التراث العلمي للإمام عبد الحميد ابن باديس (2) عملية نشر تراث الإمام من مبادرات الأفراد إلى عناية الهيئات

بقلم: أ.د. محمد بن سمينة-

لقد عرفت عملية نشر تراث الإمام في الفترة ما بعد الاستقلال تطورا ملحوظا، فظهرت في هذا الحقل محاولتان كانتا أكثر إحاطة وأكثر شمولية مما سبق، وقد تجلى ذلك في قدرة هاتين المحاولتين على نشر معظم تراث الإمام بتأثير ما كان من ورائهما من جهود جماعية (مؤسسات نشر وهيئات وصية)، وقد تمت هاتان العمليتان على مرحلتين :

1- ظهرت المبادرة الأولى سنة 1968. وقد قام بها الدكتور عمار طالبي بالتعاون مع (دار ومكتبة الشركة الجزائرية). وتشتمل نسخة هذه المبادرة على أربعة أجزاء (طبع دار اليقظة العربية دمشق سوريا 1388/ 1968) .

2- أما العملية الثانية فقد قامت بها (وزارة الشؤون الدينية والأوقاف) بالجزائر ، واشتملت هذه النسخة على ستة أجزاء من تراث الإمام ،(طبع دار البعث قسنطينة  الجزائر)، وظهرت الأجزاء الأولى منها( 1982) ، وتتابع ظهور الأجزاء المتبقية إلى (1996) .

ونأتي إلى شيء من تفصيل الكلام عن هاتين النسختين: محتوى وخطة ومنهجا، فماذا عن ذلك ؟

 

1- النسخة الأولى من تراث ابن باديس

تشتمل هذه النسخة التي أعدها الدكتور عمار طالبي على أربعة أجزاء ، نهض الجزء الأول منها ببعض تفسير الإمام، واشتمل الثاني على بقية هذا التفسير وشرح الأحاديث النبوية الشريفة .

وتضمن الجزء الثالث جملة من الأشكال النثرية : المقالات ، الخطب ، الرسائل .

و إذا كان الجزءان : الأول والثاني قد اقتصر محتواهما على مادة التفسير والحديث، فإن الجزء الثالث قد تنوعت مادته : مضامين و أشكالا.

وجاء الجزء الرابع والأخير على هذه الصورة السابقة  نفسها ، جامعا ما بين جملة من الفنون النثرية : المحاضرة والمقالة . وكان المنهج العلمي يقتضي أن يكون مكان هذين الفنين في غير هذا الجزء، ومن ذلك :

محاضرة الشيخ (تبليغ الرسالة - الجزء 4 ص 11) . و مقاله (محمد صلى الله عليه و آله و سلم رجل القومية العربية- الجزء نفسه ص17) . ومجموعة من المقالات بلغت سبع حلقات تحت عنوان (الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم- الجزء نفسه – من: ص 375 إلى : ص 707) .

إن المتأمل في هذه الموضوعات، وهي جميعها ذات موضوع واحد متصل بالسنة النبوية الشريفة، يدرك أن المنهج العلمي يقتضي أن يكون مكانها في الجزء الثاني الذي سبق أن رأينا أنه نهض بمثل هذا الموضوع، ولا تكون في هذا الجزء الرابع الخاص بموضوعات أخرى

وإن الناظر في محتوى هذه النسخة في ضوء هذه الصورة المتقدمة ، يلحظ أنها لم تلتزم في تقديم مادة تراث الشيخ خطة معينة ، فلا هي أولا- أخذت بالمنهج الموضوعي، فعرضت ذلك التراث في محاور فكرية ، ولا هي ثانيا- التزمت بالمنهج الفني، فأخرجت مادة هذا التراث حسب أشكاله الفنية ، ولا هي ثالثا - رتبت وحدات هذا التراث في ضوء المنهج التاريخي ترتيبا زمنيا .

فجاءت لذلك خطة هذه النسخة بأجزائها الأربعة قلقة مضطربة، تأخذ في جزء بما لا تأخذ به في غيره من الأجزاء الأخرى . ويمكن في ضوء ذلك تسجيل هذه الملاحظ :

1ـ إن هذه النسخة لم تشتمل على جميع ما ترك الإمام من آثار علمية، و قد فاتها من ذلك قدر ليس بالقليل. وقد قام صاحبها بما يقوم عليه المنهج العلمي ويوصي به  في مثل  هذه الحال من أمانة ودقة، بقيامه بالإقرار بأنه لم يرجع في جمع مادة نسخته  إلى بعض الصحف التي كان ينشر فيها الإمام نتاجه، وهي المصدر الأساسي الأول الذي كانت أعمال الإمام وأعمال غيره من الجزائريين ترى النور على طريقه : « لا أزعم أنه قد أتيح لي أن أعثر على جميع آثار ابن باديس، لأنه قد أملى إملاءات كثيرة على طلابه، وما تزال مخطوطة أو مبعثرة أو مفقودة ، وحتى المطبوع من آثاره لم أجمعه كله . » (1)

2ـ تميزت هذه  النسخة بالتقديم الذي خصها به المفكر الجزائري الأستاذ مالك بن نبي ، فألقى فيه بعض الأضواء على منهج  الإمام ، وإسهاماته الرائدة ، وجهوده المحمودة ، في الحركة الإصلاحية (الحركة الوطنية الحضارية) ، كما تميزت هذه النسخة أيضا بالمدخل الذي حاول معدها الدكتور عمار طالبي أن يرسم فيه صورة معبرة عن الحياة الفكرية و الاجتماعية والسياسية في الجزائر ، وهي تخطو خطواتها الأولى على طريق  النهضة الوطنية الحديثة .

3ـ اشتملت هذه النسخة على جملة من الفهارس العامة الخاصة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والأشعار والأعلام والأماكن والبلدان، والمصادر والمراجع، والموضوعات .

وإن هذه الفهارس من شأنها أن تساعد - ولاشك - القارئ في عملية الوقوف على  الملابسات المختلفة المتصلة بتراث الإمام واستيعاب موضوعاته وحقائقه.

4ـ حاولت هذه النسخة أن تقدم مادة تراث الإمام على محاور موضوعية ، ولكنها لم تستطع أن تلتزم بذلك كما لم تستطع أن تأخذ بالمنهج التاريخي في عرض مادة المحور الواحد ، فجاءت المادة فيها - لذلك- متداخلة مضطربة لا يجمعها موضوع ، ولا تشملها رؤية فنية ، ولا يضبطها تاريخ ، وقد أقر الأستاذ صاحب هذه النسخة مرة أخرى ببعض ذلك ، فقال في هذا الصدد : « حاولت أن أصنف هذه الآثار إلى أقسام حسب موضوعاتها وأغراضها، وإن كان هذا التصنيف غير دقيق لتداخل الموضوعات والأغراض، ومن تم جاء تصنيفا تقريبيا .» (2)


الهوامش :

1-2- ينظر ابن باديس حياته وآثاره ج1: 96

آخر التغريدات: