جديدنـا:

الخطاب التربوي الباديسي قراءة في المجهود والمردود

الخطاب التربوي الباديسي قراءة في المجهود والمردود

إن جودة الأداء البشري من الوظائف الأساسية الهامة للتربية، لذلك تعاظم اهتمام الأمم والمنظمات والجمعيات بقضايا الإصلاح بعامة، والإصلاح التربوي بوجه خاص. والإمام الرئيس عبد الحميد بن باديس مفكر واع، ومصلح خبير ومربّ حكيم أدرك بنفاذ بصيرته منذ بداية نشاطه الإصلاحي أن لا حياة للأمة الجزائرية إلا بإعادة بناء منظومتها الفكرية والتربوية وفق المنهج الذي ارتضاه لها مستوحى من ثوابتها الثلاثة: الإسلام والعروبة والأمازيعية وهو تمثل لواقع وتحد لمستقبل.

 وقد كانت رؤيته لمفهوم الإصلاح شاملة تنطلق من إيمانه بأنه بوابة التنمية البشرية ومن خلالها التنمية الشاملة.

هذه معالم ثابتة في البناء الإصلاحي الباديسي تحاول هذه المداخلة أن تقف عندها وصفاً وتحليلاً وتثميناً لجهد أثمر وحان قطافه يوم أن ثار الشعب الجزائري عن بكرة أبيه ليلة أول نوفمبر منهياً بذلك الليل الاستعماري الطويل ولسانه حاله يقول للإمام الرئيس :

لا تخش ضيعة ما تركت لنا سدى                 فالوارثون لما تركت كثير.

مقدمة :

تعد التربية بداية التنمية البشرية، وميداناً فعالاً وحيوياً في بناء الإنسان وإعداده في أي مجتمع، ذلك أن الاستثمار في الموارد البشرية يعمل على تأهيل الأجيال لمواجهة التغيرات والتكيف مع متطلبات العصر.

فالتربية من هذا المنظار تسهم إسهاماً حقيقياً في تكوين المجتمع وفق المبادئ التي يؤمن بها المربون والقيم التي يدعون إليها. لذلك كله احتلت التربية موقعاً استراتيجياً حساساً في الحركات الإصلاحية على تعدد أهدافها وخططها وتوجهاتها.

والإمام الرئيس عبد الحميد بن باديس مفكر بصير ومصلح خبير ومرب حكيم أدرك بنفاذ بصيرته منذ بداية نشاطه الإصلاحي أن لا حياة للأمة الجزائرية إلا بإعادة بناء منظومتها الفكرية والتربوية وفق المنهج الذي ارتضاه لها مستوحى من ثوابتها الثلاثة: الإسلام والعروبة والوطن وهو تمثل واع لواقع الجزائر أثبتت، عقود من الزمن صدقه وصمته، حتى غدا مكرساً في دستور الجزائر.

كما كانت رؤيته لمفهوم الإصلاح شاملة تنطلق من إيمانه بأنه الأداة الفاعلة في التغيير الاجتماعي.

هذه معالم ثابتة في البناء الإصلاحي الباديسي تحاول هذه المداخلة أن تقف عندها وصفاً وتحليلاً وتثميناً لجهد رجل قال ذات مرة “أعيش للإسلام والجزائر”.

1 ـ فلسفة ابن باديس التربوية في ا لعمل الإصلاحي :

إن فلسفة التربية في منظور الإمام ابن باديس ـ رحمه الله ـ تنطلق من الميدان التعليمي لذلك باشر هذه المهمة منذ عهد مبكر يعود إلى سنة 1913م ([2]) بمدينة قسنطينة.

لقد أدرك الرجل أن التعليم النافع هو الذي يوظف في العلم فيما ينفع الفرد والمجتمع وهو الذي يسهم بإيجابية وفاعلية في رقي المجتمع، ولم تكن رؤيته للتعليم قاصره وترى فيه ظاهرة إنسانية تقف عند مرحلة معينة أو تنتهي عند سن معينة أو مستوى معين، بل غير ذلك تماماً فالتعليم في منظوره يشمل الصغار والكبار المرأة والرجل ليتمكن الجميع من التكيف مع التجديدات المعرفية داخل المجتمع ومن ثم مواجهة التغييرات الثقافية والاجتماعية وقد كان ممن تخرج على يديه من أوائل تلاميذه في هذا العهد مبارك الميلي، والسعيد الزاهري([3]) رحمهما الله وقد كان هذان وغيرهما كثير من طلبة ابن باديس أعضاء في جمعية العلماء وحملوا لواء الفكر الإصلاحي والتربوي في الجزائر. هذه الفلسفة التربوية الباديسية اتسمت ببعد النظر إذ تعاملت مع الفرد رجلاً كان أو امرأة والمجتمع على أنهما كيانان متغيران ناميان يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به، وينعكس ذلك على طبيعة الحياة فقام بما تهيأ له من معارف عصره بتحليل الواقع الاجتماعي الجزائري يومها، وكذا طبيعة التغيرات التي طرأت عليه منتهياً إلى حصر المشكلات الآتية والمتوقعة فجعلها ضمن مشروعه التربوي حتى يكون لتعليمه معنى ودلالة في صيانة المجتمع والمحافظة على تماسكه وإنماء كيانه. وقد أفضى به تحليله للواقع الاجتماعي الجزائري إلى أن الجهد الفردي مهما تكن قوته وفعاليته فإنه يبقى محدوداً لذلك (فكر رحمه الله في توحيد جهوده مع جهود إخوانه، وقد قال يوماً لصفوة من أنصاره: “إني عقدت العزم على توجيه دعوة إلى أبناء الجزائر المتخرجين من جامع الزيتونة، وكذلك العائدين من المشرق العربي لكي ندرس جميعاً الحالة الراهنة ونتعاون على وضع خطة العمل لإنقاذ هذا الشعب العربي المسلم بالجزائر قبل فوات الأوان([4]) وكان هذا إرهاصاً للعمل الإصلاحي التربوي المؤسسي المنظم، ففي سنة 1928 وجه دعوته إلى الطلاب العائدين من جامع الزيتونة والمشرق العربي الذين رأى فيهم الكفاءة والنزاهة والالتزام والاستعداد للعمل التربوي والإصلاحي فلبى دعوته كل من: الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ العربي التبسي، والشيخ الطيب العقبي، والشيخ المبارك الميلي، والشيخ السعيد الزاهري والشيخ محمد خير الدين([5])، وتم وضع خطة عمل لتنفيذها ومما ورد فيها:

1 ـ تكوين لجنة من الحاضرين للتسيير والتنفيذ.

2 ـ الشروع فوراً في إنجاز المدارس الحرة لتعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية.

3 ـ الالتزام بإلقاء دروس الوعظ لعامة المسلمين في المساجد الحرة والجولان في أنحاء الوطن لتبليغ الدعوة الإصلاحية لجميع الناس.

4 ـ الكتابة في الصحف والمجالات لتوعية طبقات الشعب.

5 ـ إنشاء النوادي العربية للاجتماعات وإلقاء الخطب والمحاضرات.

6 ـ إنشاء فرق الكشافة الإسلامية للشباب في كافة أنحاء البلاد.

7 ـ العمل على إذكاء روح النضال في أوساط الشعب لتحرير البلاد من العبودية والحكم الأجنبي.

والمتأمل في هذه البنود السبعة يقف منها على مدى ما أولاه الشيخ عبد الحميد بن باديس ـ ومن خلاله رفاقه في لجنة التسيير والتنفيذ ـ من عناية بالغة بالإصلاح التربوي والتعليمي([6]) على اعتبار أنه حجر الزاوية في كل بناء اجتماعي محكم.

فالبند الثاني الذي ينص حرفياً على (الشروع فوراً في إنشاء المدارس الحرة لتعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية) كان يهدف إلى إعادة الاعتبار إلى اللغة العربية بين أبناء الجزائر فتعلّم على أنها لغة التواصل اليومي ولغة الصحافة والثقافة لا على أنها شيئ من التراث الماضي فتعلّم لأجل ألا تتعرض للزوال والاندثار، لذلك كان البند الرابع يعكس هذا التوجه، إذ نص على (الكتابة في الصحف والمجلات لتوعية طبقات الشعب) وفي هذا التفاتة إلى أن اللغة العربية التي تبنى ابن باديس وزملاؤه في لجنة التسيير والتنفيذ تعليمها لشعب الجزائر على اختلاف طبقاته ومستوياته ليست لغة النخبة ولكنها اللغة التي يفهمها الجميع، ذلك أنه (لم يكن صاحب نظريات إنما كان رائداً لحركة إصلاحيّة جذريّة تتسم بالواقعية والفاعلية والأصالة)([7])، ولذلك لم يفكر في تعليم اللغة باعتبارها قواعد نحوية وصرفية وصوتية وبلاغية جامده جافة أو على أنها خصومات لفظية، وأحزاب قرآنية تحفظ وتتلى، لا بل كان يسعى إلى تربية تلاميذه على حب العربية وعلومها واتخاذها لغة التواصل، وتعلمها على أنها لغة حيّة حوت كتاب الله وسنة الرسول (ص). يقول عليه سحائب الرحمة: “فإننا نربي ـ والحمد لله ـ تلامذتنا على القرآن، ونوجه نفوسهم إلى القرآن من أول يوم وفي كل يوم، وغايتنا التي تستحق أن يكون القرآن منهم رجالاً كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين نعلّق آمالنا) ([8]).

لم يقتصر الإمام الرئيس في حركته الإصلاحية التربوية الشاملة على تعليم اللغة والدين لشريحة معينة من المجتمع الجزائري بل كان يستهدف ـ كما أسلفنا ـ كل الشرائح الاجتماعية وهو ما سنفصله فيما يأتي:

2 ـ المنهج الباديسي في تربية المرأة :

كثر الحديث في زمن ابن باديس عن المرأة وتعالت أصوات في المشرق العربي بتحريرها ([9]) ناهيك عن حركة تحرير المرأة التي تصاعدت في الغرب.

وكان موقف الإمام الرئيس من هذه الدعوات هنا وهناك مستوحىً من روح الدين الإسلامي، وهو موقف الرجل المصلح الذي اتخذ التربية وسيلة للإصلاح الثقافي والاجتماعي، وحيث إن التربية قوامها العلم الصحيح النافع فقد عمل الإمام الرئيس كل ما وسعه لتعليم المرأة والخروج بها من ظلمات الجهل الثقافي والاجتماعي، فسعى إلى تعليمها دينها ولغتها وقد لاقى في ذلك ما لاقى من إعراض أولياء أمور المرأة عن تعليم بناتهم، يقول أحد معاصريه وهو الأستاذ علي مغربي: (وبنادي الترقي، كنا نتحدث عن تعليم البنت دينها ولغتها وما يلاقي تعليم البنت من إعراض في وسط الأمة، وعن الأسباب التي يتذرع بها الآباء المسلمون والممسكون لبناتهم عن الالتحاق بالمدرسة العربية الحرة، وكان الأستاذ ابن باديس يرشد إلى الطرق التي تصل إلى الهدف، فقدم أحد الجماعة تعلاّت الآباء وهي أنهم لا يثقون فيمن يعلّم بناتهم، وكيف يعلّم الرجل المرأة؟ وهنا انتفض الأستاذ انتفاضة كبرى وقال بصوت عال: إذا لم تكن الثقة فينا نحن العلماء ففيمن تكون؟ قالها وكررها) ([10]).

وكان رحمه الله يدرك مقاصد دعاة تحرير المرأة، وأنها كانت دعوات ظاهرها فيه الرحمة والعطف على المرأة وباطنها يراد الكيد لها لذلك انبرى يرد عليهم بالحجة الساطعة مفسداً عليهم دعاواهم يقول (إذا أردتم إصلاح المرأة الحقيقي فارفعوا حجاب الجهل عن عقلها قبل أن ترفعوا حجاب الستر عن وجهها، فإن حجاب الجهل هو الذي أخرها وأما حجاب الستر فإنه ما ضرها في تقدمها، فقد بلغت بنات بغداد، وبنات قرطبة، وبنات بجاية مكاناً في العلم وهن متحجبات، فليت شعري ما الذي يدعوكم اليوم إلى الكلام عن كشف الوجوه قبل كل شيء). لقد ختم هذه المقولة الشهيرة بهذا السؤال المربك وهو يعلم أن خصوم المرأة الحقيقيين إن هم إلا هؤلاء الذين يحاولون أن يغمضوا عقل المرأة ويفتح عينها في المقابل.

كما أنه بهذه الكلمات الموجزة يكون قد وضع يده على موطن الداء وشخصه ألا وهو الجهل باعتباره العدو التقليدي للإنسان، ونقول الجهل المركب لأنه في واقع الحال جهل بالدين، وجهل باللغة، وبالمعرفة، وجهل بالحقوق والواجبات ما كان لها أن تتخلص منه إلا بتربيتها وتعليمها لتدرك مهمتها في المجتمع باعتبارها:

أ. شقيقة الرجل وشريكته وفي هذا يقول الإمام الرئيس (إن العناية بالرجل تستلزم العناية بالمرأة بوصفها شقيقته في الخلقة والتكليف، وشريكته في البيت والحياة، فهما زوجان متكاملان متلازمان لا تكمل الوحدة البشرية إلا بكمالهما مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾([11]).

ب ـ مسلمة مكلفة عليها من الالتزامات مثل ما لها من حقوق مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهم بالمعروف﴾ ([12])، ويستلهم ابن باديس منهجه الداعي إلى إنصاف المرأة من سيرة النساء الصحابيات ويضرب بهن أمثلة رائعة مثل أم حرام بنت ملحان بخروجها لغزو جزيرة قبرص ([13]) وهند بنت عتبة ([14])، والخنساء بنت عمرو السلمية ([15]) وغيرهن كثيرات، فقد ضربن أروع الأمثلة في رجاحة العقل والإيمان والصبر (ومما يؤكد حرص ابن باديس وتحمسه إلى تربية المرأة الجزائرية وتعليمها أنه عندما أنشأت جمعية التربية والتعليم الإسلامية مدرسة لتعليم الأطفال والبنات نص صراحة أثناء الإعلان عن هذه المدرسة على أن التعليم فيها مجاني بالنسبة للبنات سواء كن قادرات على دفع المصاريف أم عاجزات عن دفعها، وقد ضمت هذه المدرسة بعد شهور من إنشائها ثمانين فتاة جزائرية ([16]) ويعرض الشيخ محمد خير الدين في مذكراته قوائم بأسماء الناجحات والناجحين في امتحان شهادة الدراسة الابتدائية العربية بمدارس جمعية العلماء ([17]).

إذن فقد حاول الشيخ ابن باديس مع إخوانه في جمعية العلماء أن يعالج التخلف والجهل الذي تعانيه المرأة انطلاقاَ من أن فساد العقول وانحطاط الأخلاق كانا شاملين للأمة؛ ذكورها وإناثها، وأن المرأة مدرسة إذا أعددتها الإعداد الحسن كان نتاجها شعباً طيب الأعراق ـ على حد تعبير الشاعر حافظ إبراهيم، كما أنه كان يعي أن تعليم الفتاة الجزائرية يومها كان يقيها من اتباع (التقاليد الأجنبية التي غزت الجزائر لمسخ شخصيتها لا سيما أن الفرنسيين أخذوا يصدرون باسم المرأة الجزائرية المجلات والجرائد ويخصصون لها برامج للإذاعة ومختلف وسائل الإعلام، ويحثون الرجال على دعوة النساء إلى الأخذ بأسباب التقاليد الفرنسية.. حتى يسهل عليهم دمج الجزائر في المجتمع الفرنسي ([18]).

ولعله من المفيد هنا أن نختم الحديث عن تربية المرأة وتعليمها بما كتبته واحدة من البنات الجزائريات اللاتي تربين وتعلمن في مدارس جمعية العلماء وهي الأستاذة الفاضلة والأديبة والوزيرة والمجاهدة زهور ونيسي التي نجحت في امتحان شهادة الدراسة الابتدائية محتلة الرتبة الأولى وبتقدير حسن ([19])، تقول الأستاذة ونيسي: (.. إنه ليس أجدى اليوم للعرب وهم يحاولون اللحاق بالركب الحضاري أن نذكرهم بأن ذلك الركب لم يصل إلى حيث وصل إلا من بعد أن تخلى بالتدريج عن فكرة تفوق الرجل وحقه في السلطان المطلق على المرأة..) ([20]) وتقول: (…. فعلى الأقل من أجل عدم التردد في مصير الإناث من الجيل الصاعد وتمكينه من الثقافة والعلم ليحتل مكانه في ميدان العمل والإنتاج والمساهمة في البناء الوطني، ولا يبقى مشلولاً سلبياً يشكل أحد أهم أسباب التخلف للمجتمع) ([21]).

3 ـ المنهج الباديسي في تربية الشباب وتعليمه :

لا يخفى على كل ذي لب ما للشباب من أهمية في بناء المجتمعات فليس من الغريب أن تتوجه جهود ابن باديس إلى هذه الفئة الحيوية الفاعلة من المجتمع بالتربية والتهذيب والتعليم ومعه إخوانه في جمعية العلماء كذلك يقاسمونه الجهد فقد أحاطه بالعناية والرعاية التربوية الرشيدة في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب معتبراً الشباب ذخر الجزائر تعده لليالي الحالكات وهو الذي يقول فيه:

يا نشء أنت رجاؤنا                        وبك الصباح قد اقترب

ثم يدعو هذا الشباب إلى الأخذ بأسباب الحياة والرزق من تحصيل العلم النافع وبناء مجد الأمة الجزائرية فيقول:

خذ للحياة سلاحها                       وخض الخطوب ولا تهب

لقد كان الشيخ ابن باديس يرى في الشباب الجزائري الطاقة المعطلة بحكم تعرضه لظروف قاسية وأن ما تحتاج إليه هذه الطاقة هو التربية وحسن القيادة والتوجيه، لذلك وجه الإمام ابن باديس جزءاً كبيراً من عنايته للشباب، وقد تجلى ذلك في تخصيصه دروساً يومي السبت والأحد له وتنظيمه ضمن هياكل شبابية كالجمعيات الرياضية، والموسيقية والكشفية ([22]).

لقد جند الإمام الرئيس كل طاقته لتنظيم الشباب الجزائري وتربيته وتعليمه وتتجلى خطته فيما يأتي:

1 ـ تكوين جمعيات للشباب في قسنطينة باعتبارها إحدى العمالات الثلاث في الجزائر وغيرها مثل جمعية الشباب الفني للموسيقى العربية التي كان رئيسها الشرفي.

2 ـ تكوين أفواج الكشافة الإسلامية التي أسسها هو وتلاميذه ومساعدوه ومنها فوجا (الرجاء)، و(الصباح) اللذان عناهما بقوله:

يا نشء أنت “رجاؤنا”                      وبك “الصباح” قد اقترب.

3. تكوين جمعية إصلاحية مهمتها رعاية الطلبة الوافدين إلى قسنطينة، حيث كان يحصل كل طالب منهم على كفايته من الطعام والمأوى.

لقد كان رحمه الله شديد الحرص على العناية بالشباب، وكثيراً ما كان يعلّق عليه الآمال الكبيرة في تحرير البلاد من كل القيود الاستعمارية (ولعل من أبرز هذه الآمال أنه كان يربط دائماً بين الشباب والأرض في عملية صنع الثورة) ([23])، فقد ذكر (أنه كان حين يستقبل الوافدين من طلابه الشباب يوجه إليهم من بين ما يوجه من الأسئلة: هل أديتم الخدمة العسكرية عند فرنسا؟ فإذا أجابوه بنعم يقول لهم: هل تعلّمتم استخدام الأسلحة؟ فإذا كان الجواب إيجاباً، يؤكد عليهم: إياكم أن تنسوا هذه الخبرة، فسيأتي يوم نكون فيه في أشد الحاجة إلى هذه الخبرة ([24])، وقد خاطب الشعب الجزائري يوماً فقال: (أيها الشعب الجزائري الكريم: أما أبناؤك الشبان حملة القرآن فقد هبوا هبة رجل واحد لطلب العلم، والتفقه في الدين، يحملون الإيمان في قلوبهم، والقرآن العظيم في صدورهم، والروح الجزائرية المسلمة في لحومهم ودمائهم، لا يقصدون إلاّ أن يتعلّموا فيعلموا، ويتفقهوا فيفقهوا، لا يرجون من ذلك إلا رضا الله ونفع العباد) ([25]).

هذه هي العلاقة الحميمية التي كانت قائمة بين الشيخ: ابن باديس والشباب بجميع مستوياته وهي علاقة لم تترك من جوانب شخصية الشباب إلا أحاطتها بالتربية والتوجيه غايتها أن يستقيم الشباب الجزائري في وطنيته، وقوميته، وعقله، وتوجهاته الفكرية. وما نأمله أن يسترشد الشباب اليوم بسيرة هذا المربي الفاضل والمصلح الحكيم فقد كان لنا فيها أبلغ العبر وطيب الأثر.

 

ثبت المصادر والمراجع:

(1)  آثار الشيخ عبد الحميد بن باديس، عبد الحميد بن باديس، وزارة الشؤون الدينية الجزائر، ج3 ط1، 1984م.

(2) ابن باديس، حياته وآثاره، عمار طالبي، وزارة الشؤون الدينية الجزائر، ج2 ط1، 1984.

(3) مذكرات، محمد خير الدين، ج1، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، دون تاريخ.

الدوريات:

(1) مجلة الثقافة، وزارة الإعلام والثقافة الجزائرية، عدد 26، ماي 1975.

(2) مجلة الرسالة، وزارة الشؤون الدينية الجزائر، عدد 1 ـ 2 سنة 1980.

الهوامش :

([1])  أستاذ جامعي ـ الجزائر.

([2])  مذكرات: محمد خير الدين، ج1، ص 82.

([3])  المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

([4])  م، ن، ص 83.

([5])  المرجع نفسه الصفحة نفسها.

([6])  اختلط الأمر على الكثيرين في محاولة تعريف التربية والتعليم، فحاولوا وضع حدود فاصلة بين العمليتين ويرجع ذلك إلى الغموض الحاصل في العملية التربوية فمنهم من يرى أن التربية هي عملية عامة والتعليم عملية أضيق تقع داخل عملية التربية. الحقيقة أن التربية عملية عامة وشاملة في واقعها وأهدافها، أن التعليم له أهداف وشروط خاصة ولكن من الأهمية بمكان أن نؤكد على ضرورة أسبقية التربية على التعليم.

([7])  تصور ابن باديس للمجتمع الإسلامي، الطيب برغوث، مجلة الرسالة، عدد 1 ـ 2، ص 20.

([8])  ابن باديس حياته وآثاره، عمار طالبي، ج2، ص 142.

([9])  لمزيد من الإطلاع انظر كتابي قاسم أمين: “تحرير المرأة”، المرأة الجديدة”.

([10])  سر عظمة ابن باديس، علي مغربي، مجلة الرسالة مرجع سابق ص 38.

([11])  سورة الروم، آية 21.

([12])  سورة البقرة، آية 228.

([13])  آثار ابن باديس، ابن باديس، ص 23 وما بعدها.

([14])  المرجع نفسه ص 56.

([15])  م. ن، ص 139.

([16])  المرأة وحالتها وواجباتها وحقوقها، آمنة تشيكو، مجلة الرسالة ص 41.

([17])  مذكرات، محمد خير الدين، ص 168.

([18])  المرجع السابق نفسه ص 41.

([19])  م.ن، ص 168.

([20])  قضية المرأة والتحرر والثورة الاجتماعية، زهور ونيسي، مجلة الثقافة، عدد 26 ماي 1975، ص 80.

([21])  المرجع السابق نفسه، ص 77.

([22])  ابن باديس والشباب، عبد الرزاق قسوم، مجلة الرسالة ص 44.

([23])  المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها.

([24])  ابن باديس والشباب، عبد الرزاق قسوم، مجلة الرسالة ص 43.

([25])  المرجع السابق نفسه، ص 19.


آخر التغريدات: