ابن باديس- القضيّة – الإعلام -2

بقلم: عبد الملك مرتاض-

ثانيا: توظيف الإعلام للقضيّة.

قَلّ أن نُلْفيَ رجلَ دينٍ وفكر وإصلاح، في التّمثـّل التّقليديّ للرّجالات  والمفكّرين، يعوّل في نشر أفكاره، وبثّ آرائه، على غير الخُطَب والتّعليم. فجمال الدّين الأفغانيّ مثلاً لم يُصدر من مجلّته »العروة الوثقى«المحدودة الانتشار إلاّ ثمانية عشرَ عدداً، ثم توقّفت وكانت نهاية المطاف. على حين أنّ محمّداً عبده لم يستطع تأسيس أيّ نشريّة تعبّر عن مواقفه ما عدا مجلّة »المنار« الشّهريّة التي أسّسها في الحقيقة تلميذه وصديقه الشّيخ رشيد رضا. على حين أنّ المصلحين الآخرين في العالم العربيّ لم يصنعوا من ذلك شيئاً.

 أمّا ابن باديس فقد أعلن فكرة الإصلاح الدّينيّ، وأقام ثورة تعليميّة لم يُسبق إليها في الجزائر؛ كما اتّخذ النّضال السّياسيّ سلوكاً من أجل القضيّة الوطنيّة لدى تأسيسه جريدة »المنتقد«، فلمّا وَقفها الاستعمار الفرنسيّ بعد زهاء أربعة أشهر ونصف أصدر مكانها مجلّة »الشّهاب«. ولم يأتِ الشّيخ شيئاً غيرَ ذلك حين رأس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين حيث أصدرت الجمعيّة تحت إشرافه أربعَ جرائدَ في حياته. بل ألفيناه يُسهم مع الشّيخ عبد الحفيظ بن الهاشمي في تأسيس جريدة »النّجاح«1 القسنطينيّة عام 1919. غير أنّ الشّيخ برئ منها حين أمست فرنسيّة الهوى1.

ولكن ما مفهوم الإعلام؟

لعلّ أوّل ما يجب أن نأتيَهُ، مطلعَ هذه الفقرةِ، من هذه الدّراسة، هو أن نحاول إلقاءَ شيءٍ من الضّياء على مفهوم «الإعلام» الذي اتّخذناه توأماً لتركيبة العنوان؛ ذلك بأنّ أيّ خوضٍ في أيّ عمل ثقافيّ لا ينهض على تحديد المفاهيم/ المفاتيحِ، سلفاً، قد لا يساعد على تناول الإشكاليّة تناوُلاً سليماً؛ فيقع الخلْطُ والخبْطُ…

والحقّ أنّ الشّأن لم يعُدْ ينصرف، منذ زهاء عِقدين من الزّمن على الأقلّ، في التّعاملات الإعلاميّة الغربيّة خصوصاً، إلى مصطلح «الإعلام» ولكن إلى مصطلح جديد هو »الاتّصال«. من أجل ذلك نجد بعض دول المغرب العربيّ، تحت تأثير الثقافة الغربيّة المعاصرة  لهذا المفهوم، تطلق على »وزارة الإعلام« (وهو الإطلاق الشّائع في المشرق العربيّ) الإطلاقَ الجديد، وهو: »وزارة الاِتّصال«. فهل يتعلّق الأمر بالإعلام، أم بالاتّصال؟ وهل يحمل مفهومُ »الاتّصال« الجديدُ، أو (La communication)، معانيَ أكبرَ، ودلالاتٍ أعمقَ، حقّاً، من مفهوم الإعلام التّقليديّ الذي قد لا يخلو من بعض السّطحيّة إذا حصرناه في دائرتيِ الإرسال والاستقبال الضّيّقتين؟

غير أنّ مفهوم الاتّصال، هو أيضاً، لَمّا يتبلورْ، في الحقيقة، في الاستعمال الإعلاميّ العربيّ المعاصر؛ ولذلك يمكن عدُّهُ، بكلّ بساطة، وتيسيراً للأمور، وفي انتظار بحث هذه المسألة من كلّ أسُسها النّظريّةِ، معادلاً دلاليّاً لمفهوم الإعلام...

ذلك بأنّ المعاجم الغربيّة، والموسوعات المعرفيّة، نفسَها، كما يومئ إلى ذلك بيير شافر (Pierre Schaeffer) في مقالة كتبها في الموسوعة العالميّة2 لَمّا تتّفقْ على تحديد مفهوم الاِتّصال، من حيث اتّفقت على غموضه واتّساع دلالاته واختلاف الآراء من حوله3.

وقد أصبح مفهوم الاِتصال مستعمَلاً، وهو، في الحقيقة، من العلوم المستقبليّة، في جملة من المجالات، غيرِ الإعلاميّة، إلى حدّ أنّ النّاس حين يقولون مثلاً »وسائل الاتّصال« قد ينصرف الوهم إلى المعنى المادّيّ فيعني نقل الأشخاص من مكان إلى مكان، كما ينصرف الذهن إلى مجرّد نقل شيء4 ليُسخَّرَ لهم.

وعلى أنّ المعنى في اللّغة العربيّة لا يتعدّى بنفسه، كما نجده في الفرنسيّة مثلاً؛ فالاتّصال في العربيّة يعني وقوع علاقة متماثلة، أو غير متماثلة، بين طرَفين (أو شخصين)، أو حتّى بين شيئين اِثنين؛ ففيه شيءٌ كثيرٌ أو قليلٌ من معنى الاشتراك؛ على حين أنّ المعنى الغربيّ قد يقتضي مجرّد الإخضاع والإرسال.

وتمرّ العمليّة الإعلاميّة، أو المعلومة، (وخصوصاً بالقياس إلى طبيعة الإعلام في التّلفزة) بمسار لعلّه أن يمثُلَ واضحاً في بعض في هذه الخطاطة:

باثّ  تشفير رسالة  فكّ التّشفيرمستقبِل5.

غير أنّنا لا نريد أن نصطنع الآن، وفي هذه الدّراسة، على الأقلّ لبعض التّدبير، مصطلح »الاتّصال«، وسنصطنع المصطلح الجاري في الكتابات الثقافيّة والإعلاميّة المشرقيّة وهو مصطلح »الإعلام« لِمَا ذكرنا منذ حين.

وللإعلام في الثقافة الإنسانيّة الحديثة، وحتى في الثقافة القديمة، شرقيِّها وغربيِّها، أهمّيّة كبرى في تبليغ الرّسالة، وشرح القضيّة، وترسيخ الفكرة لدى الرّأي العامّ الذي يراد مخاطبتُه. ولقد تفطّن الشّيخ ابن باديس لأهمّيّة الإعلام منذ بداية نُضجه الفكريّ فأسّس جريدة »المنتقد«، فلمّا وَقَفتها الإدارة الاستعماريّة، بعد أن صدر منها ثمانية عشر عدداً، أسّس جريدة الشّهاب التي ظلت تصدر أسبوعيّاً من عام 1925 إلى عام 1929 قبل أن تتحوّل إلى مجلّة شهريّة ظلت تصدر بقسنطينة بانتظام إلى عام 1939.

ونتوقّف فيما يأتي من البحث بشيء من التّفصيل لدى الصّحف والدّوريات التي أصدرها الشّيخ ابن باديس أو التي أشرف على تأسيسها. (ولم يكن يومئذ توجد أشكال أخراةٌ للإعلام كالإذاعة والتّلفزة مثلاً).

1.المنتقد: (1925-1925).

أصدرها ابن باديس بقسنطينةَ »في يوم النّحر من ذي الحجّة، خاتمة شهور عام ثلاثة وأربعين وثلاثمائة وألف«6 ولم  يصدر منها سوى ثمانية عشر عدداً، مثل مجلّة العروة الوثقى.7 ويبدو أنّها تعطّلت في شهر نوفمبر من عام 19258. وكان هدفُها هو لفت »الجزائريّين المسلمين إلى حقيقة وضعيّتهم بين الأمم: بأنّهم أمّة لها قوميّتها، ولغتها، ودينها، وتاريخها. فهي لذلك أمّة تامّة الأمميّة، لا ينقصها شيء من مقوّمات الأمم«9 وقد زعمت جريدة النّجاح أنّ »سبب تعطيل المنتقد هو نشره فصولاً ضدّ الجمهوريّة الفرنسيّة، بعد الإنذار«12.

ذلك، وقد حيّى محمّد الهادي السّنوسيّ هذه الجريدة بقصيدة نشرت في العدد الأوّل من المنتقد. وقد أنشأ قصيدته التي تقع في تسعة وثلاثين بيتاً على لسان المنتقد. وقد أبان الشّاعر عن خطّة الجريدة وأمضاها باسم »شاعر المنتقد«13:

أتيتك بالبشرى تهيّا لإقبالي                          وكبِّرْ على التّشريق20 تكبيرَ إجلال

وخلّ الكَرى واتِ النّسيمَ على الرُّبَى                بكوراً ففي ريّاهُ منتعَشُ البال

إليكم بني القطر العزيز تحيّة                          ليوم به الآمالُ في حينِ إقبالِ

وللشّعب أبغي رشده ورقيّه                           جعلت حياة النّشر مهبط أعمالي

أهبتُ بشبّان الجزائر كلّهم                            فهم قادة الأفكار ركّاب أهوالِ14

هذا، ولَمّا نشر محمّد السّعيد الّزاهري أوّل محاولة قصصيّة في تاريخ الأدب الجزائريّ تحت عنوان »فرانسو والرّشيد«، وماتت الشّخصيّة الجزائريّة (رشيد) كمداً؛ رصد ابن باديس جائزة لأفضل قصيدة لا تتجاوز أبياتها عشرةً ترثي رشيداً؛ لكنّ المنتقد التي أعلنت عن تخصيص جائزة للشعراء الجزائريّين (وهي أوّل جائزة أدبيّة تُعلَن في تاريخ الأدب العربي في الجزائر) عطّلتها الإدارة الاِستعماريّة، فلم يتمّ الإعلان عن الفائز من الشّعراء المتبارين. كما أنّ جريدة »الجزائر« الزّاهريّة نفسَها التي نشرت القصّة المذكورة عُطّلت هي أيضا !15

الشّهاب: (1925-1939).

جريدة أسبوعيّة أصدرها عبد الحميد بن باديس بعد أن عطّلت السلطات الاستعماريّة جريدة المنتقد التي ظلّ ابن باديس يحنّ إليها حنيناً عظيماً16. وقد ظلّت الشهاب تصدر أسبوعيّاً طوال أربع سنواتٍ. ولكنّ ابن باديس اضطرّ، لأسباب مختلفة ومنها الضّائقة الماليّة17، إلى أن يصدرها شهريّاً ابتداءً من شهر فبراير 1929. وظلّت تصدر بقسنطينة شهريّاً إلى شهر غشت 193918.

وتعدّ الشّهاب »أشهر المجلاّت في المغرب العربيّ، في النّصف الأوّل من القرن العشرين، وأطولهنّ عمراً، وأعظمهنّ خطراً، وأبعدهنّ أثراً، وأغناهنّ فائدةً ونفعاً19.

ولم تكثر حول هذه المجلّة الأخطاء التّاريخيّة، وتضافرت ؛ولها الإشارات المختلفة في الدّراسات الجزائريّة المعاصرة؛ وذلك على الرّغم من أنّ أحداً لم يعرض لها بالدّراسة قبلنا20.

لقد نشأت مجلّة »الشّهاب« خلَفاً لجريدة »المنتقد« المعطَّلة؛ وذلك في عام 1343 للهجرة (1925م)21. ولَمّا كانت المنتقد أسبوعيّة، فقد سارت »الشّهاب« في دربها، واقتفت شيئاً من سيرتها إلى أن بلغ بها المطاف إلى شهر فبراير من سنة تسعٍ وتسعمائة وألفٍ حيث عجزت عن الصّدور الأسبوعيّ، فعدلت عنه إلى الصّدور الشّهريّ22. وكان حجمها يتراوح بين خمسين وستين صفحة من القطع المتوسّط. وكان عدد سطور الصّفحة الواحدة منها يضطرب من حول اثنين وعشرين سطراً، من حيث كان متوسط عدد كلمات السّطر الواحد إحدى عشرة كلمةً.

وكانت الشّهاب ملكاً خاصّاً لابن باديس وحده، وما كانت قطّ في ملك هيئة سياسيّة كما ذهب إلى ذلك أنور الجنديّ23؛ وكما ذهب إلى ذلك أيضاً أبو القاسم سعد اللّه في موطنين اِثنين من كتاباته24. وقد مالأهما على الخطأ علاّ الفاسي حيث ذهب في مقالة نشرها بجريدة »العَلَم« المغربيّة أنّ مجلّة الشّهاب كانت لسان حال جمعيّة العلماء25.

وإنّا لا ندري كيف ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه؛ مع أنّ القضيّة هي من الوضوح كالشّمس؛ فجمعيّة العلاء المسلمين الجزائريّين تأسّست في مايو من عام واحد وثلاثين وتسعمائة وألف، في حين أنّهم يعلمون أنّ الشّهاب كانت صدرت في أواخر عام خمسةٍ وعشرين؟

ومن المؤرّخين من ذهب غير ذلك فقدّم تاريخ صدور هذه المجلّة كالوثيقة التي أصدرتها السفارة الجزائريّة ببيروت26 حيث ذهبت إلى أنّها صدرت عام 1924.27

ولقد ظلّت الشّهاب تصدر طوال حياتها بقسنطينة. وكانت تطبع بالمطبعة الجزائريّة الإسلاميّة التي تعرف أيضاً باسم »مطبعة الشّهاب«. وكانت الموضوعات التي تعالجها تنحصر في عشرة محاور لا تكاد تعدوها. ونضرب مثلاً للموضوعات المعالجة بعدد مايو من سنتها الأولى الشّهريّة28 حيث نقرأ فيه:

1.مجالس التّذكير (وهي مقالات دينيّة منتظمة لا بن باديس)؛

2.رسائل ومقالات؛

3.مجتنيات من الصّحف والكتب؛

4.المباحثة والمناظرة؛

5.قصّة الشّهر؛

6.نظرة عالميّة؛

7.في المجتمع الجزائريّ؛

8.صفحة القرّاء.

وبما نُشر في العدد الأخير من مجلّة »الشّهاب«:

1.مجالس التّذكير،

2.ختم موطّأ مالك بن أنس؛

3.درْس ختم الموطّأ؛

4.الإسلام دين الحياة والعلم والفنّ؛

5. المسجونون من العلماء؛

6.المجتنيات (العرب ثمانون مليوناً، مقالة لإبراهيم المازني)؛

7. موقف العرب من الديموقراطيات؛

8.في الشّمال الإفريقيّ؛

9.الشّهر السّياسيّ؛

10. ثمار العقول والمطابع29؛ إلخ…

ويبدو من هذه العناوين أنّ »الشّهاب« كانت متفتّحةً متسامحة في التّفتّح، محافظةً حريصة على هذه المحافظة في الوقت ذاته؛ فمجالس التّذكير التي كان الشّيخ ابن باديس يكتبها إنّما كانت تعالج غالباً تفسيراً لآيات من القرآن الكريم، أو تأويلاً للحديث النّبويّ الشّريف، أو معالجة لسيرة من سير الصّحابة الكبار.

في حين أنّ ركن الرّسائل والمقالات كان يعالج قضايا ثقافيّة وسياسيّة عامّة؛ من ذلك، مثلاً، ما نجده في كتابة أحد أعداد الشّهاب تحت هذا العنوان: -رسائل ومقالات-: »من لم يشكر النّاس لم يشكر اللّه« لأبي العبّاس أحمد بن الهاشمي30. وأصل هذه الكلمة التي اتّخذ منها ابن الهاشمي عنوان مقالته حديث نبويّ شريف31.

ونمضي إلى المحور الثابت الثالث، وهو »مجتنيات من الصّحف والكتب«32 فنلفيه ثابتاً واضحاً بحيث تختار مقالة من إحدى دوريات الشّرق الكبيرة لتنشر في الشّهاب.

وأمّا محور المجتمع الجزائريّ فكان يحرّره محمّد العاصميّ (فيما يزعم العاصميّ في أحد أعداد مجلّة صوت المسجد) طوراً، وغيره طوراً آخر.

والنّظرة العالميّة تعني الاهتمام بالقضايا السّياسيّة التي تشغل أذهان الرّأي العامّ كلّ شهر.

أمّا المباحثة والمناظرة فكانت الشهاب تُدرج تحتها ألواناً من الجدليّات في الدّين والأدب والأخلاق.

وكان هناك ركن غير ثابت هو الفتوى والمسائل؛ فكان إمّا ابن باديس، وإمّا غيره من العلماء، يجيبون فيه عن أسئلة تتعلّق بالقضايا الدّينيّة: أصولاً وفروعاً.

وممّا يذكر أنّ »قصّة الشّهر« لم يكن الشّيخ، ولا رئيس تحرير مجلّته الأستاذ أحمد بوشمال، يريدان بها إلى القصّة الأدبيّة في مفهومها المعروف؛ وإنّما كانا يريدان بها إلى عرض نبذة من حياة صحابيّ من الصّحابة، أو تابعيّ من التّابعين، أو شخصيّة إسلاميّة من الشّخصيّات الكبيرة؛ وذلك على الرّغم من أنّ الشّهاب كانت تنشر في بعض الأطوار النّادرة بعض المحاولات القصصيّة، ولا سيّما محاولات محمّد بن العابد الجلاّلي الذي كان يوقّعها باسم مستعار هو »رشيد«33.

وأمّا محور ثمار العقول والمطابع فإنّ الشهاب كانت تعالج فيه آخر ما هبط إلى سوق الأدب من الكتب والدّوريات.

وعلى أنّ الشّهاب كثيراً ما كانت تخرج عن هذه الأبواب التي التزمت بها مع نفسها ومع قرّائها، تبعاً للمادّة الصّحفيّة المتاحة.

اتّجاه الشّهاب

إنّ »الشّهاب«، كما هو معروف، مجلّة فكريّة إصلاحيّة سياسيّة، من شعاراتها: »لا يصلُحُ آخرُ هذه الأمّةِ إلاّ بما صلَح به أوّلُها«34 ومن شعاراتها أيضاً: »الحقّ والعدل والمؤاخاة، في إعطاء جميع الحقوق، للذين قاموا بجميع الواجبات«35.  

وقد كانت الشّهاب، بحكم اتجاهها الإصلاحيّ، تحارب الطّرقيّة في شتّى مظاهرها. كما كانت تُعنَى عناية شديدةً بالإصلاح الاجتماعيّ، في ردّها على الطّرقيّين فكان النّهيُ فيها عن التّبذير، والمبالغة في الإنفاق في الحفلات والمناسبات الاجتماعيّة المختلفة. فكانت الشّهاب إصلاحيّة المبدأ، سلفيّة الاتّجاه؛ فلا أزعم أنّها كانت عبدويّة من حيث إنّ ابن باديس نفسه لم يعترف بعبدويّته، ولا بوهّابيّته36. ولحقّ أنّ الشيخ كان من النّضج الفكريّ ما كان جديراً بأن يحمله على التّفكير الأصيل النّابع من نفسه، المستوحى من قضايا شعبه، الملهَم من آثار الحكمة التي كان يقتبسها من القرآن العظيم الذي كان يفسّره لطلاّبه ولعامّة النّاس، ومن الحديث النّبويّ الذي كان يشرحه ويحلّله من خلال تدريسه كتاب الموطّا للإمام مالك… كلّ أولئك عوامل تجعلنا نعتقد أنّ ابن باديس في كتاباته بعامّة، وفي مقالاته الافتتاحيّة التي كان يصدّر بها مجلّة الشّهاب بخاصّة، لم يكن عبدويّاً، ولا وهّابيّاً بمقدار ما كان مسلماً قويّ الإيمان، مفكّراً عميق التّفكير في القضايا الإسلاميّة، التّراثيّة والمعاصرة، عالماً شديد النّزوع إلى الاجتهاد في معالجة القضايا التي كانت تساور سبيله من حيث كان فقهاء آخرون يريدون أن يجمّدوا كلّ شيء في مكانه…

إنّ الشهاب مدرسة فكريّة إصلاحيّة عظيمة القيمة، تحتاج إلى دراسة أكاديميّة معمّقة قائمة على المقارنة والمدارسَة المتأنّية. ولم تكُ هذه المدرسة الفكريّة مبتورة الجذور، ولا جامدة الاتّجاه؛ ولكنّها كانت متحرّرة، متفتّحة، ثائرة، مستشرفة أبداً المستقبل الكبير الذي كان ينتظر الشّعب الجزائريّ المسلم. فقد كانت تُعنَى بالاقتصاد، والسّياسة، والإصلاح الدّينيّ، والتّربية الوطنيّة، والسّلوك الاجتماعيّ الأمثل، كما كانت تعنى في الوقت ذاته بموضوعات العلم والتّعليم، والأدب والتّاريخ، والحضارة والفلسفة والأخلاق.

إنّنا لسنا أمام مجلّة عاديّة، من هذه المجلاّت التي لم تكن تكاد تبدو حتّى تختفي، لسبب أو لآخر؛ ولكنّنا نحن أمام مجلّة نعدّها مدرسة رباعيّة  الاتّجاهات: دينيّة، وسياسيّة، وفكريّة، وتربويّة. فكأنّ هذه الاتجاهات الأربعة هي التي تكوّن فكر ابن باديس.

السّرّ في طول عمر الشّهاب

لعلّه أن يَحِقَّ لكلّ باحث أن يلتمس تعليل الأشياء، ويتساءل عن شأنها؛ فيتساءل عن السّرّ الذي كان وراءَ طول عمر الشّهاب من حيث كانت أعمار الصّحف والمجلاّت العربيّة الأخراةِ في الجزائر لا تبدو إلاّ لتختفي، ولا تولد إلاّ لتموت: أهو اتّجاهُها السّياسيّ المعتدل؟ أم اجتنابُها الخوضَ فيما كان يضايق الاستعمار ويزعجه إزعاجاً؟ أم كان ذلك لعلل أخراة؟

إنّ موقف هذه المجلّة مع ما كان يبدو فيه من تحفّظ في معالجة الأمور السّياسيّة في الجزائر، فإنّه كان وطنيّاً صريحاً جريئاً لم يزل يشرئبّ إلى الحرّيّة، ويستشرف السّيادة الوطنيّة، بضرب من التّعبير أو بآخر. فلطالما رفع ابن باديس عقيرته منادياً بلعْن الاستعمار ووصْفه بأبشع الأوصاف التي كان أهلاً لها. ولطالما رفع سَواؤُهُ من كتّاب هذه المجلّة المجيدة أصواتهم صارخين صرخاتٍ وطنيّةً مدوّيّة كالرّعد القاصف؛ ومع ذلك فإنّ الاستعمار كان ربما غضّ الطّرْفَ عن ذلك غضّاً، وتصامَّ عن تلك الأصوات، وتعامَى عن تلك الحركات وتغابَى عن فهم غاياتها: لعلّة واحدة مركزيّة تمثُلُ في شخصيّة السّيّد محمّد بن مصطفى بن باديس، أبي الشّيخ عبد الحميد صاحب المجلّة، الذي »كان موظفاً مرموقاً في الدولة، جعله في حصن حصين من الضربات المباشرة«37. وقد كان أكّد ذلك قبله الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي فقال حول هذا الموضوع: »وكان له من وجود والده درع وقاية من بطش فرنسا التي لا تصبر على أقلّ من هذه الحركات. وكان لوالده مقام محترم عند حكومة الجزائر؛ فسكتت عن الابن احتراماً لشخصيّة الوالد«38 .

وعلى أنّ محمّد بن مصطفى لم يكن ثريّاً كهؤلاء الأثرياء الذين لا يسخّرون ثرواتهم إلاّ في أغراضهم الشّخصيّة؛ بل كان محمّد بن باديس وطنيّاً سرِيّاً، وسخيّاً حظيّاً؛ فكان بمثابة الحصن الحصين لولده وحملته الإصلاحيّة39...

لقد كان الشيّخ الأب بالقياس إلى ابنه جُنّةً من كلّ خطر، وحجاباً من كلّ بأس. فلا عجب إذا رأيت ابن باديس يتمتّع بشيء من حرّيّة العمل، وحرّيّة التّعبير، وحرّيّة الحركة؛ فتؤتِي حركتُه أُكلَها الطّيّب، وتُعَمَّرُ مجلّته عمراً تحسده عليه صِنْواتُها اللّواتي كنّ لا يبدون إلاّ ليتوارين وراء ظلام العدم40.

الإشراف على إصدار صحف أخرى

لا يجوز أن نتصوّر رئيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين لا يكون له المكانة الأولى في موقع المجلس الإداريّ للجمعيّة؛ ومن ثمّ إعطاء الرّأي حول كلّ ما يجري من أنشطتها وبرامجها  ومشاريعها باعتباره المسؤول القانونيّ والأدبيّ الأوّل عن الجمعيّة؛ يضاف إلى كلّ ذلك أنّه كثيراً ما كان هو الذي يكتب افتتاحيّات هذه الصّحف. ولذلك لابدّ من إلقاء نظرة عجلى على الصّحف الأربعِ، العربيّة اللّسان، التي أصدرتها الجمعيّة في حياته؛ وهي:

1.السّنّة المحمّديّة (1933-1933).

صدرت هذه الجريدة يوم الاثنين 8 ذي الحجّة 1351 للهجرة. وهي أوّل جريدة أسبوعيّة تصدرها هيئة جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين التي كان يرأسها الشّيخ عبد الحميد بن باديس. غير أنّ الإدارة الاستعماريّة كانت لها بالمرصاد فعطّلتها؛ فكان آخر عدد صدر منها في ربيع الأوّل 1352 للهجرة (3. 7. 1933)41. فيكون عمر هذه الجريدة زهاء ثلاثة أشهر فقط.

وقد كتب ابن باديس يؤبّن جريدة السّنّة ويعلن ميلاد »الشريعة« في مجلّة الشهاب فقال، ضمن مقالة طويلة: »رُوِّعت الأمّة بنبأِ تعطيل جريدة »السّنّة« بقرار من وزارة الدّاخليّة، وتقاطرت على الإدارة رسائل الاستياء والتّعجّب؛ ولم يكن تعجّب النّاس من تعطيل جريدة دينيّة بعيدة كلّ البعد عن السّياسة دون استيائهم من عرقلة جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين عن عملها الدّينيّ التّهذيبيّ الذي ذاقت الأمّة حلاوته، وشاهدت جميل أثره.

أمّا نحن فقد شاركنا الأمّة في الاستياء، ولم نشاركها في التّعجّب؛ فقد كنّا توعّدنا بأشياءَ هذا التّعطيل (…)42 فجاء ونحن له متوقّعون(…).

أسست جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين وأسّست جريدة »السّنة« المعطّلة، وأسسنا اليوم بدلها جريدة »الشريعة المطهّرة«. وستقوم، إن شاء اللّه، مقامها، وتحلّ من القلوب محلّها. واللّه المستعان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل«43.

وأمّا اتّجاه جريدة »السّنّة المحمّديّة« فإنّنا نعلم أنّه اتّجاه جمعيّة العلماء نفسِها من محاربة للتّدجيل الدّينيّ، والشّعوذة، والخرافات، والطّرقيّة، والخوض في الأمور الإصلاحيّة. وهذا هدف عامّ ينطبق على جميع صحف جمعيّة العلماء.

2.الشّريعة المطهّرة (1933-1933).

هي الجريدة الأسبوعيّة الثانية التي أصدرتها جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين خلفاً للسّنة المعطّلة. وقد صدر أوّل عدد منها في 24 ربيع الأوّل 1352 الموافق 17. 7. 1933. غير أنّها لم تعمَّر هي أيضاً إلاّ قليلاً حيث عطّلتها السّلطات الاستعماريّة في 28 غشت 1933؛44 فيكون عمرها أقصر من عمر السّنّة؛ إذ لم يجاوز واحداً وأربعين يوماً.

3.الصّراط السّويّ (1933-1934).

وهي الجريدة الثالثة التي تصدرها الجمعيّة، وذلك خلفاً للشريعة الموقوفة. وقد صدرت في 11 نوفمبر 1933؛ غير أنّ الإدارة الاستعماريّة ما لبثت أن وَقفتها في 22 رمضان 1352؛45 فيكون عمر هذه الجريدة أطول من عمر سابقتيها حيث بلغ زهاء أربعة أشهرٍ.

4.البصائر (1935-1939).

هي رابعةُ صحف جمعيّة العلماء الأسبوعيّة. صدرت في 72 دجنبر 1935. وهي جريدة أفلتت من التّوقيف حيث ظلّ تصدر بانتظام إلى سنة 1939. وسُمّيت بصائر تناصّاً مع قوله تعالى: »قد جاءكم بصائرُ من ربّكم؛ فمن أبصر فلنفسه ومن عمِيَ فعليها، وما أنا عليكم بحفيظ«46 حيث وشّحت صدرها بهذه الآية. غير أنّ هذه الآية حذفت منها فيما بعد.

ذلك، وقد حرّف أديب مروة اسم هذه الجريدة من لفظ البصائر إلى لفظ »البشائر«. وأين كان الشّعب الجزائريّ من البشائر حتّى تكونَ له جريدة بهذا الاسم المتفائل السّعيد؟ وأسوأ من ذلك أنّه زعم أنّها صدرت عام 1933. بل لعلّ الأسوأ من ذلك أنّه ذهب إلى أنّ الذي كان يشرف على تحريرها محمّد البشير الإبراهيمي، رئيس جمعيّة العلماء والحال أنّ الإبراهيميّ لم يكن يومئذ رئيساً لهذه الجمعيّة47؛ وإنّما الذي كان رئيساً لها هو عبد الحميد بن باديس. ثمّ إنّ الذي كان يشرف على تحريرها في السنتين الأوليَين الشّيخ الطّيّب العقبي، وفي السّنتين الأخيرتين من عمرها الشيخ مبارك الميلي. ثمّ إنّ هذه الجريدة إنّما صدرت في أواخر عام 1935؛ وإنّما السنّة والشريعة والصراط هنّ اللّواتي صدرْن عام 1933. ثمّ إنّ هذه الجريدة توقّفت عام 1939 لظروف الحرب العالميّة الثانية، ولم تصدر مرّة أخرى، ولكن بوجه وزيٍّ جديدينِ إلاّ  عامَ 1947. وهذه هي البصائر التي أصدرها الإبراهيمي ناطقة باسم العلماء، فظلّ يحرّرها إلى سنة 1951.

<><><><><><> 

وكذلك خطّط ابن باديس لرسالته الإصلاحيّة والفكريّة فأسّس جريدة، ثمّ مجلّة شهريّة له شخصيّاً، من حيث لم يَنِ في إصدار صحف متتالية ناطقة باسم الهيئة التي كان يرأسها، وهي جمعيّة العلماء. ولعلّ هذه المأثرة الإعلاميّة لم تقع لأيّ مصلح في العالم الإسلاميّ. فكون المر صاحب قضيّة إذا لم يهيّئ لها أسباب التّبليغ بواسطة إعلام مدروس وواع وراقٍ لا يعني شيئاً كثيراً. فنحن نفترض وجود آلاف المصلحين والمفكّرين كانوا، ولكن في غياب الإعلام والتّأليف ماتت أفكارهم بموتهم.

فابن باديس خلُد حقّاً بفضل تلاميذه الذين لم يقصّروا، من بعده، في ترويج أفكاره الإصلاحيّة النّيّرة (ونلاحظ أنّ تلامذته أنفسهم كانوا يروّجون لهذا الفكر وينشرون عن طريق ما كانوا يكتبون في البصائر الثانية خصوصاً…). غير أنّ خلوده الحقيقيّ يكمن فيما ترك لنا مكتوباً في المنتقد، والشّهاب، والسّنّة، والشّريعة، والصّراط، والبصائر الأولى؛ فلولا هذه المنابر الإعلاميّة الرّاقية لضاع علينا معظم فكر ابن باديس.

 

الهوامش :

1. يراجع عمار طالبي، آثار ابن باديس، 1.57؛ علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، 112؛ تركي رابح، الشّيخ عبد الحميد بن باديس، 110-111؛ أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر، 345 ط.2 وقد زعم أنّها صدرت عام 1926. وقد زعم أحمد توفيق المدنيّ أنّ جريدة النّجاح تأسّست عام 1912. في حين ذهب المؤرّخ الفرنسيّ Robert Agéron في كتابه Histoire de l’Algérie contemporaie  ص.88 إلى أنّها صدرت عام 1924. وهو مجرّد وهم.

2. المراجع السّابقة. وكان عدد نسخ هذه الجريدة حين أصبحت يوميّة عام 1930 خمسة آلاف نسخة.

Cf. P. Schaeffer, La communication, in Encyclopædia universalis, Symposium, T.19,p.23-31.3

4.Cf. Ibid.

5 Id.

6. Id

7.ابن باديس، الشهاب، ج1، م 11 (الافتتاحيّة) (ويوافق التّاريخ المذكور بالتّقويم الميلاديّ: 2 يوليوز 1925). وقد زعم أبو القاسم سعد اللّه، أنّ جريدة المنتقد صدرت عام 1921، ينظر: الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ص.455.

8. ابن باديس، م.س.

9. عمار طالبي، مقدّمة آثار ابن باديس، 1. 84.

10. اب باديس، م.م.س.

11. محمّد الهادي السّنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، 1. 25 (ذيل).

12 م.س. ص.191.

13 أيّام التّشريق: أيّام عيد النّحر، لأنّ الجريدة صدرت في صبيحة عيد النّحر من عام 1343 للهجرة.

14 م.س. (ص.191-195).

15 ينظر م.س. 1. 23-24. ونشرت مرثيّة محمّد العيد في المنتقد، ثمّ نشرها الهادي السّنوسيّ، ومطلعها:

نعم لك في العلا عمل مجيد                        ولكن ما جزاؤكَ يا رشيد؟

16 ابن باديس، الشهاب، ج1 م14 ص.2.

17 ابن باديس، الشهاب، ج1. م.11، ص.2.

18 ذكر عمار طالبي أنّه لم يعثر إلاّ على ملزمة واحدة من عدد سبتمبر 1939، آثار ابن باديس، 1. 59 (إحالة رقم 1).

19 عبد الملك مرتاض، نهضة الأدب العربيّ المعاصر في الجزائر، ص.91.

20 كنّا عرضنا لهذه المجلّة بالدّراسة في كتابنا نهضة الأدب العربيّ المعاصر الصّادر في الجزائر عام 1969، ص.91-100.

21 كان يوشّح أعلى صفحتها الأولى الدّاخلي’ بآيتين هما قوله تعالى: »قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرة أنا ومن اتّبعني وسبحان اللّه وما أنا من المشركين«؛ وقوله: »ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة ولموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن«.

22 ينظر ابن باديس، الشهاب، ج1، م11، ص.2.

23 الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، ص.204.

24 يراجع أبو القاسم سعد اللّه، محمّد العيد آل خليفة، ص.24؛ الحركة الوطنيّة الجزائريّة، 453.

25 علاّل الفاسي، العلم، (الرّباط)، العدد الصّادر في 11. 9. 1971 ص.11 عمود 3.

26 عنوان هذه الوثيقة التي وردت في حجم كرّاسة: »الصّحافة الجزائريّة بين الأمس واليوم«.

27 م.س.، ص.15و17.

28 الشّهاب، مايو 1929، ص.2 (الفهرس).

29 الشهاب، ج7 م 15، الصّادر في يوم الخميس 1رجب 1358 الموافق 17 أوت 1939.، ص.2.

30 الشهاب، ج.9م9، غشت 1933، ص. 359-363.

31 ينظر الجامع الصّغير، 180.

32 يقدّم هذا المحور في بعض الأطوار مختصراً تحت عبارة: »المجتنيات«، الشّهاب، العدد الأخير (ج7م15)، ص.2.

33 لعلّ هذا الاسم المستعار أن يكون مستوحى من أوّل محاولة قصصيّة نشرها محمّد سعيد الزّاهري عام 1925 بعنوان: »فرانسوا والرّشيد«. فرشيد اتّخذ رمزاً لأوّل قصّة جزائريّة في التّاريخ.

34 تعزى هذه الكلمة إلى مالك بن أنس رضي اللّه عنه.

35 هذا الشّعار من إبداع ابن باديس.

36 ذكر ابنُ باديس محمّد بن عبد الوهّاب مرّة واحدة، في كتاباته المعروفة، كما لم يتناول محمّداً عبده إلاّ في مقالة واحدة، وعرَضاً. وعلى أنّ ابن باديس ذكر محمّد ابن عبد الوهّاب تحت عبارة: »ابن عبد الوهّاب«؛ وتحدّث ابن باديس عنه حين أطلقوا عليه لقب »وهّابيّ«، بعد أن كانوا أطلقوا عليه لقب »عبداويّ«؛ فأقسم باللّه إنّه لم يقرأ كتاباً واحداً لابن عبد الوهّاب قائلا: »(…) ولا واللّه ما كنت أملك يومئذ كتاباً واحداً لابن عبد الوهّاب، ولا  أعرف من ترجمة حياته إلاّ القليل. وواللّه ما اشتريت كتاباً من كتبه إلى اليوم (كُتبت المقالة في عام 1351 هـ.). (نشرت المقالة بجريدة السّنّة، ع. 3،  الافتتاحية، في 29 ذي الحجّة 1351هـ.). غير أنّ الغايات الإصلاحيّة كثيراً ما تتلاقَى على بعد الدّار، وانعدام العلاقة المباشرة. ونحن نتساءل لمَ كلّ هذا الاحتياط من الاحتراز من علاقة جمعيّة العلماء بالحركة الوهّابيّة التي هي أيضاً حركة إصلاحيّة إسلاميّة قبل كلّ شيء، وأنّهما تمجّدان معاً فكر ابن تيمية وتقومان عليه تنظيراً وانطلاقاً (كما يذكر ذلك الإبراهيمي نفسه في كتاب سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، ص.40؛ وذلك في معرض حديثه عن عوامل نشأة جمعيّة العلماء: »ويضاف إلى هذا العامل (العامل الأوّل أفكار محمّد عبده) قراءة المنار على قلّة قرّائه في ذلك العهد واطّلاع بعض النّاس على كتب المصلحين القيمة ككتب ابن تيمية، وابن القيم، والشّوكاني…«. غير أنّنا نجد الإبراهيمي ينفي، هو أيضاً، علاقة جمعيّة العلماء بالحركة الوهّابيّة، فيقول في معرض حديثه عن العامل الرّابع لنشأتها: »وإنّ هذه الفئة التي رجعت من الحجاز بالهدي المحمّديّ الكامل قد تأثرت بالإصلاح تأثراً خاصّاً مستمدّاً قوّته من وحرارته من كلام اللّه وسنّة رسوله مباشرة؛ ولم تكن قطّ متأثرة بحالٍ غالبةٍ في الحجاز (والحال الغالبة في الحجاز إذ ذاك هي الحركة الوهّابيّة) إذ ذاك لم يكن للإصلاح في ذلك الوقت شأن يذكر في الحجاز، إلاّ في مجالسَ محدودة، وعند علماء معدودين« (م.س.، ص.42).

لكنّا نجد إشارة أخراةً قد تكون أوضح؛ وتتّصل بعلاقة جمعيّة العلماء بالحركة الوهّابيّة؛ فقد نقلت الشّهاب مقالاً نشر بمجلّة »السّمير« لإيليا أبي ماضي، أومأ فيه كاتب المقال إلى الحركة الإصلاحيّة فوصفها بالوهّابيّة. ولما نقلت مجلّة »الشهاب« هذا المقال لإعادة نشره علّقت على مصطلح »الوهّابيّة« بهذه العبارات:

»سبق الشّيخ محمّد عبد الوهاب في هذا العصر الأخير غيره إلى الدّعوة إلى الكتاب والسّنّة، وهدي السّلف الصّالح من الأمّة، وإلى محاربة البدع والضلالات فصار كلّ من دعي إلى هذا يقال فيه»وهابي«. فلذا سمّى الكاتب الحركة الإصلاحيّة (يريد إلى جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين) بالوهّابيّة؛ مع العلم بأنّه لم يكن بينها وبين نجد أدنى اتّصال«. (الشّهاب، ج6، م10 10 مايو1934). وانظر أيضاً صالح خرفي، الشّعر الجزائريّ الحديث، 69، إحالة رقم:2.

ويعلّق صالح خرفي على رأي الشّهاب، الذي هو رأي ابن باديس قائلا: »إنّ الحركة الوهّابيّة كانت محصورةً في نجد إبّان وجود الجزائريّين في الحجاز؛ ويوم دخل عبد العزيز مكّة كان هؤلاء قد انتقلوا إلى الجزائر«.

37 صالح خرفي، الشّعر الجزائريّ ، 76.

38 الإبراهيمي، مجلّة مجمع اللّغة العربيّة، القاهرة، }21، ص.141.

39 يراجع ما كتبه الأستاذ محمد علي دبوز حول شخصيّة والد ابن باديس في كتابه: »نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة«، 2. 49-57. وقد فصّل الشيخ دبوز حديثه تفصيلاً حول هذا الموضوع، عن هذه الشّخصيّة الفذة. وانظر أيضا حول هذه المسألة، الشّهاب، ج4، م 14، ص. 289.

40 هناك مصادر جزائريّة، وغير جزائريّة، كثيرة تناولت مجلّة الشّهاب إمّا بالدّراسة المستفيضة، وإمّا بمجرّد الإشارة العابرة، لعلّ من أهمّها:

تركي رابح، الشيخ عبد الحميد بن باديس، 111-112 (ومواطن أخرى)؛ أبو القاسم سعد اللّه، الحركة الوطنيّة الجزائريّة، 453؛ محمّد العيد آل خليفة، 24؛ أنور الجندي، الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، 204؛ علال الفاسي، جريدة العلم، الرّباط، = 11. 9. 1971، ص.11؛ عمّار طالبي، آثار ابن باديس، مقدّمة، 1. 84-87؛ ابن باديس، الشّهاب، ج1، م 11 (الافتتاحيّة)؛ الصحافة العربيّة بين الأمس واليوم، وثيقة رقم 9، السّفارة الجزائريّة، بيروت، دجنبر 1974، ص.15و17؛ عبد الملك مرتاض، نهضة الأدب العربيّ المعاصر في الجزائر، 91-100؛

41 ينظر عمّار طالبي، م.م.س.، 1. 87.

42 كذا بالأصل،  ولعلّ في العبارة بتراً لم يقع التّفطّن لها لدى الطّبع.

43 الشريعة المطهّرة، في 17 يوليوز 1933. وكتبت هذه المقالة التي لم نورد منها إلاّ ما له صلة بالجريدتين المعطّلة، والجديدة، في شكل افتتاحية لجريدة  »الشّريعة«.

44 م.س.

45 م.س.

46 سورة الأنعام، 6.

47 أديب مروة، تاريخ الصحافة العربيّة، ص. 395.

 

آخر التغريدات: