ذكرى التأسيس

بقلم: أ.د. عمار طالبي-

بدأ الحديث عن نشأة “حزب ديني” منذ 1925 في الصحافة الإصلاحية لابن باديس في الشهاب وغيره، وأخذت الفكرة تتداول وتنتشر إلى أن ارتكب الاستعمار الفرنسي جريمته في الاحتفال بمرور مائة سنة على احتلال الجزائر العاصمة، وأعدّ لها ما أعدّ من برامج ودراسات ليدوم الاحتفال سنة كاملة، وهي سنة 1930، ولكنه لم يدوم إلا ستة أشهر، وأعلن الاستعمار أن الجزائر أصبحت جزءا لا يتجزأ من فرنسا، والإسلام ذهبت أصوله من البلاد، والمسيحية تعود إلى الجزائر كما كانت في عهد الرومان، واللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، لا مكان لها في مدارسها  وإدارتها ومختلف مؤسساتها التعليمية.

 وكان ابن باديس ومدرسته التي خرّجت من الجامع الأخضر عددا من النخبة الباديسية التي تكونت أيضا في الزيتونة بفضل البعثات التي كان يرسلها إلى هذه المؤسسة التعليمية المشهورة القديمة.

وما إن حلت سنة 1931 حتى تهيأت الظروف لتأسيس جمعية عظيمة كان لها أثرها البالغ في نهضة الجزائر وإحيائها، ثقافيا ودينيا ولغويا ووطنيا، ففي 17 ذي الحجة 1349 هـ الموافق لـ5 ماي 1931 وقعت الجلسة الأولى للموافقة على قانون هذه الجمعية التي سميت “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، وكان قد دعي لهذا الاجتماع 122 شخصا فحضر 72 عالما واعتذر عن الحضور خمسون، فوقع الاتفاق على القانون الأساسي لهذه الجمعية في نادي الترقي من التاريخ المذكور، وكان الذي تولى تأسيسه لجنة تحضيرية ونشط لها في نادي الترقي السيد عمر إسماعيل من أعيان الجزائر، ومن مهمتها أيضا إحصاء العلماء الذين يمكن أن يكونوا أعضاء فيها.

وكتب الشيخ الإبراهيمي بذلك محضرا نشر في الشهاب ماي 1931 ص 341-342، وفي العدد الذي صدر في نهاية جوان 1931 ص 351-357.

وتكون مجلس إداري من 13 عضو أهم:

- عبد الحميد بن باديس رئيسا

- محمد البشير الإبراهيمي نائب الرئيس

- الأمين العمودي كاتبا عاما

- الشيخ الطيب العقبي نائب الكاتب العام

- الشيخ مبارك الميلي أمين المال

- الشيخ إبراهيم بيوض نائب أمين المال

ومن سبعة أعضاء آخرين مساعدين.

ولم يمر على الجمعية إلا سنتين حتى كانت محاولة الاستيلاء عليها من قبل خصوم الاتجاه الإصلاحي من الطرقيين، وكانت أزمة حقيقية، ولكن الجمعية خرجت منها بسلام، بفضل تكاتف الاتجاه الإصلاحي وحضوره المتميز، المتكون من تلاميذ ابن باديس القدماء ومن كان ضمن مدرسته الإصلاحية من الذين تخرجوا عليه، وبعد فشل محاولة الاستيلاء، تأسست جمعية أطلق عليها “جمعية علماء السنة” برئاسة الشيخ مولود الحافظي الذي كان من المؤسسين لجمعية العلماء.

وكان تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ردا حاسما تاريخيا على مزاعم فرنسا، بأن الإسلام قد اختفى من الجزائر وحلت محله النصرانية، وان اللغة العربية لغة أجنبية عن الجزائر، وأن الجزائر قطعة من فرنسا، ويمثل هذا الرد شعار الجمعية: الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا، فالدين واللغة والوطنية تمثل العناصر الأساسية لرسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأهدافها التي سعت بكل الوسائل الممكنة لتحقيقها والدفاع عنها بقوة.

ويزعم بعض الذين لا يعرفون تاريخ ابن باديس وتاريخ الجمعية أنها لا صلة لها بالسياسة ولا بالوطنية، وهذا خطأ كبير، ومغالطة واضحة. فإن ابن باديس نادى بالوطنية قبل جميع الأحزاب السياسية، وكان شعار أول جريدة أصدرها وهي “المنتقد”: “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء”، وقد نشر ابن باديس منشورا لما دعت فرنسا للاحتفال بمرور مائة سنة على احتلال مدينة قسنطينة سنة 1937 يدعو فيه لمقاطعة هذا الاحتفال الذي يذكّر بمأساة احتلال قسنطينة وما وقع فيها من جرائم ضد الإنسانية.

إن رسالة الجمعية اليوم تواصل الدفاع عن تلك الأهداف التي سطرتها في تاريخها وحققت الكثير منها، وهيأت عناصر الأمة التي قامت عليها ثورتها المجيدة العاتية فزلزلت الاستعمار، وذهبت بريحه وسيطرته، وحررت الوطن بعد أن حرر ابن باديس وصحبه العقول وبثوا الوعي الوطني والإسلامي في هذه البلاد.

وعلى شباب الجمعية اليوم في شعبها الولائية والبلدية، أن يجددوا العهد معها ومع مبادئها، ويشمروا على ساعد الجد بالاستماتة في بعث منهجها وتجديده، في مجالات الدعوة والتربية والتعليم والتفاعل مع وسائل الإعلام الحديثة التي تصنع الرأي العام، وتبلغ الرسالة إلى مختلف شرائح المجتمع كما كان فعل الأسلاف، ابن باديس وصحبه وأكثر.

فإن العصر تغير، ووسائل الإعلام والتبليغ تطورت تطورا هائلا لم يسبق له مثيل في التاريخ، ومن ذلك موقعكم هذا الذي أطلقته الجمعية إيمانا منها بضرورته للتعريف بنفسها وبمبادئها ووصلا بين هيئات الجمعية المحلية، وتمتينا لعلاقتها بالعالم.

وعلى أعضاء الجمعية أن يستمدوا من تاريخ الجمعية الإرادة القوية، والهمة العالية، والتضحية بالغالي والنفيس، وأن يستحضروا في كل ذلك الإخلاص لله ابتغاء مرضاته.

فإن هذه الغاية هي الغاية القصوى للمتقين الذين يحصلون على رضوان الله يوم لقائه.

(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ) [الانشقاق 6].

نسأل الله السداد في الرأي والإصابة في العمل، والتقوى في كل ما نفكر فيه وفي كل ما ننهج سبيله في حياتنا، إنه ولي التوفيق

 

آخر التغريدات: