رسالة جمعية العلماء بين الأمس واليوم

بقلم: الشيخ بن يونس آيت سالم-

بعد مضي قرن كامل على احتلال الجزائر ، ظنّ المستكبر الغاشم أن الأمر استتبّ له بأرض الجزائر، وأن الإسلام أصبح بها أثرا بعد عين، فارتفع صوت جهير من نادي الترقي مدويا: الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا، وبذلك أصبح الخامس من ماي من سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة وألف من أيام الجزائر المشهودة.

 لقد شاءت حكمة الله أن يخرج من رحم هذه الأمة علماء مصلحون، نذروا حياتهم لأمتهم، فربوا وعلموا، وأرشدوا وألهموا، إيمانا منهم بأن تحرير الأوطان يمر عبر تحرير الإنسان.

من أجل ذلك عمدوا إلى العقائد فصحّحوها، وإلى العقول فنبّهوها، وإلى الضمائر فأيقظوها، وإلى الأعمال فرشّدوها، وإلى الأمة فوحّدوها، فكان ذلك -بحق- إيذانا بفجر جديد.

لقد علمت فرنسا عن طريق مفكريها وساستها أن الاستعمار لا يثمر إلاّ في أرض سمادها الجهل، فعمدت إلى سياسة التجهيل. وأيقنت جمعية العلماء أنه متى انتشر العلم أجدبت الأرض على الاستعمار وشعر عندها بسوء المصير.

من أجل ذلك كانت الجمعية ثورة على الأمية والجهل، وحربا على الجمود والتخلف. لا ينكر هذا، كما يقول الإمام الإبراهيمي:”إلا صبيّ أو غبيّ أو عقل وراءه خبيّ”.

لم تأل فرنسا جهدا في التضييق على الجمعية بشتى الأساليب، ولكن سياسة العلماء كانت تنبني على قاعدة: “الظروف تكيفنا ولا تتلفنا“.

ولما دوّى صوت الرّشاش كانت الجمعية أول من لبّى، ورفعت عقيرتها لتقول للشعب الجزائري: هذه هي اللغة التي لا يفهم الاستعمار غيرها.

وتقدّم العلماء والأساتذة والطلبة إلى ساح الفدا، ينشدون إحدى الحسنيين. هاتفين: لا إله إلا الله والله أكبر، ومردّدين “فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب“.

وسل معهد ابن باديس في شرق البلاد، ودار الحديث في غربها، وغيرهما في كل ربوع الوطن، تنبئك الخبر اليقين.

بزغت شمس الحريّة، وجمعية العلماء في كامل استعدادها بمشروعها وما بقي من رجالها للإسهام في بناء الدولة، والنهوض بالأمة من كبوتها التي طالت، لكن أريد لها أن تغيب، فغابت الصورة وبقي الصوت، غاب الشّبح وبقيت الروح، إلى أن أذن الله بانبعاثها من جديد على يد رجال هم سليلوا أولئك الأماجد الأوائل، فسارت من جديد على القاعدة الموروثة: الوفاء لأصالة الماضي والاندماج بفعالية في الحاضر.

وهي تسعى بكل ما أوتيت من قوّة إلى أن تكون حاضرة في كلّ الميادين وعلى كل الأصعدة لتدلي بدلوها، ولتشارك بنصيبها في بناء يرقّي الأمة، أو رأي يرشّد مسيرتها.

وهي تحرص كلّ الحرص على أن تظلّ كما أراد لها الرّواد جمعية الأمة لا جمعية شخص أو هيئة، مجدّدة شعار: “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء“.

فيا أبناء الجزائر شيبا وشبانا، رجالا ونساء، هذه جمعية العلماء تدعوكم اليوم كما دعت أسلافكم بالأمس، فلتلبّوا كما لَبَّوْا، وستجدون الأفق أوسع، والدار أجمع. وسيجد كلّ ذي تخصّص- في رحاب مشروعها الإصلاحي- مجالا يجسّد أفكاره، ويفتّق مواهبه، وعندها ستسعدون بالجمعية وتسعد الجمعية بكم.

{{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}}

 

آخر التغريدات: