التراث العلمي للإمام عبد الحميد ابن باديس(1) الإسهامات الأولى في عملية نشر تراث الإمام ابن باديس

بقلم: أ.د. محمد بن سمينة-

إن عملية جمع تراث الأمة والقيام بتحقيقه ونشره قد أخذت من الدارسين والمحققين القدماء والمحدثين عناية بالغة وحظوة كبيرة، وقد حاول بعض المعاصرين أن يسير على خطى هؤلاء وينهض بهذه المهمة مع تباين الظروف واختلاف الإمكانات.

وكان الدافع الذي دفع هؤلاء وأولئك إلى النهوض بهذه المهمة يكمن في الرغبة في إحياء تراث الأمة ونشره، خدمة للعلم والمعرفة ، وإسهاما في إثراء مسيرة الحضارة الإنسانية .

ويدخل في هذا الإطار ما قام به بعض الدارسين في هذا العصر بجمع آثار بعض أعلام  الجزائر في القديم وفي الحديث.

ويأتي في مقدمة من تركزت عناية الباحثين بجمع تراثه ونشره من الأعلام الجزائريين المعاصرين الإمام عبد الحميد ابن باديس ، وذلك للأهمية العلمية والتاريخية التي يتميز بها هذا التراث من نحو ، ولما يؤرخ له هذا التراث من نحو ثان، من جهاد الإمام وتضحياته من أجل وطنه وأمته والإنسانية .

ويحاول هذا البحث أن يقترب من معالجة هذا الموضوع : استقراء واستقصاء ، تحقيقا وتوثيقا.

 

ونبادر بالقول في هذا المضمار إ ن الإسهامات الأولى للإمام عبد الحميد ابن باديس في ميدان الكتابة يمكن أن يؤرخ لها بأواخر العقد الثاني من القرن العشرين ، وذلك على صفحات أولى الجرائد الوطنية التي صدرت في هذه الفترة (مطلع العشرينات ) من القرن الماضي ، مع بزوغ فجر النهضة الوطنية ، ومن أهمها : (النجاح  1919 )، (الإقدام1920)، (صدى الصحراء 1924) ، (المنتقد 1925)،( الشهاب 1925)، (السنة، الصراط، الشريعة:1933)، البصائر 1935) ، وغيرها .

وقد كانت هذه الصحف السجل الأمين لما عرفته بدايات النهضة الوطنية من نتاج أدبي وفكري وسياسي، وغير ذلك من ألوان الكتابة لمعظم المصلحين والمفكرين والأدباء الجزائريين في العصر الحديث. وقد ظل أغلب ما نشر يومئذ لهؤلاء من أعمال  مقصورا على صفحات هذه الدوريات ، ولم ينشر من ذلك في مرحلة ما قبل النهضة أو أثناءها  في شكل كتب داخل الجزائر أو خارجها إلا القليل من المصنفات، ولم تعرف حركة التأليف شيئا من عافيتها في الجزائر إلا بعد أن أشرقت شمس الحرية على ربوعها، وتحرر الشعب الجزائري من أسره واستعاد سيادته على مجريات حياته فجر اليوم الخامس من جوليت 1962.

وقد عرفت حينئذ عملية نشر شيء من تراث أعلام الجزائر شيئا من الحركة ، وكان في طليعة ما جمع ونشر من ذلك أعمال أعلام النهضة ، وتأتي آثار الإمام عبد الحميد ابن باديس في مقدمة ذلك .

تحسن الإشارة إلى أن الإمام ابن باديس لم يقم في حياته بنشر  نتاجه  بين دفتي كتاب، ماعدا رسالة صغيرة سماها (رسالة جواب عن سؤال )كتبها إجابة عن بعض الأسئلة التي وجهت إليه في بعض القضايا المختلفة، وقد نشرتها المطبعة الإسلامية الجزائرية - قسنطينة – 1938 .

وقد كان الإمام زاهدا في نشر أعماله ، مشتغلا عنها بمختلف ما كان يضطلع  به من مهام  وأعمال، ومسؤوليات ..ويروى بعض المعاصرين أنه سئل عن ذلك ، فأجاب بما معناه « شغلني تأليف الرجال عن تأليف الكتب »(1)

وكانت فكرة نشر آثاره قد راجت بين تلامذته بعد وفاته- رحمه الله – في 16 من  أفريل 1940) .
و لكن الظروف العسيرة التي كانت تعيشها الجزائر يومئذ تحت نير سلطة المحتلين الفرنسيين، لم تكن لتسمح بأكثر مما قام به تلميذه أحد شهداء الكلمة المجاهدة في الجزائر، الشهيد (أحمد بوشمال ) بنشره بعض المقالات من تفسير أستاذه الإمام (المطبعة الجزائرية الإسلامية) قسنطينة 1367 / 1948 .

وتحسن الإشارة إلى أن هذه المحاولة لم تكد تتجاوز نشر بعض المقالات من تفسير ابن باديس (مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير ) .

وتأتي المبادرة الثانية على هذا الطريق بعد الاستقلال، وقد كان رائدها أحد تلامذة الإمام أيضا ، و هو الشيخ محمد الصالح رمضان – رحمه الله - الذي بادر بنشر جملة من آثار الإمام وهي :

1- العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ( الجزائر1963)

2- تفسير القرآن الكريم ( الجزائر 1964 )

3- من هدي النبوة ( الجزائر 1964 )

4- رجال السلف و نساؤه  (الجزائر 1964 )

وتتميز هذه المحاولة بذهابها إلى أبعد من سابقتها، باشتمالها على نشر مجموعة من أعمال  الإمام ، وقد وقف صاحبها فيما جمعه فيها من تراث الإمام موقف العالم المحقق الأمين .

وتتوالى حلقات سلسلة الوفاء للأستاذ الإمام ولتراثه، فيدخل الميدان تلميذ ثالث ، وهو الأستاذ محمد الطاهر فضلاء - رحمه الله - فيقوم بنشر بعض آثار الشيخ في كتابه (قال الشيخ الرئيس) (الجزائر  1968). ويقف فضلاء في عمله هذا دون موقف سابقه الشيخ محمد الصالح رمضان باقتصاره فيه على جمع بضعة نصوص متفرقة من تراث الإمام .

ونخلص إلى القول- في ختام هذا الفقرة عن المحاولات الأولى في حقل جمع تراث ابن باديس - إن القائمين بها حسبهم أنهم كانوا فيما نهضوا به خلالها، بما جمعوا من تراث الإمام ، جادين مخلصين ، ولجهود الإمام مكبرين مقدرين ، وبأعماله معتزين فخورين ..


الهوامش:

1.ينظر (آثار الإمام 6 : 376) .

آخر التغريدات: