الإمام إبراهيم بيوض والتجديد

بقلم: أ.د. عمار طالبي-

ظهر في أوائل القرن الماضي شاب ولوع بتجديد أوضاع الناس في الجنوب الجزائري، والبحث عن سبل تغييرها، وتجديد منهج التغيير، وتمكين الشباب من إصلاح أحوال الأمة والنهوض بها، معتمدا في ذلك على مصادر الإسلام، وأصوله من كتاب وسنة وسيرة السلف الصالح.

 لم تكن رؤيته لهذا الإصلاح محدودة، ولا أصابها ضيق نظر، ولا تعصب مذهبي، تعلق فكره بمفهوم الأمة، لا بمفهوم آخر يحجب عنه هذه الرؤية الكلية الجامعة، فهو عضو بارز في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وذو صلة متينة بزعماء النهضة الإسلامية وأفكارهم، يقرأ لهم ويزورهم ويحاورهم، ذو اطلاع واسع على تراث المسلمين في تاريخهم الطويل، بمختلف مذاهبهم، ومناهجهم في الاجتهاد والبحث، فهو في تفسيره للقرآن الكريم الذي وهب له حياته وجهده أكثر ما وهب، لا يقتصر على ما ذهب إليه المفسرون القدماء وإنما يضم إلى ذلك التفاسير الحديثة وخاصة تفسير المنار.

وفي الحديث لم يقتصر على درس مسند الربيع وشروحه ولا على متونه وأسانيده وإنما عمد إلى الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم فدرسهما برواية ودراية، بل أكثر من ذلك فإنه اعتمد درس شرح ابن حجر العسقلاني وهو فتح الباري في شرح صحيح البخاري لتلاميذه ومريديه.

وفي فتاواه لا يتردد أن يتفق مع فتاوى المذاهب الإسلامية الأخرى، إذا رأى صوابها، له آراء ينفرد بها، ويظهر تجديده في فتاواه، لا يخاف في ذلك لومة لائم، ولا تعصب متعصب، مواقفه معروفة، واجتهاداته واضحة.
فقد أفتى باعتماد الحساب الفلكي في رؤية هلال رمضان، معتمدا في ذلك على ما يقرره العلم، وأفتى بالإحرام من جدّه، كما أفتى بجرأة بوجوب صلاة الجمعة بعدما عطلت قرونا، ولم يعبأ بمخالفة المخالفين له، ولا ترددهم في ذلك سنين، وها أن فتواه اليوم عمت الجنوب، ولا يخالف في ذلك مخالف، وأفتى بالصلاة وراء كل إمام من أي مذهب كان، سواء كان إماما إباضيا أو إماما مالكيا أو غيرهما، وعني عناية كبيرة بالتربية وتكوين الأجيال، وتأسيس المؤسسات التي تكفل هذه التربية وهذا التكوين، وبعث البعثات العلمية إلى تونس، وحرص على رعاية الطلاب أيما حرص، لإدراكه أن الشباب جيل المستقبل وقادته، وقد أثمر جهده، وأتى أكله في شتى الميادين.

والذي يتميز به فيما يبدو عن بقية المصلحين عنايته بالجانب الاقتصادي في حياة الناس عناية فائقة، فوجه الناس إلى ذلك، وإلى أن الأمة الفقيرة في اقتصادها يمتد فقرها هذا إلى فقر في الأفكار والمعرفة، لذلك وجه أهل الجنوب إلى تأسيس المؤسسات الصناعية والتجارية قبل الاستقلال وبعده، فنرى اليوم هذه المؤسسات الإنتاجية ناجحة مثمرة في تلك المناطق وغيرها.

ربّي جيلا وأحيا شبابا، وحرك عقولا، وأنطق ألسنة بلسان عربي مبين، من كتاب وشعراء وصحافيين دلت آثارهم على نبوغ وتمكن بالغ من فقه العربية، وبلاغتها في الشعر والنثر والخطابة.

فإن أعز شيء عند المسلم بعد القرآن والسنة هو اللسان الذي بدونه لا تدرك المعاني، ولا يدرك روح التشريع، ولا يمكن الاجتهاد في نصوص القرآن والسنة اجتهادا حقيقيا، وقد أدرك هذا شيخنا، ودافع عن اللغة القرآنية أيما دفاع، ولا توجد عند الإباضيين وهم أمازيغ أقحاح أية عقدة، ولا أي موقف يضير العربية أو يمكّن لسانا أجنبيا يضارها.

فالشيخ الإمام بيوض من طينة جزائرية أصيلة نبغ في أرضه، وأخلص لدينه والثقافة الإسلامية وأصولها، فكان مجاهدا في سبيل إعلاء شأنها وبثها في صدور أبناء جيله، لا يكف عن ذلك، ولم يخضع لعراقيل تنصب له، ولا لمكايد تكاد لعمله، واثقا من نفسه، ومن منهجه ومن هدفه.

وقد كتب ابن باديس عن نبوغ الجزائريين إذا وجدوا ظروفا مساعدة وبيئة مواتيه، فإن الجزائري الذي يغترب من أجل المعرفة برهن على نبوغه وتفوقه.

قال ابن باديس:" ثم انظر أيضا إلى جماعة من أبناء الجزائر خرجوا منها أيام الاحتلال الفرنسوي وبعده لأسباب، وكانوا في بيئات راقية ساعدتهم على إظهار مواهبهم، واستعدادهم الموروث، فكان منهم الزعيم الكبير كالشيخ الثعالبي، والسيد حسن قلاتي اللذين ما دارت الحركة التونسية في حزبيهما إلا عليهما، والصحافي الشهير كالصنادلي شيخ الصحافة التونسية، والعالم الخطير كالعلامة الشيخ الخضر بن الحسين، والكاتب الضليع كالسيد أحمد توفيق المدني، والعالم المفكر كالشيخ أبي إسحاق أطفيش، هؤلاء الفضلاء وكلهم من الطينة الجزائرية (...) كتبت هذا وبين يدي العدد الأول من مجلة "المنهاج" التي أنشأها (1) الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري المقيم بالقاهرة لأقدّم لإخواني الجزائريين هاته المجلة الراقية التي هي أول نشرة جزائرية في مصر، عروسة الشرق الأدنى، ومجمع أممه، ومطمع أنظارهم، وعاصمة لغة الضاد، وأدعوهم إلى مؤازرتها لتظهرهم هنالك بالمظهر الشريف، وتعرب عن حالهم أمام أمم الشرق وأبناء العربية "(2).

ونقل نصا من المجلة ومنها: " أن هدف أبي إسحاق "الدفاع عن الأمة وإيقافها على مجرى الأمور بالبلاد الغربية وفي إخلاص النصح لها ولحكوماتها، كما أننا لا نحرم إخواننا أهل المشرق من أبناء بلادنا المغرب، ليحصل  الارتباط والتعارف التامان بين الأقطار الإسلامية وشعوبها، وليتحد العمل في إحياء المجد المندثر للإسلام، ذلك المجد الذي جاء به القرآن فسعد به العالم حينا من الدهر، وأعطى للبشرية أرقى تشريع، وأسمى نظام، عسى أن يعود شبابه وما ذلك على الله بعزيز" (3).

وهكذا يلتقي الشيخ الإمام بيوض، والشيخ إبراهيم اطفيش في الهدف من إيقاظ الأمة بأوسع معنى، والنهوض بها مشرقا ومغربا، ويشيد ابن باديس أيما إشادة بجهاد الجزائريين ونبوغهم، وخاصة العلامة إبراهيم اطفيش المقيم بمصر –رحمه الله-.

فأكرم به من يوم تحيي فيه ذكرى الإمام بيوض وأعظم بها من كلمات ألقيت في منبر المكتبة الوطنية، وتحيات مباركات للذين قاموا بهذه الذكرى وفي مقدمتهم مدير المكتبة الوطنية الأستاذ د.الأمين الزاوي شكر الله سعيه في إحياء أعلام نسيهم الناس.


الهوامش:

1- في الأصل: أنشأت.

2- المنتقد العدد 07 الخميس 23 محرم 1344هـ/13أوت 1925.

3- المصدر نفسه، ونقل ابن باديس محاضرة ألقاها الشيخ إبراهيم اطفيش "في الاتحاد والتعاون" ألقاها في جمعية تعاون جاليات شمال إفريقيا. انظر المنتقد العدد 09 الخميس 07 صفر 1344هـ 27 أوت 1925.

  

آخر التغريدات: