جهاد الإمام عبد الحميد ابن باديس في مجال الصحافة والوطنية

بقلم: الشيخ محمد الصالح الصديق-

الصحافة هي لسان الأمة الذي تعبر به عن آمالها وآلامها،وسلاح قوي لمحاربة العدو، وسراج منير لإضاءة الدرب القويم أمام الأمة، وعامل فعّال في التربية والتوجيه،وصنع التاريخ. والذي لاشك فيه هو أن معظم النجاح الذي حققه الإمام في جهاده العلمي والإصلاحي، والاجتماعي إنما يعود إلى الصحافة التي أنشأها كـ«المنتقد» سنة 1925م ثم «الشهاب» الأسبوعي الذي تحوّل بعد ثلاثة أعوام تقريبا إلى مجلة شهرية، وتمدّد عمره إلى شهر سبتمبر سنة 1939م بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية..

 وإزاء هذا كانت الصّحف التي صدرت باسم جمعية العلماء وبإشراف الإمام،وهي على التوالي: «السنة، الشريعة، الصراط » وقد قال أمير شعراء تونس محمد خزندار حينما زار الجزائر  سنة 1928م وعرّج على قسنطينة:   

صحف الجزائر ست           ضبطت بتدقيق الحساب

وهي النجوم هداية          تسري وحسبك بالشهاب

نحى "الشهاب" لأنه         يمش على نهج الصواب

إني حظيت بمصدّة           ودخلته من خير بـــاب

وكل هذه الصحف قامت بدورها أحسن قيام،وأدت رسالتها خير أداء،وإن كان الشهاب في الطليعة لطول عمره وشهرته.

 في مجال الوطنية:

إذا كانت الوطنية نشيدا، أو شعارًا، أو مجرد انتساب في عرف بعض الناس، فإن الوطنية عند الإمام حبّ وتضحية. وقد أعلن ذلك واضحـا صريحا على جريدة  «المنتقد» حـينما جعل ذلك شعارها الدائـم: «الحق فوق كل أحـد، والوطن قبل كل شيء » ثم ظـلّ  طوال حياته يسير في ضوء ذلك مـعلّما. وكاتبا، ومصلحا، وساعيا في سبيل حريّة بـلده من كل ألوان الاستعمار. وقـد تـعددت في ذلك جـهوده، وتنوعت مواقفه،ويشدنا إلى الإمام في هذا المجال فخره واعتزازه بأصالة هذا الشعب، وعمق جذوره، وسمو مكانته بين الشعوب. وإنَّه سبقها في ميادين الحياة بهدايته، وشريعته، أيام كانت تسبح في لجج من الأوهام والخيالات، وأنه سيعود إلى هذه الصدارة،لأنه يعرف تاريخه، ومن عرف تاريخه، جاهد من أجل أن يتبوأ في هذا الوجود المكانة اللائقة به. ولا رابطة تربط بين ماضي هذا الشعب وحاضره ومستقبله إلا اللغة العربية لغة الدّين،ولغة الجنس ولغة القومية،ولغة الوطنية المغروسة

ويرى الإمام أنَّ المواطن الصحيح من تربطه بوطنه أواصر وذكريات وأمال.وإنَّ لهذا الارتباط تكاليفه وواجباته، وإلاَّ كان المواطن موجودًا بلا وجود، كالمسلم بلا إسلام. والعربي بلا عروبة. وفي هذا المنحنى يقول:« إنما ينسب للوطن أفراده الذين ربطتهم ذكريات الماضي ومصالح الحاضر وآمال المستقبل والنسبة للوطنتوجب علم تاريخه والقيام بواجباته من نهضة علمية واقتصادية وعمرانية؛والمحافظة على شرف اسمه،وسمعة بنيه، فلا شرف لمن لا يحافظ على شرف وطنه، ولا سمعة لمن لا سمعة لقومه»

وعلّق على كلمة ( لمّ هريو) ينصح فيها بنتاً بحبّ الوطن، والإخلاص له، وتكريس النفس لخدمته،وكان مما جاء فيه عن الإخلاص للوطن وتكريس النفس له قوله: «والإخلاص أن تعمل لوطنك ولو أنكرك وأنكر عملك أبناء وطنك،وتكريس العمل أن تكون جميع  أعمالك عائدة بالخير على وطنك،فتستطيع أن تنفع  النّاس كلّهم دون أن تضر وطنك فتكون قد خدمت وطنك بما رزقت به من محبة في قلوب من أحسنت إليهم من الناس،فحب وطنك،ولاتبغض أوطان الناس،انفع وطنك ولا تضر أوطانا أخرى،بل اجتهد لأن تكون مصدر محبة شاملة ونفع عام».


آخر التغريدات: