مع الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في ذكرى وفاته السابعة والأربعين…!

بقلم: محمد العلمي السائحي-

مرت على وفاة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والتحاقه بالرفيق الأعلى سبع وأربعون سنة، ولم تزد هذه السنون ذكراه إلا سطوعا وتوهجا في القلوب والأذهان، وأنى للعرب والمسلمين أن ينسوه، وقد نافح عن قضاياهم جميعها وفي طليعتها قضيتهم الكبرى قضية فلسطين السليبة، التي تبرع لصالحها بمكتبته وناهيكم بمكتبة رجل مثله.

وإذا كان العرب والمسلمون لا يستطيعون أن ينسوه، حتى لو أرادوا ذلك وحاولوه، فإن الجزائريين خاصة لن يستطيعوا ذلك علما بأنهم لا يريدون ذلك ولن يحاولوه، لأن أفضاله عليهم سواء في أيام الشدة أو الرخاء لا تعد ولا تحصى، ولعل من بعض أفضاله عليهم وعلى وطنهم أنه هو الذي أنشأ دار الحديث بتلمسان التي افتتحها في حفل عظيم الإمام بن باديس سنة 1937وجعل منها منارة علمية فكرية رفعت لواء الإسلام والعربية عاليا في الغرب الجزائري، وهو الذي استطاع أن يسد مسد ابن باديس بعد رحيله عن هذا  العالم ذات يوم من سنة 1940، في إدارة شؤون جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد توليه رءاستها من بعده بكل اقتدار فازداد عدد المدارس والمساجد، وتنوعت المنابر الثقافية، وراجت البصائر كما لم ترج صحيفة غيرها في ذلك العهد، ويكفيه فخرا أنه دعم الهياكل التعليمية للجمعية بمؤسسة معهد عبد الحميد ابن باديس لتضمن التعليم الثانوي لأبناء الجمعية وفي عهده ألحق هذا المعهد بجامع الزيتونة وأصبحت شهاداته معترفا بها في جميع البلاد العربية والإسلامية،  وفي عهده تضاعف عدد الموفدين من الطلبة إلى البلاد العربية، وله يرجع الفضل في التصدي للمتاجرين بالدين والسياسة فقد كان سيفا مصلتا عليهم ، وإليه يرجع الفضل كذلك في الارتقاء باللغة العربية وتطويعها لتغدو لغة إعلامية جد متميزة، عن طريق ما كان يكتبه من مقالات في سائر الأغراض والفنون،وتلك المقالات هي التي نهل منها أدباء الجزائر ولازالوا إلى اليوم ينهلون منها ويستلهمونها أغراضهم وأساليبهم، ولولاها لما تيسر للجزائر أن تزخر بمثل كوكبة الأدباء الذين قضى بعضهم وتركوا فراغا لا يسد.

وأفضال العلامة محمد البشير الإبراهيمي لا تنحصر في نشاطه التعليمي والإصلاحي والأدبي ، إذ ناضل سياسيا عن القضية الوطنية نضال الأبطال الأشاوس وسجن لأجلها وغرب ونفي، ثم لما انتقل إلى المشرق العربي أخذ على عاتقه التعريف بالقضية الجزائرية وراسل الملوك والرؤساء والشخصيات البارزة لأجل التعريف بها، ولما اندلعت الثورة كان السباق إلى تأييدها ومناصرتها إذ أصدر في الخامس عشر من نوفمبر 1954 نداء بعنان : "أعيذكم بالله أن تتراجعوا" أعلن فيه تأيده للثورة باعتباره رئيسا لجمعية العلماء ووقعه هو والشيخ الفضيل الورتلاني وأذاعه بصوته من إذاعة صوت العرب وأتبعه بعد ثلاثة أشهر أي في شهر فيبراير1955  بفتوى تقضي بارتداد كل من عارض الثورة وانحاز إلى المحتل الفرنسي عن الإسلام، ودأب على الاتصال بالملوك والرؤساء والشخصيات السياسية والفكرية والمؤسسات ليحشد المناصرة والتأييد والدعم السياسي والمالي للثورة، كما أن من أفضاله على الجزائر وأهلها، أنه أحسن تمثيلها في الخارج حيث انتخب عضوا بالمجمع اللغوي المصري والمجمع اللغوي السوري، ورفع رأس الجزائر عاليا في تلك المجامع وفي كل المنابر  الفكرية التي اعتلاها في سائر البلاد العربية والإسلامية حيث ألقى في باكستان وحدها ما يربو عن سبعين محاضرة.

ولما عاد إلى الجزائر بعد أن وضعت الحرب أوزارها واستقلت الجزائر ظل يرعاها ويسهر على أن لا تحيد عن الطريق وتتنكب عن النهج الذي مكنها كن التحرر من نير المحتل، ولما شعر بأن السلطة اختارت النظام الاشتراكي لم يتأخر عن التصدى لما اعتبره انحرافا وأصدر بيانه مذكرا وناصحا وموجها حرصا على الأمانة وقياما بمسؤولية العالم، مما تسبب له في فرض الإقامة الجبرية عليه تلك الإقامة التي قضى فيها نحبه ولقي فيها ربه، ذات يوم من سنة 1965، وكأن الله أراد أن يختم له عمره بالصالحات  جزاء ما قدم للإسلام والمسلمين في الجزائر وغيرها من خدمات جليلة تنوء بها المؤسسات بله الأفراد من الرجال، جزاه الله خيرا عن الجزائريين خاصة وعن العرب والمسلمين عامة، وأدخله عليين رفقة الأنبياء والصديقين والشهداء فإنه بذلك أولى وأحق وهو له مستحق.

 

آخر التغريدات: