الأديب أحمد رضا حوحو (1910-1956) في جريدة البصائر

بقلم: أ.د. مولود عويمر-

لا شك أن الشاب أحمد رضا حوحو (1910-1956) كان مطلعا على حركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مسقط رأسه بلدة سيدي عقبة أو في مدينة بسكرة المجاورة لها والتي كانت من أكبر حواضر الإصلاح ومصادره. ولا شك أيضا أنه واصل متابعة نشاطها بعد هجرته إلى الحجاز (1934)[1] من خلال مختلف وسائل الاتصال وقنوات التواصل بين الجزائريين كالحج والتجارة والصحافة وأبرزها جريدة البصائر لسان حال هذه الجمعية الإصلاحية.

 المقال الأول

كتب أحمد رضا حوحو مقاله الأول في جريدة البصائر وهو طالب آنذاك في مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة. وكان ذلك في العدد 81 الصادر في 17 سبتمبر 1937. وهو عبارة عن كلمة تشجيع وتقدير بعثها إلى جمعية الشباب العقبي التي تبنت نشيدا حماسيا عبرت من خلاله عن وطنيتها الصادقة، وثباتها على المبادئ، واستمرارها على النهج السليم. وقد نشر هذا النشيد الحماسي في البصائر في عددها 75 الصادر في 16 جويلية 1937 .

وقد سرّه نشاط شباب بلدته سيدي عقبة التي تركها مرغما في عام 1934، لكنه بقي وفيا لذكراها. وقد أثر فيه هذا النشيد وتفاعل مع معانيه السامية. فقال في هذا الشأن: “ولا أكتمكم أنه هزني هذا النشيد الوطني وأطربني حيث ذكرني ببلدة ترعرعت بين أحضانها، وإخوان تجمعني بهم وحدة الوطن وحدة الدين وحدة الفكر.” وأعلن من المدينة المنورة عن انضمامه إلى هذه الجمعية ومساندتها.

ولم ينشر مقالا آخر في البصائر خلال الثلاثينات بينما ساهم بإسهاب في تحريرها في الأربعينات والخمسينات بالكتابة في النقد الأدبي، وقضايا سياسية، والسجال الفكري مع بعض الكتاب المعاصرين، والتراجم…الخ.

في قلب جمعية العلماء

لقد ذكر الباحث أسامة حوحو في رسالة الماجستير التي أنجزها على جده في عام 2006 أن هذا الأخير التقى بالشيخ محمد البشير الإبراهيمي عدة مرات في مكة المكرمة دون أن يحدد تاريخ هذه المقابلة.[2]

وحثه الشيخ الإبراهيمي في كل مرة على الانضمام إلى جمعية العلماء. فهو يحمل أفكارها ويدافع عنها بكل حماس وإخلاص. وفي هذا السياق كتب مقالا في بداية مشواره الصحفي (1937) في جريدة الرابطة العربية بعنوان: “الطرقية في خدمة الاستعمار” يتقاطع فيه مع أفكار شيوخ هذه الجمعية المحررين للعقول والنفوس، والمحاربين للبدع والآفات المختلفة. وأعاد نشره في بداية الخمسينات في جريدته الشعلة. فقناعته لم تتغيّر إذن بل ترسخت عبر السنين.

والتحق أحمد رضا حوحو بجمعية العلماء بعد عودته إلى الجزائر في صيف 1946. وكلفته بإدارة مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة، ثم الإشراف على مدرسة التهذيب بشلغوم العيد. وفي سبتمبر 1947 عيّنته أمينا عاما لمعهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة. وبقي في هذا المنصب حتى استشهاده في 29 مارس 1956 على أيدي الأمن الاستعماري بسبب نضاله الثوري لتحرير البلاد واستقلالها.

أساتذة معهد ابن باديس في الميزان

كتب الأستاذ أحمد رضا حوحو سلسلة من المقالات في جريدة البصائر على ستة أساتذة معهد ابن باديس، وهم: نعيم النعيمي[3]، أحمد حماني[4]، عبد الرحمان شيبان[5]، عبد القادر الياجوري[6]، العباس بن الشيخ الحسين[7]، حمزة بوكوشة[8]. ورسم لكل واحد منهم بورتريا مزج فيه بين الجد والفكاهة.

وقد لقيت هذه المقالات استحسانا لدى القراء الذين اكتشفوا جوانب إنسانية مجهولة عند هؤلاء العلماء المعروفين بالجد والمشهورين بالصرامة …ولولا ضيق مساحة هذه الجريدة لنقلت لك أيها القارئ بعض من تلك الطرائف التي ستزيد في تقديرك لهؤلاء العلماء المخلصين.

وتمنيت منذ سنوات أن تجمع هذه المقالات وتنشر من جديد حتى تعم الفائدة. ولقد سعدت كثيرا حينما أخبرني الأستاذ محمد الهادي الحسني خلال رحلتنا الأخيرة إلى تلمسان أنه جمعها وحققها وأعدها للطبع.

هل في الجزائر أدباء؟

يمثل الأدب في نظر الأستاذ حوحو: ” التعبير الصادق عن مشاعر المرء وخواطره وأخيلته وخلجات نفسه.” وهو يدل على “النهوض والرقي لكل أمة، والمظهر الروحي لكل شعب… فالآداب والفنون هي المقياس الصادق لأحوال الأمم وهي الميزان الصحيح لقوة إنسانيتها وشرف عاطفتها وسمو روحها. “

ومن هو الأديب؟ إنه “هو الذي يستطيع أن يجعل من أدبه لغة روحية يخاطب بها أرواح الغير، يعبر بها تعبيرا صادقا عن مشاعره، تعبيرا دقيقا عن خلجات نفسه وإحساساته، ويصور بها تصويرا واضحا جليا أخيلته وتصوراته. دون أن يحسب حسابا لسخط هذا أو رضا ذاك. الأديب هو الذي يستطيع أن يصل إلى أعماق النفوس فيحللها وإلى دقائق الأشياء ويصورها.”

والأديب كما وصفه أحمد رضا حوحو هو مخلوق مثالي، وهو أشبه بملك منه إلى ابن آدم، حيث يحترق من أجل أن يشيع النور، ويشقى من أجل أن يسعد غيره. فهذا المبدع ” يسعد ويتلذذ على حساب نفسه وصحته، ينحت متعته من عقله وجسمه يجد في ألوان العذاب لذة، ويجد كذلك في ضروب الشقاء متعة بل يجد في هذه الآلام التي يقاسيها وهذه المآسي التي يعيش في أكنافها نبراسا ينير تفكيره ويكشف له عن زيف الحياة وغشها.”

كما أكد في العديد من مقالاته أن مهنة الأدب هي متصلة دائما بالشقاء والمخاطر والنكران. ذلك أن الله كتب ” للآداب والفنون الشهرة والعظمة والخلود في هذه الدنيا بقدر ما كتب للمشتغلين بها من البؤس والشقاء والنكران.”

هل في الجزائر أدباء؟ يرى أنه لا يوجد الأديب في الجزائر يتطابق مع تعريفه السابق. وإنما يوجد المشتغلين بالأدب ومواهب في حاجة إلى التوجيه والتشجيع. فالكتاب والشعراء والفنانون الجزائريون هم ” عبارة عن مواد خام في حاجة إلى الصناعة والتهذيب”. أو بمعنى آخر الأديب الجزائري هو ” عبارة عن بذور صالحة كامنة في تربة صالحة تحتاج إلى الري والعناية لتنبت وتترعرع وتثمر”.

فما هو الحل إذن؟ إن الأدب العربي في حاجة إلى توجيه، والانتقال به من المقالة الأدبية إلى صناعة أدب القصة لأن القصة الأدبية هي ” أوسع أرجاء، وأعم نفعا، وأوقع في النفوس من أدب المقالة”. وتبدأ الخطوة الأولى في مسار هذا البناء الجديد من المدرسة حيث يجب على المعلم أن يهتم بـ “تقوية مدارك الطلبة بالخطابة والكتابة والتمثيل.”[9]

إرضاء كل القراء غاية لا تدرك

وكتب حوحو سلسلة من المقالات في جريدة البصائر بعنوان “حمار الحكيم”، استهله في جانفي 1949 بمقال بعنوان: “ساعة مع حمار الحكيم”، وتحدث فيه عن مطالعته اللذيذة وقراءته الممتعة لكتاب “حماري قال لي” للأديب المصري توفيق الحكيم.

ثم توقف عن الكتابة حتى تساءل عنه القراء وقلقوا عليه، فكتب الشيخ عبد الرحمان شيبان -صديقه وزميله في معهد عبد الحميد بن باديس- مقالا في البصائر متسائلا: “أين حمار الحكيم؟”[10] الذي عوّد قراءه بموضوعات هامة في مختلف الفنون بأسلوب طريف وجذاب. وحثه على العودة إلى الكتابة ومواصلة نضال الكلمة.

وبعد شهرين ونصف، استجاب أحمد رضا حوحو لنصيحة الشيخ شيبان، وأعلن عن عودة حمار الحكيم بصراحته وجرأته المعهودة لكنه لم يقدم الأسباب التي منعته من الكتابة طوال تلك المدة. ورغم عزيمته المعلنة، فإن حوحو لم يكتب ما وعد به، فبعد فترة قصيرة، ظهرت له مساهمة وهي عبارة عن ردود على رسائل القراء وليس مقالا في الموضوع المنتظر.

يستأنف بعد ذلك سلسلته الشهيرة في أربع حلقات، ثم ينشر بريد حمار الحكيم في حلقتين. لقد جاءته رسائل كثيرة من المعجبين والساخطين. ولعل أغربها تتمثل في تلك الرسالة الطويلة التي اتهم فيها صاحبها أحمد رضا حوحو بوسخ جريدة البصائر لأنها جريدة دينية محترمة ولا علاقة لها بالحديث عن الحمار وفصيلته. وقال مراسل آخر أنه يخشى أن تصبح هذه الجريدة الإصلاحية حديقة للحيوانات، أو تتحوّل إلى كتاب في علم الحيوان!

لم يبدي الأستاذ أحمد رضا حوحو قلقا من تلك الانتقادات القاسية إلا أنه تأثر ببعضها. ولعلها هي التي ثبطته على مواصلة الكتابة في هذا الموضوع أو في غيره من المواضع لمدة طويلة !

الطموح الأدبي الأخير

في 3 فبراير 1956 أعلن الأستاذ أحمد رضا حوحو في جريدة البصائر عن مشروع ثقافي ضخم وطموح تحت عنوان: “حاضر الثقافة والأدب في الجزائر”. وراسل في هذا السياق العديد من المثقفين والعلماء من أجل أن يقدموا له سيرتهم الذاتية ويرسلوا له نسخا من كتبهم أو مخطوطاتهم.

وهو يعد الأديب الجزائري الثاني الذي أقدم على إنجاز عمل أدبي من هذا النوع. أما الأول فهو محمد الهادي السنوسي صاحب كتاب “شعراء الجزائر في العصر الحاضر”، فأنقذ به كنزا ثمينا من الشعر الجزائري الحديث.

أما الأستاذ حوحو فلم يتمكن من تأليف كتابه المنشود إذ استشهد تحت التعذيب الاستعماري بعد شهر ونصف من الإعلان عن هذا المشروع الثقافي النبيل. فرحمه الله رحمة واسعة، ورزقه باحثين مخلصين يجمعون تراثه، ويدرسون آثاره، ويحققون طموحه الأدبي الأخير.


الهوامش :

[1]أنظر تفاصيل عن حياة أحمد رضا حوحو في الحجاز في كتاب: صالح الخرفي. شهيد الثورة الجزائرية أحمد رضا حوحو في الحجاز (1934-1945). دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1992.

[2]أسامة حوحو. الأستاذ أحمد رضا حوحو: حياته وآثاره (1910-1956). رسالة ماجستير في التاريخ (مخطوطة)، قسم التاريخ، جامعة الجزائر، 2006، ص 41.

[3] البصائر، العدد 262، 12 مارس 1954.

[4]البصائر، 263، 19 مارس 1954.

[5]البصائر، العدد 265، 2 أبريل 1954.

[6]البصائر العدد، 266، 9 أبريل 1954.

[7]البصائر، العدد 267، 16 أبريل 1954.

 [8]البصائر، العدد 268، 23 أبريل 1954.

[9] البصائر، العدد 90، 5 سبتمبر 1949.

[10] البصائر، العدد 87، 18 جويلية 1949.

 

آخر التغريدات: