الجزائر مع الديمقراطية في الاحتلال والاستقلال الإمام الـمصلح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي نموذجا "ب"

بقلم: الشيخ عبد الرحمن شيبان-

تعرضنا في الحلقة السابقة بشيء من التفصيل إلى موقف الإمام الـمصلح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الرافض لسلطة الحكم الفردي، وفرض مذاهب اجتماعية أجنبية على الشعب الجزائري، وهو الـموقف الذي جلب له سخط السلطة الحاكمة في عهد الرئيس أحمد بن بله، بل وعرضه إلى انتقاد بعض العاملين في الحركة الإصلاحية من الشيوخ والشباب، ممن تنكروا له في محنته مع النظام الحاكم، وهو ما سنتناوله لاحقا في هذه الحلقة.

وللتذكير فقد كان الدافع لنا لكتابة هذه السلسلة هو مشاركتنا في الندوة العلمية التي نظمتها جامعة الجزائر في شهر ماي المنصرم تحت عنوان:(التجربة الديمقراطية في البلدان الإسلامية - الجزائر وإندونيسيا نموذجا)، والتي شارك فيها عالمان بارزان من إندونيسيا هما: الشيخ الدكتور أحمد هاشمي موازدي، رئيس جمعية نهضة العلماء بإندونيسيا، والأستاذ الدكتور عبد المالك مدني، عميد كلية الشريعة بجامعة سونان كالي جاكا الإسلامية، وكوكبة من الأساتذة الجامعيين الجزائريين.

وقد اتفق المشاركون في الندوة من الجزائر ومن إندونيسيا على أن الديمقراطية وإن كانت مصطلحا سياسيا غربيا، وتراكما تاريخيا للتجربة السياسية في المجتمعات الغربية، إلا أن المجتمعات الإسلامية قد عرفت نظام الحكم الشوري، وعملت به في أزهى عصور الحضارة الإسلامية، وخصوصا في عهد الخلفاء الراشدين، عليهم رضوان الله أجمعين، فالشورى والديمقراطية يلتقيان في معارضة الاستبداد السياسي، ومصادرة إرادة الأمة، ويعترفان بحق الأمة في تولية من تختارهم للحكم وسحبه منهم.

ومن هنا يمكن القول أن الـمنطلق الفكري لدعوة الإمام الـمصلح المرحوم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي إلى الديمقراطية كانت الـمرجعية الإسلامية بكل ثرائها الفكري، والسياسي، والتشريعي، والأخلاقي، وإذا كانت غيوم الاستبداد، وغواية التسلط على رقاب العباد، قد حجبت - في الكثير من الـمراحل التاريخية وخصوصا في مراحل الانحطاط وضمور الاجتهاد في الأمة الإسلامية- صفاء وأصالة النموذج السياسي الإسلامي، القائم على الشورى واحترام إرادة الأمة، إلا أن هذا النموذج ظل هو مقياس الحكم الراشد، والـمنشود عند أقطاب الحركة الإصلاحية، وزعماء النهضة في الـمشرق والـمغرب، ونذكر منهم في الـمشرق الإسلامي الشيوخ: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبد الرحمن الكواكبي الذي خصص لهذا الغرض كتابا بعنوان:(طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) الذي جاء فيه:" إن الاستبداد والعلم ضدان متغالبان فكل إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل، وأخوفُ ما يخافه الـمستبدون من العلم أن يعرف الناسُ حقيقةً أن الحرية أفضل من الحياة، وأن يعرفوا النفس وعزَّها، والشرفَ وعظمته، والحقوق وكيف تحفظ، والظلم وكيف يرفع، والإنسانية وما هي وظائفها، والرحمة وما هي لذتها ".

وفي الـمغرب الإسلامي تتألق أسماء الشيوخ: عبد الحميد بن باديس، محمد البشير الإبراهيمي، خير الدين التونسي، وعبد العزيز الثعالبي، ومولاي محمد العربي العلوي...ولذلك كنتُ أرى أن الدعوة إلى رفض الاستبداد، ومعارضة الاحتكار السياسي، والتسلط الحزبي، هي من صميم اهتمامات الحركة النهضوية، وإعادة بعث الفكر الإسلامي الأصيل، وهذا التصور هو الذي دفعني إلى محاولة تضييق فجوة الخلاف السياسي، وإزالة غيوم الجفاء الشخصي بين الرئيس أحمد بن بله والرئيس فرحات عباس، الذي عارض تجريد المجلس الوطني التأسيسي من صلاحياته التشريعية، ووفقتُ في الجمع بينهما عند زيارة الرئيس بن بله إلى مدينة سطيف، كما سبق أن أوضحت ذلك في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة بعنوان:( الجزائر مع الديمقراطية في الاحتلال والاستقلال: زعيم سياسي، وإمام مصلح نموذجا).

كما سعيتُ بعد ذلك للإصلاح بين الرئيس أحمد بن بله وبين الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بعد أن أصدر هذا الأخير بيانه التاريخي الـمعارض لسلطة الحكم الفردي، وفرض الاشتراكية الـمستوردة على الشعب الجزائري.

لقد اتخذتُ هذا الـموقف الـمؤيد لشيخنا الإمام الإبراهيمي، رغم حرصي الشديد على عدم إغضاب الرئيس بن بله، لأنه كان دائما كريما ومتواضعا معي، من ذلك استجابته لطلبي تسوية أوضاع المعلمين الأحرار بإصدار مرسوم في 19 مارس 1964 تحت رقم 99-64 الذي تشكلت بموجبه لجنة تسوية وضعية الـمعلمين الأحرار، التي ترأسها الإمام الإبراهيمي، وكنت نائبا له فيها.

ولابد لي أن أنوه في هذا الصدد بالـمساعدة التي قدمها من أجل نيل الـمعلمين الأحرار حقوقهم السيد الشريف بلقاسم (سي جمال) وزير الإرشاد القومي آنذاك.

ووفقتُ كذلك إلى إقناع الرئيس بن بله بزيارة الإمام الإبراهيمي في منزله لمعالجة الخلاف بينهما، كما تعرضنا لذلك في الحلقة السابقة.

ومن الغريب أن يتخذ البعض من إخواننا من رجال جمعية العلماء الـمسلمين موقف الاستنكار لبيان الشيخ الإبراهيمي، وأن يحاولوا التبرؤ منه! رغم أن الشيخ الإبراهيمي لـم يخالف مبادئ الجمعية في بيانه الـمطالب باحترام الوحدة الوطنية، ومبدأ الشورى الـمستمدة من الـمرجعية الحضارية والدينية للشعب الجزائري، ولكن الذين اجتهدوا تحت وطأة الظروف السياسية الصعبة والـمتوترة لسنة 1964 لاستنكار تصريح الشيخ الإبراهيمي، إنما فعلوا ذلك مسايرةً للظروف، وليس قناعةً، أو كرهًا للشيخ الإبراهيمي؛ على غرار ما قال شاعر العروبة والإسلام أبو الطيب الـمتنبي –عليه رحمة الله-:

يُقْضَى عَلَى الـمَرْءِ في أيامِ محنتهِ --- حتَّى يَرَى حسنًا ما ليْسَ بالـحَـسَنِ!

ولكن، ولله الحمد، فقد كان موقفي الـمتمثل في السعي لاستعادة حقوق أبناء الجمعية ضمن لجنة الـمعلمين الأحرار، بمعية نواب في المجلس الوطني التأسيسي وفي قطاع التربية والتعليم، وحرْصِي على تجنيب الإمام الإبراهيمي مهانة التعرض إلى تنديد الـمشاركين في الـمؤتمر الثالث لجبهة التحرير الوطني، وتبرؤ أعضاء الجمعية من بيانه التاريخي، بمثابةِ التعبير عن ضمير الجمعية التي كانت وما زالت تحظى بأكبر قدر من التقدير في أوساط الشعب الجزائري وخارج الجزائر.

وهذا ما سجله العالم العامل الأديب الشاعر الأبي، الوفي، الـمرحوم الشيخ حمزة بوكوشة في قصيدته الرائعة، بعنوان:"نصر وفتح"(1) تخليدا للحادثين العظيمين المتمثلين في:

أ-  ترسيم الـمعلمين الأحرار في سلك التعليم الرسمي.

ب- مناصرة شيخنا الإمام الإبراهيمي في موقفه الديني، السياسي، الوطني، إذ يقول المرحوم بوكوشة:
- أ-

نصرٌ به اسْتبْشرت في الخُلدِ قَحطَانُ --- وهنَّأتْ تَغْلِباً في العُرب عدنـانُ

فتحٌ به الدّينُ والفُصْحى قد ارتفَعَـا --- فوق السِّمَاك؛ وقبل اليوم قَدْ هانوُا

كَانَ الجَزاءَ لِـمن وَفـَّواْ بِعـهْدِهِمُ؛ --- أنَّ الوفاءَ لِدينِ الله قُربــانُ
لِفتْيةٍ كسيوفِ الهِنـدِ مُصْلـَتَةٍ --- لا يُعقَدُ العِزُّ إلاّ حَيثُماَ كانُوا؛
ففِي النَّوادي لهُم ذكرى وموعظةٌ؛ --- وفي الـمسَاجدِ تذكيرٌ وقُرآنُ،
وفي الـمدارسِ تعليمٌ وتربيةٌ --- لصِبيةٍ، حَظُّهُم علمٌ وإِيمانُ؛
فهُم رصيدٌ به كانتْ جزائرُنا ---  رغم الزَّوابع- لـمْ يضعُفْ لهَا شَانُ
حقٌّ مضاعٌ، فقام اليومَ صاحبُه، --- فهلْ تُرى منْحُه عدلٌ وإحسانُ؟
قدْ قام شَيْبَانُ في الجُلَّى يناصِرُه --- وحولَهُ إِخوةٌ في الحق مَا لاَنُوا
-ب-
إِنْ أنسَ لا أُنُسَ شَيْبَاناً ومكرُمةً --- مشتْ بهَا في بلادِ اللهِ رُكبانُ:
تنكَّرَ القَوْمُ للأُسْتاذِ (2) عن كَثَبٍ --- فقامَ ينصُرُه في البُعْد شَيْبَانُ

تبَرَّأ البعضُ منهُ –وهْوَ رائدُهُم- --- فهلْ دَرَوواْ أنَّهمْ إِنْ هَانَ قدْ هَانُوا!
شيبانُ، دَامتْ مَساعيكُم مُكمَّلةً --- لا يَعْتَرِيهَا مَدى الأَيَّام نُقصَانُ
إنَّ اَبْنَ بَادِيسَ في الجَنَّاتِ يَذكُرُكمُ --- لِمَوْقِفٍ(3) كانَ  فيهِ العِزُّ والشَّانُ!
(حمزة بوكوشة أفريل 1964)

الخلاصة:
لقد عبرت الـمشاركة الجماهيرية الـمنقطعة النظير في تشييع جنازة الإمام الإبراهيمي –عليه رحمة الله- عن موقف الشعب الجزائري الـمتمسك دائما بأصالته، والـمساند للحق، وأنه يمنح تقديره ووفاءه لـمن يخدمون دينه وكرامته وحريته.

أما هدفنا من وراء كتابة حلقات هذه السلسلة، فهو التأكيد على أن الديمقراطية في معناها النبيل السامي هي عنصر أساسي من عناصر نظام الحكم الراشد الذي تتولاه الأمة بالرضا والتأييد، لأنه ينسجم مع الحكم النابع من ذاتيتها الحضارية، المحترم لثوابتها الدينية، مع الاستفادة من كل ما هو صالح وإيجابي في تجارب المجتمعات الإنسانية الأخرى.
وصدق الله العظيم إذ يقول سبحانه وتعالى في الآية 4 من سور ة الأحزاب:} وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ{

الهوامش:
1- إشارة إلى المرسوم الصادر في مارس 1964 القاضي بترسيم المعلمين الأحرار.

2- الشيخ محمد البشير الإبراهيمي.

3- مناصرة الإمام الإبراهيمي.

آخر التغريدات: