في ذكرى تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: الإمام الرئيس محمد البشير الإبراهيمي من خلال شعر محمد العيد آل خليفة – 1

بقلم: أ.د. محمد بن سمينة-

تمر بنا هذه الأيام وفي هذا الشهر التاريخي ( ماي )مجموعة من الذكريات المجيدة (حوادث الثامن منه وذكرى تأسيس جمعية وغيرهما، وإنها لذكريات عطرة زاخرة بالعطاءات، حافلة بالتضحيات..

 وتود هذه الكلمة بمناسبة ذكرى تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن تقترب من ثاني ثلاثة من كبار قادتها (الإمام محمد البشير الإبراهيمي 1889- 1965) لتلقي بعض الأضواء على بعض الجوانب من جهاده وجهوده في خدمة الوطن والأمة ، وذلك من خلال شهادة واحد من رجالات هذه الجمعية، حسان الحركة الوطنية الحضارية، عميد شعراء الجزائر في العصر الحاضر  الشيخ محمد العيد آل خليفة، فماذا عن ذلك ؟

تحسن الإشارة بدء أن الصلة بين الشاعر محمد العيد وبين الإمام الإبراهيمي كانت أوثق عروة وأطول عمرا من صلته بغيره من رجال الجمعية، ولذلك تمتد المساحة الزمنية لأعمال الشاعر في الإمام قرابة أربعين عاما (من 1936 إلى 1970). وكان الإمام يقول للشاعر  (ولدي )،وكان الشاعر يرد عليه فيقول (أبي)

وإن أول عمل وصلنا من أعمال محمد العيد في الإبراهيمي هو قصيدته (بين عالم وشاعر)، وهي متوسطة الحجم لا يتجاوز عدد أبياتها (28 بيتا).(ديوانه ص 392).

وقد نظمها الشاعر  1936 ردا على كتاب وفد إليه من الشيخ الإبراهيمي، فاستهلها لذلك برد التحية بأحسن منها  ثم خلص إلى الحديث عن أثر كتاب الشيخ على نفسه، فقد كان أثر ذلك الكتاب كمفعول قميص يوسف عليه السلام، فكما أعاد ذلك القميص إلى سيدنا يعقوب عليه السلام بصره، وأذهب عنه الحزن، فكذلك كان مفعول كتاب الإبراهيمي على قلب محمد العيد ، وكان يمر – فيما يبدو في تلك الأثناء - بظروف نفسية عصبية، فدفعه ذلك إلى الاستزادة  من الشيخ، من مثل تلك الكتابات، لما كان لها من أثر طيب على نفسه، ومما جاء من ذلك في هذه  القصيدة ، قوله:

أبي (البشير) سلام                      زاك وشـوق كـبير

لازلت فينا منـارا                           بضـوئه نـستنيـر

وافى كتـابك يهدي                        إلـيّ المنـى ويشير

تذكـو العبـارة فيه                          مـا ليس يذكو العبير

قد ارتـددت بصيرا                           فكيف يغوي البصير؟

قميص (يوسف) ألقى                    بـه علـيّ (البشير)

يا آسى اليأس زدني                     كشفـا فـأنت خبير

وأما ثاني عمل لمحمد العيد يرتبط بصلة بالإبراهيمي فهو قصيدته ( تحية دار الحديث) التي أنشدها في حفل تدشين مدرسة ( دار الحديث) التي تأسست في شهر سبتمبر سنة 1937.( ديوانه ص79) . وقد استهلها الشاعر بإسداء أزكى التحيات الطيبات إلى هذه الدار، وإلى تلمسان التي فتحت صدرها تحتضن الإصلاح ، فشهد الإصلاح يومئذ على أرضها أروع انتصاراته وأعظم فتوحاته :

أحيي بالرضى حرما يزار                 ودارا تستظل بها الديار

أحيي خير مدرسة بناهـا                خيار في معونتهم خيار

(تلمسان )احتفت بالعلم جارا                     وما كالعلم للبلدان جار

لقد لبست للإصلاح تاجـا                يحق به لأهلها الفخـار

فكان له بها نصـر وفتـح                   وكان له ذيوع وانتشـار

ثم يخلص الشاعر من هذه التحية العطرة إلى الإشادة بجهود الشيخ الإبراهيمي في تنظيم جهود الأمة وتوحيد كلمتها وجمع طاقاتها من أجل إنشاء هذا المشروع الذي تضافرت على إشادة صرحه ثلاثة معالم: (تلمسان) المعقل، و(دار الحديث) القلعة، و(الإمام الإبراهيمي) القائد المرشد، فجمعت العناية الإلهية بين هذه المعالم الثلاثة على درب الجهاد    

فكان من ذلك ما كان، من مآثر عظيمة وإنجازات مجيدة ، يقول الشاعر في عرس (دار الحديث):

لقد بعث ( البشير) لها بشيرا                      بمجد كالركاز بها يشار

وفي ( دار الحديث) له صوان                        بديع الصنع مصقول منار

به عرض (البشير) فنون علم                       وآداب ليجلوها الصغـار

فيا ( دار الحديث) عمي نهارا                       وعمرك كله أبـدا نهـار

يا ( دار الحديث ) عليك تلقى                      مهمات لنا ومنى كبـار

وفي ( بلد الجدار ) كنوز علم                       وعلم لا يليق بها ادخـار

وعودا عل بدء ينهي الشاعر قصيدته هذه بمثل ما بدأها به، فقد استهلها  بمعاني الاعتزاز ومشاعر الإكبار لمواقف الرجال وأعمال الأعلام، وأبى إلا أن يختمها بمثل ذلك برسمه ذلك المشهد التاريخي الذي  شهدته (تلمسان) يوم عرس (دار الحديث) فتزينت  بأبهى الحلل وخرجت تستقبل أعلام النهضة يتقدمهم الإمامان ابن باديس والبشير ، فاتحة لهم صدرها، رافعة ألوية الاعتزاز والتقدير، ملوحة برايات الحب والوفاء ، ويتعانق في لوحات هذا المشهد أعمال رجالات الجزائر ، من أعلام الماضي و الحاضر ، يقول الشاعر في هذا المعنى :

وصغ لبني تلمسان التحايـا                         كطاقات يرف بها العمـار

أتيناهم ضحى ولهم حبـور                          وأشراف وشوق وانتظـار

ألم تر صورة الأجداد فيهـم                           عليهم من ملامحهم إطــار

قف تر غرسهم ينمـو بدارا                           بدار نحوها اشتـد البـدار

بها (دار الحديث ) لها ينـادي                        وفيها( ابن الصلاح ) له يشار

وليس ابن الصلاح سوى (بشير)                   لنا انتشرت معـارفه الكثـار

حـمى أكنـافها لله جنــد                              وجنـد الله ليس لـه انكسـار


آخر التغريدات: