة جمعيَّة العلماء المسلمين

وعقد المؤتمر التأسيسي لهذه الجمعيَّة في الخامس من مايو من العام 1931م، تحت شعار "الإسلام ديننا والعربيَّة لغتنا والجزائر وطننا"، وكانت جريدة "البصائر"- مجلة "البصائر" فيما بعد- هي لسان حالها.

نضاله الدعوي والسياسي

بعد تأسيس الجمعيَّة، واختيار الإبراهيمي نائبا لرئيسها، انتدب من قبلها للعمل على نشر الفكر الإسلامي الوسطي في مناطق غرب الجزائر وفي مدينة وهران، والتي كانت في ذلك الوقت المعقل الأساسي للصوفيَّة الطرقيين، فأسس بعض المدارس المستقلة، وكان يلقي المحاضرات؛ حيث امتد نشاطه إلى تلمسان؛ حيث تعرض لبعض المضايقات من جانب الصوفيين؛ إلا أن ذلك لم يوقف مسيرته، وبرزت بالفعل المدارس العربيَّة التي أقامها في وهران.

وفي العام 1939م كتب مقالا مناهضا للاحتلال الفرنسي في جريدة "الإصلاح"؛ فنفته السلطات الفرنسيَّة إلى بلدة "آفلو" الصحراويَّة، وبعد وفاة ابن باديس انتخب رئيسا لجمعيَّة العلماء وهو في المنفى الذي لم يعد منه سوى في العام 1943م، ثم اعتقل مرة أخرى في العام 1945م، وأفرج عنه بعد سنة.

في العام 1947م عادت "البصائر" بعد فترة من الحظر، وكانت مقالاته فيها فيه قمة الانتقادات الموجهة إلى فرنسا وعملاء الاحتلال في الجزائر، وخصوصا زعماء بعض الأحزاب السياسيَّة ممن كانوا يعارضون الجمعيَّة ونشاطها ضد الاستعمار؛ فيقول في أجد مقالاته عن هذا الأمر:

"ومن خصومها (أي الجمعيَّة) رجال الأحزاب السياسيَّة من قومنا من أفراد وأحزاب، يضادونها كلما جروا مع الأهواء فلم توافقهم، وكلما أرادوا احتكار الزعامة في الأمة فلم تسمح لهم، وكلما طالبوا تأييد الجمعيَّة لهم في الصغائر- كالانتخابات- فلم تستجب لهم، وكلما أرادوا تضليل الأمة وابتزاز أموالها فعارضتهم".

كما كان من كبار المدافعين عن اللغة العربيَّة، وكتب في "البصائر" ذات عدد يقول: "اللغة العربيَّة في القطر الجزائري ليست غريبة، ولا دخيلة، بل هي في دارها وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواصر مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل".

وبجانب كونه كاتب افتتاحيَّة "البصائر"، أصدر جريدة "الشاب المسلم" باللغة الفرنسيَّة، وفي العام 1952م، عاد إلى المشرق العربي، واستقر في القاهرة، عاصمة حركات التحرر في العالم الثالث في ذلك الحين، وعندمنا اندلعت الثورة الجزائريَّة في العام 1954م، أصدر بيانا باسم جمعيَّة العلماء، دعا فيه الشعب الجزائري إلى دعم الثورة.

إحياء الجزائر العربيَّة المسلمة

سبق وصول "البشير" إلى القاهرة بعثة من جمعيَّة العلماء، ضمت 25 طالبا وطالبة، وكانت بعثات الجمعيَّة تقتصر على مصر وحدها للدراسة في الأزهر الشريف والمدارس المصريَّة، غير أن استطاع الحصول على عدد آخر من المنح التعليميَّة للطلاب الجزائريين في بعض البلاد العربيَّة الأخرى، كما في سوريا والكويت والعراق، واتخذ منالقاهرة مقرا يشرف منه على شئون هذه البعثات.

وكان يقوم بين فترة وأخرى بزيارة هذه البلاد؛ لتفقد أحوال الطلاب الجزائريين والسعي لدى حكوماتها من أجل الحصول على منح جديدة، وكان يعلق آمالا كبيرة على هؤلاء الطلبة المبتعثين، في أمرين؛ مواجهة الاستعمار الفرنسي في بلاده، وإحياء الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة

ولقد أثمرت جهوده في هذا المجال؛ حيث نجح معظم طلاب هذه البعثات في دراستهم الثانويَّة والجامعيَّة، وساهموا في إعادة إحياء الروح العربيَّة والإسلاميَّة في الجزائر بعد 130 عاما من الاحتلال، وفي أثناء إقامته بالقاهرة اختير الإبراهيمي لعضويَّة مجمع اللغة العربيَّة المصري في العام 1961م.

ولقد عاش الإبراهيمي حتى نالت الجزائر استقلالها عن فرنسا في العام 1962م، ولكنه لم يكن راضيا عن الاتجاه الذي بدأت تتجه إليه الدولة الجزائريَّة بعد الاستقلال؛ فأصدر في العام 1964م بيانا قال فيه: "إن الأسس النظريَّة التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تنبعث من صميم جذورنا العربيَّة الإسلاميَّة لا من مذاهب أجنبيَّة"، ولذلك ظل رهن الإقامة الجبريَّة في منزله حتى وفاته بسبب معارضته للتوجهات الجديدة للنظام الجزائري بعد الاستقلال.

ولقد طبعت مجموعة من مؤلفات الإبراهيمي في خمسة مجلدات تحت عنوان "آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي"، وأصدرته دار الغرب الإسلامي الجزائريَّة قبل عدة سنوات، كما قام مركز الإعلام العربي بالقاهرة في العام 2007م بتجميع مقالاته في "البصائر" ومجلة "الأخوة الإسلاميَّة" عن فلسطين ونشرها في كتاب بعنوان "فلسطين" ضمن سلسلة "كتاب القدس" التي يصدرها المركز.

توفي الإبراهيمي في العشرين من مايو من العام 1965م، الموافق الثامن عشر من المحرم عام 1385هـ، عن عمر يناهر السادسة والسبعين عاما، بعد رحلة عطاء طويلة لأمته.

المصدر: مركز الإعلام التقدمي.

آخر التغريدات: