الإمام الرئيس محمد البشير الإبراهيمي من خلال شعر محمد العيد آل خليفة – 3

بقلم: أ.د. محمد بن سمينة-

وأما خامس أعمال محمد العيد في الإمام الإبراهيمي فهو قصيدته (تهنئة الإبراهيمي بعضوية المجمع اللغوي)-ديوانه ص410- وقد قالها في تهنئته بانتخابه عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1954، وهي قصيرة لا يتجاوز عدد أبياتها العشرين. وقد استهلها الشاعر بتقديم أزكى التحايا للشيخ الإبراهيمي، ورفع أصدق تهاني الجزائر قاطبة إليه، لما بذل من جهود من أجل بناء صرح نهضتها، والذود عن مقومات شخصيتها والمنافحة عن حقوقها، يقول محمد العيد :

<!--more-->

وأما خامس أعمال محمد العيد في الإمام الإبراهيمي فهو قصيدته (تهنئة الإبراهيمي بعضوية المجمع اللغوي)-ديوانه ص410- وقد قالها في تهنئته بانتخابه عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1954، وهي قصيرة لا يتجاوز عدد أبياتها العشرين. وقد استهلها الشاعر بتقديم أزكى التحايا للشيخ الإبراهيمي، ورفع أصدق تهاني الجزائر قاطبة إليه، لما بذل من جهود من أجل بناء صرح نهضتها، والذود عن مقومات شخصيتها والمنافحة عن حقوقها، يقول محمد العيد :
حي الرئيس الأريحي شمائلا              العبقري فواضلا وفضائلا
وارفع إليه عن الجزائر                   كلها شكرا لطائله المخلد طائلا
فلقد أقام بها يجـاهد مرشدا               ويذود عنها بالبيان مناضلا
متصعبـا في حقهـا متصلبا                متسامحا في حقه متساهلا
ونلحظ أن المناسبة في هذا العمل كانت مواتية أكثر مما كانت عليه في الأعمال السابقة للحديث عن جوانب شخصية الإبراهيمي العلمية ، ولذلك عمد الشاعر إلى التنويه بسعة معارفه وبطول باعه في ميدان العلم واللغة والأدب ، مما قد يرقى به إلى مصافي المتقدمين من بلغاء العربية وفصحائها من أمثال : ( سحبان ابن وائل، وقس بن ساعدة، ومجد الدين الفيروزآبادي ) وغيرهم ، وقد عرف ذلك من الأمام أولو العلم فأحلوه مكانته اللائقة به بينهم ، يقول محمد العيد في ذلك :
قل لـ(لبشيــر) رفعت هـامة أمـة             ذلت وشعـب كان قبلك خامـلا
ما زلت تكشف عن خفـي نبوغـه            حتـى تـبين للنـواظر مـاثـلا
أخجـلت أقطـاب البيان فمن يكن             (سحبان)أو (قسا) يلاقيك (باقلا)
أدركت في الفصحى مدارك لم يكن          في العصـر ذو أدب إليها واصـلا
باريت فيها (المـجد) عبر "محيطـه"           والمجـد لا يعـدو المجد العـامـلا
لازلت في فلك المعـارف كوكبـا              قطـبا يلوح لنا وبـدرا كـامـلا
ونلحظ أن قصر القصيدة، قد ساعد الشاعر بوجه من الوجوه، على أن ينجح في توفير جانب كبير من وحدة الموضوع فيها، فجاءت معانيها تدور حول محاور متقاربة لم تخرج في مجموعها عن معاني التحية، والتهنئة، وإبراز ما بلغ إليه الإبراهيمي من مكانة علمية رفيعة. وقد وظف محمد العيد للتعبير عن ذلك أسلوبا يقوم على الوضوح واليسر، ولا يحفل كثيرا بالخيال، ولا يتلامح من ذلك إلا بعض الصور القريبة من مثل هذه الكناية (رفعت هامة أمة)، وهذا التشبيه البسيط المألوف (لازلت كوكبا). وهاتان الصورتان – كما هو واضح - شديدتا الاتصال بمخزون الشاعر من التراث الشعري. ويمكن الإشارة في هذا الصدد، إلى أن الشاعر لا يغرب بوجه عام في خياله، ومرد ذلك لجملة من العوامل نكتفي هنا - مراعاة للمقام- بالإلماع إلى واحد منها، وهو نوع ثقافة الشاعر القائمة في معظمها على التراث المتميز بوضوحه وقرب خياله.
ونواصل البحث في هذا الإطار فيلقانا سادس أعمال الشاعر محمد العيد في الإمام الرئيس ، وهو قصيدته (أبت النفس أن تراك عديما). (ديوانه ص 488) .
وقد نظمها في رثاء الشيخ الإبراهيمي، وألقاها أمام ضريحه- رحمه الله- يوم توديعه إلى مثواه الأخير بمقبرة (سيدي محمد) بالجزائر العاصمة، بتاريخ 21 ماي 1965 .
وتقع هذه القصيدة في ثلاثة وأربعين بيتا، وقد افتتحها الشاعر بالإعراب عن أثر الفاجعة التي ألمت به، وبالشعب الجزائري، وبالأمة العربية جمعاء، على إثر نعي عالم من أعلام الأمة، فقال:
قم بحق الإخـاء وأرث حـميما             راحلا مخلص الولاء صميمـا
صـد عنك الذي دنا منـك ودا              وحنا عاطفـا عليك كريمـا
حم موت "البشير" فاكتأب الشعـ         ـب وأصغـى إلى النعي كظيمـا
فجعت أمـة العروبة فـي الهـاد           ى لمن ظل نهجها المستقيـما
ونلحظ أن سمات الأسلوب الخطابي تطل على القارئ من أول كلمة في هذا المطلع، ولعل الشاعر عمد إلى ذلك حتى يلائم ما بين أدواته التعبيرية ، وبين موقف الإنشاد الذي وجد نفسه فيه. ومهما يكن من ذلك فقد خلص الشاعر من هذه المقدمة إلى ما كان قد ألمع إليه في القصيدة السابقة مما تحلى به الإبراهيمي من مكانة علمية عالية ، ووجد الشاعر الفرصة مواتية لتعداد مناقب الفقيد ومآثره والإشادة بها ، فأسهب في بيان ذلك ، وإذا كان قد قارنه في قصيدة سابقة بثلاثة من أعلام العربية (سحبان، وقس ، والفيروزآدي ) فحسب ، فإنه هنا يضعه إلى جانب كوكبة من أقطاب اللغة والأدب من المتقدمين من أمثال : ( الخليل والأصمعي، والكسائي، وابن دريد ، والصاحب بن عباد ) فقد كان هؤلاء العلماء أعلاما في زمانهم، وكان الإبراهيمي يشبههم في زمانه، يقول محمد العيد في هذا المعنى :
كان بحرا من المعارف زخـا                      وذخرا من الفنون جسيمـا
ودماغا وعى المحيـط محيطـا                     ولسانا حوى (اللسان) قويما
رافق الكتب والكتاب دهـرا                        وتقصى أعلامـها تعمـيما
كان ل(لأصمعي)و(ابن دريد)                    و( الكسائي ) في الليالي نديما
بادل (الصاحب) الأديب نثيرا                     مثلما ساجل ( الخليل ) نظيما

آخر التغريدات: