حياة الإمام عبد الحميد ابن باديس

بقلم: الشيخ محمد الصالح الصديق-

في مستهل ما يلاحظ في هذا المجال أنَّ الإمام سليل عائلة ابن باديس الصنهاجية،التي تنتمي إلى المعز بن باديس بن المنصور بن بلقين بن زيري بن منَّاد بن منقوس أمير صنهاجة التلية. ووالد الإمام هو مصطفى الذي اشتهر بالكرم والنبل والمروءة،والمحافظة على شعائر الدين.وكان يحفظ القرآن ويجيد تلاوته ويتعبد به،ويستشعر جلاله وجماله كلما عمق النظر فيه،خاصة في شهر رمضان المعظم.

 ومن هذا الجذع الغليظ تفرع الإمام،وفي هذا المناخ الطيب والحضن الدافئ العبق رأى النور يوم: الأربعاء 10 ربيع الثاني عام 1308 هـ الموافق لـ 04 ديسمبر سنة 1889م.وإذا كانت طفولته عادية غير متميزة بشيء فإن هناك أمرا يجب أن يلاحظ لأنَّ له ما بعده في حياته،وهو أن والده لم يلحقه بالمدرسة الفرنسية شأن تِلاَدِه  وأنداده من أهل المدينة،وإنما وجهه للمكتب القرآني ليتعلم القرآن الكريم على الطريقة التقليدية،حتى يكون هذا الكتاب السماوي الحصن الذي يعتصم به في حياته،والمنار الذي يرتفع في طريقه،والقاعدة الروحية التي سيبني عليها جهاده الفكري والثقافي والوطني في مستقبله.

حفظ القرآن حفظا جيدا،وأمّ به الناس في صلاة التراويح في شهر رمضان،ثم أقبل على الدراسة العلمية مدفوعا برغبة تلقائية،وتشجيع ومساعدة من والده،وبعد أن نال محصولا علميا يؤهله للدراسة العالية شدّ الرحال إلى جامع الزيتونة بتونس،وذلك في سنة 1908م ،وهناك واصل دراسته بهمة عالية على جهابذة الزيتونة من أمثال النّخلي وابن عاشور.

وإذا كان الإمام قد أفاد من هؤلاء الأعلام علما غزيرا،فإنَّه قد تميز منذ تلك الفترة بحرية الفكر،واستقلال العقل،والقدرة المتميزة على التعليل والتحليل؛غير متأثر بالتقليد فيما لا يعتمد على النص من الكتاب والسنة.وقد ظهرت هذه الميزة بقوة في حياته الفكرية والإصلاحية من بعد.

تخرج من الزيتونة في سنة 1912م،وعاد إلى الجزائر بعد أن تعاطى التدريس في الزيتونة لمدة عام جريا على عادة المتخرجين فيها إذ ذاك.

وحُبب إليه التعليم وكان يراه أساس النهوض بالأمم والشعوب،وفي هذا يقول:«وقفلت راجعا إلى مسقط رأسي،وعمري يومئذ ثلاث وعشرون سنة،ولم يسعني وأنا أحمل شهادة (التطويع) من معهد علمي إسلامي كبير،إلا أن أختار ميدان التعليم،والتفرغ له،لأنَّه النهوض بالشعوب والأمم »

 ومن ثَمَّ كان اهتمامه بالتعليم وإقباله عليه،وكان انتصابه له أولاً بالجامع الكبير بقسنطينة،ولكنه قطعه في نفس العام حيث سافر إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج،وهناك تعرف على أمير البيان العربي الشيخ «محمد البشير الإبراهيمي»وتحاورا طويلا في شؤون الجزائر ومستقبلها.وعند عودته عرج على مصر،والتقى فيها بعلماء أجلاء منهم؛العلامة «بخيت المطيعي» مفتي الديار المصرية،وشيخ علماء الإسكندرية«أبو الفضل الجيزاوي»وأجازه كلٌ منهما.

وما إن عاد إلى الجزائر في الربيع عام 1332 هـ الموافق 1914م حتى استأنف التدريس بعزيمة أقوى يحفزه أمران: أولهما ما ينتظره عند الله تعالى من الأجر والثواب،وثانيهما رغبته في إنهاض هذه الأمة،وإعدادها خير إعداد لحياة تليق بدينها وتاريخها وكرامتها،فكان يلقي الدروس العامة بالجامع الأخضر،والدروس للطلبة بسيدي قموش.ورغم تكاثف هذه الأعمال التعليمية فإنها لم تصرفه عن أعمال أخرى كان يضطلع بها كرئاسة جمعية العلماء بعد تأسيسها،وإلقاء محاضرات،والكتابة في الصحف،وحضور اللقاءات التي يفرضها عمله الفكري والإصلاحي والاجتماع.وأنشأ المدارس للناشئة تتلقى فيها دروس الدين،والأخلاق،وقواعد اللغة العربية،والتاريخ الوطني،والنوادي للشباب يجتمع فيها شتاتهم،وتلتقي فيها مشاعرهم،وتتجه رغباتهم وطموحاتهم نحو ما ينفع وطنهم وأمتهم،والمساجد لجمهور المصلين المتعطشين إلى ما يهذب نفوسهم وينير عقولهم،ويصحح عقائدهم ويقوم سلوكهم.

وقد كان هذا الثالوث بمثابة الدعائم الأساسية التي بنى عليها الإمام جهاده الإصلاحي الذي تواصل إلى وفاته يوم 16 -04-1940م.

 

آخر التغريدات: