في ذكرى استشهاد الشيخ العربي التبسي: وثيقة تُنشر لأول مرّة

بقلم: نوار جدواني-

مدخل لابدّ منه :في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر جانفي عام 1952م. أقامت الشعبة المركزية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي يرأسها الشيخ عبد الرحمن اليعلاوي –رحمه الله– مأدبة عشاء بفندق العالَمين (deux mondes) في شارع الأوبرا، دعت إليها وُفود الدول العربية والإسلامية، ووفود الشمال الإفريقي المتابعةِ لقضايا أوطانها بباريس، بمناسبة انعقاد دورة منظمة الأمم المتحدة في باريس.

 وجاءت المأدبة تكريما لهذه الوفود العاملة لخير العروبة والإسلام وتمكينا لروابط الأخوة الصادقة بين الشمال الإفريقي، وبين أقطار الشرقين، العربي والإسلامي، وأيضا بمناسبة وُجود وفد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برئاسة الإمام محمد البشير الإبراهيمي رئيس الجمعية.

وقد حضر هذه المأدبة صاحب المعالي عبد الرحمن عزّام أمين سرّ الجامعة العربية، ومندوبون عن وُفود تونس، وليبيا، وممثلين عن حزب البيان الجزائري، وحزب الانتصار للحريات الديمقراطية، وزعيم حزب الوحدة المغربية الشيخ المكي الناصري، مع شباب من حزب الاستقلال المغربي... إلى جانب وفد الهند وإندونيسيا، ووفد سوريا بقيادة فارس الخوري، ووفد العراق برئاسة الدكتور فاضل الجمّالي.
وفي هذه المأدبة خَطَب معالي عبد الرحمن عزّام أمين سر الجامعة العربية ثم تلاه إمام الزمان، المصلح، المجدد، مفخرة علماء الإسلام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ثم الشيخ فارس الخوري رئيس الوفد السوري وقد أبدع الإمام الإبراهيمي في خطبته المرتجلة الطويلة، ومن بين ما جاء فيها :

أيها الإخوان!

أحيّيكم باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأحييكم باسم الجزائر العربية المسلمة، المجاهدة الصابرة، التي هي غُصنٌ فَينانٌ من دَوحة الإسلام، وفَرعٌ ريان من شجرة العروبة، وزَهرة فوّاحة من رياض الشرق...إلى أن يقول: أيها الإخوان! ها هو الشرق قد رمى باريس بأفلاد كَبده، يُدافعون عن حِماه بالحق، ويُجادلون عن حقّه بالمنطق، وما منهم إلا السيف مضاء، والسّيل اندفاعًا، وإنّ وراءهم لشبابًا سينطق يوم يسكتون، وسيتكلم بما يُخرس الاستعمار ويَسوءه، وإن بعد اللسان لخَطيبا صامتا هو السّنان، وإننا لرِجال، وإننا لأبناء رجال، وإننا لأحفاد رجال، وإن أجدادنا دوّخوا العالَم، ولكن بالعدل، وسادوه ولكن بالإحسان، وإنّ فينا لقطرات من دماء أولئك الجُدود، وإنّ فينا لبَقايا سيُجليها الله إلى حين...(البصائر: س2، ع183، 18/02/1952).

وبعد سبعة وثلاثين (37) يوما، يسافر الإمام الإبراهيمي يوم الجمعة السابع من مارس إلى باريس بالطائرة، ومنها إلى روما بالقطار، ثم إلى القاهرة التي حلّ بها يوم الثلاثاء11 مارس، فوجد في استقباله جُموعا غفيرة من أعيان مصر، والشخصيات العربية والإسلامية وهيئات الجامعة العربية، وأعلنت محطة إذاعة القاهرة نبأ وصُوله، وظل أسبوعا كاملاً يحظى بالحفاوة والتكريم اللائقين بمقامه ومقَام الجمعية.
ثم شدّ الرحال من القاهرة إلى باكستان، حيث حلّ "بكراتشي" في الواحد والعشرين (21) من مارس، ضيفا مُعززًا، مُبجلا على حكومة باكستان، وعلمائها، وجمعياتها الدينية، ورجال الحكم فيها.

وبعد تسعة وثلاثين يوما (39) من مغادرة الإمام الإبراهيمي الجزائر إلى المشرق، وتسلمِ العلامة الشيخ العربي التبسي مقاليد تسيير الجمعية، اتضّح لهُ أنها في حاجة ماسّة إلى العَون المادي لكي تواصل رسالتها الثقافية، والتعليمية، والإصلاحية، وتنهَضَ بتسيير مئات المدارس بمعلميها، وعشرات المساجد بأيمّتها، وغيرها من أنشطة الجمعية...فكانت هذه الاستغاثة الموجهة إلى بعض الشُّعب والتي كتبها بخط يده...وهي وثيقة تُنشر لأوّل مرّة، وقد سلّمها لنا حفيد رئيس شعبة "سيق" فجزاه الله كل خير، هو وجدّه الذي احتفظ بها طوال ثمانية وخمسين (58) عاما..وهذا نصّ الوثيقة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده

الجزائر في 15/04/1952م

إلى حضرة صاحب الفضيلة الأخ الكريم الشيخ عبد القادر بن زيان العضو الإداري للجمعية (وشَطَب الجملة) ورئيس شعبة سيق.

السلام عليكم ورحمه الله.وبعد: فإنّ واجبَ النصيحة لجَماعة المسلمين المتمثلة في جَمعيتنا، يُملي عليَّ أن أفضي إليكم بالحقائق والمعلومات الآتية، وبالوضعية التي تعيشُ عليها حركتنا العامة في هذه الظروف، حتى نُواجه المستقبل ونحنُ متساوون في تَلقي ما يأتي به الله مما نحبُّ إن شاء الله.

جمعيتُكم هي القُوة الأولى بهذا الوطن في هَيئاتنا الإسلامية العربية، ومَكانتُها الشريفة القوية مُعترفٌ بها داخل وطننا وخَارجه، في الأوطان الإسلامية، وهذا رئيسها في جَولته الواسِعة، تتلقاه الأمم الإسلامية أينما حلَّ، بالتكرمة والتَّجلة والتَّرحاب، تكريما لجمعيتكم، واعترافًا لها بأنها قدّمت للإسلام والعروبة ما تَستحق عليه ذلك، التكريم الذي قامت به الشُّعوب والحكومات، والهَيئات، والشخصيات.

غادر رئيس الجمعية الجزائر في وِفَادتين: أولاهما إلى باريس وثانيتهما إلى الشرق الإسلامي. وفي السَّفرتين، قدَّم كيسُ الجمعية ما بين يديه من مال، ولم يَبقَ بين أيدي الذين خَلفوه في إدارة شؤون جمعيتكم – وما أكثرها -: جريدة يجب أن تطلع عليكم في مواعيدها من غير تخلُّف، ولا خلل، إدارة منظَّمةٌ يجب أن تسير كما كانت تسير، سفرات كان يقوم بها هُو ويقوم بها غيره، يجب أن تبقى مُستمرة كما كانت، نوائب كانت تنوب الإدارة، وكانت الإدارة تقضي بها لشرائع المُروءة حُقوقا، وتَبُلُّ معها عُروق الأُخوة ببلالها، لم يبق بين يدي مَن خَلفه في الإدارة لا قليلٌ ولا كثيرٌ من المال الذي كان يُصرف في هذه الوُجوه التي بـحياتها، وبقائها، وقُوتها ووفرتها تُحافظ جَمعيتكم على وجودها وخصائصها.

ويُقال عنكم في داخل الوطن وخارجه: إنكم جمعية بأقوى معانيها، وهيئة عاملة، حيّة، حياتها ووجودها، وقُوتها في جماعتها وأفرادها مُجتمعين ونظامها لا يضرُّ وجودها من غاب ولا من عَجز، ولا من شذَّ.
مستقبلكم أقوى من ماضيكم، نتائج جهودكم في ازدياد، نظامكم المعلوم إلى كمال، أخبار جمعيتكم تُعطر الآفاق كما كانت أو أشد.

وإذا كانت غَيبة الشيخ الرئيس ظرفا لِعِظم الجُهود، وزمنا وقفت فيه الجمعية عن التوسع، مظهرا من مظاهر العجز عن بقاء ما كان، جريدة يقفُ صدورها، جولات تنقطع، اجتماعات تُفقد، نشاطٌ يغيضُ مَعينه...فماذا يقال عنّا في الداخل وفي الخارج من وليِّ حميم، أو عدوٍّ مبين؟ يُقال: الجمعية رجلٌ واحدٌ هو الإبراهيمي، غَاب هُو، فغَاب كلُّ شيء معه، غابت الجريدة، سَكنت أصوات الدعاة، خَلت المنابر ...إلخ.

أُسائِلكم بالله: أنَقوى على تَحمُّل هذه المسؤولية؟ أيَصحُّ في عَالم قِيم الرجال أن يُقال عنكم هذا الشر؟

أيُشرفنا كأسرة للجمعية أن يُحكم علينا – كأعضاء – بذلك الحُكم؟

إن من حَقّكم عليَّ أن أجلي لكم الموقف، وأن أنصّبه أمامكم وأن أُريكم الوضع الحاضر من جَميع جهاته كما هو، لئلا يقول قائلكم لو كنا نعلم، ما تعرضنا له من أخطار، وما انتهت إليه جمعيتنا في هذه الظروف من المَصائر لتقدمنا للإنقاذ، والفداءِ فُرسانًا ورُكبانًا، باذلينَ كلُّ ما يُبذل، مضحين بكل ما يُضَحي به الرجالُ إذا ابتلُوا كما ابتلينا ووقعوا فيما وقَعنا فيه اليوم.

وفي رأيي أن تدارك الموقف متيسّرٌ لنا، سَهلٌ على أمثالنا، إذا سَخت نُفوسنا بما يُطلب منها، وذلك بأن نَجود لجمعيتنا بأمرين:

1-الطّاعة بأنفسنا فيما نستطيع في العُسر واليُسر، والمَنشِط والمكره. ولا يعتذِر المعتذرُ إذا نُدب لأمرٍ، ولا يتكل مُتكل على غيره...مقدرين للأمور والظروف والعواقب قدرها. وهذه ناحية من نَواحي البذل، بذل النفس في التجارة الرابحة مع الله ودينه، والأمة الجزائرية العربية.

2- تقديم ما يطلب منكم من المال متى طُلب تقديمه، وفي الظروف التي يُطلب فيها، كي نأتي بكلّ عمل في وقته، عمل اليوم في اليوم، وعمل الليل في الليل، وعمل الأسبوع في الأسبوع، ويومئذ تستمر أعمالنا القديمة كما كانت، ويُمكن أن نُدخلَ ما نستطيع إدخاله على القديم من جديد

إذا هبَّ كلُّ واحد منا قائلا: ها أنذا، سخيةٌ نفسه ببذل ما يُطلب منهُ، نشيطا في أداء عمله، فأنا كفيلُ لإخواني بأن جمعيتكم ستبرهن من جديد على أنها أهلٌ لما وصفها الواصفون وما قال عنها القائلون المخلصون المؤمنون، وأنكم – يا حُماتها- أهلٌ لأن تعتمد عليكم أمتكم العربية في المحافظة على الإسلام والعروبة بوطنهما الجزائر، وقبل أن أقول لكم الكلمة النبوية الخالدة "ألا هل بلَّغت" أطلبُ منكم يا رجال الشُّعب، ويا مديري المدارس، أطلب من كل شُعبة من شُعبكم بالعَمالات الثلاث، كيفما كانت قوتها أن تُبادر في أسرع وقت بإرسال 8000 فرنك عن كل شعبة، إذ المقدار المتجمّع من جميع الشعب هو الذي يرفع العجز النازل بالإدارة في ظروفها هذه، ويُمكن أن تُسير به الأعمال ويُحافظ به على مؤسسات الجمعية القديمة، ويُرسل هذا المبلغ إلى مدير المكتب الدائم بمركز الجمعية بالجزائر (على طريق شيك جمعية العلماء(

يا رجال الجمعية، أينما كنتم إن تلقيتم هذا النداء بـ "سمعنا وأطعنا: فابشروا بما وعَد الله به من آمن وعمل صالحا من الفوز العاجل والسعادة المنتظرة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن المكتب الدائم: العربي بن بلقاسم التبسي (الخاتم والتوقيع الداخلي(

)انتهت الرسالة(

وبعد يا سيدي، وصاحب الفضل على مستقبل حياتي، حين أخرجتني من رعي الغنم، فطلبت من والدي عليه رحمة الله أن لا يعيدني  إلى الريف، بعد إتمام الدراسة في مدرسة تهذيب البنين والبنات بتبسة، وأن يعمل ما في وُسعه لأواصل تعليمي في معهد الإمام عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، وكنت تديره، وعمل والدي بالنصيحة التي اعتبرها أمرًا...وكان ما أردته، وحين التحقت بالمعهد كانت الدفعة الأولى من تلاميذه تغادره إلى المشرق لإتمام دراساتها العليا في جامعاته، وكان منهم الدكتور عثمان سعدي، متّعه الله بالصحة والعافية.

عرفتك في المعهد، تسكن معنا في غرفة متواضعة، دون أهلك، وتسافر إليهم في حافلة الشنتلي البيضاوي، وكُرسيك خلف السائق مباشرة...

وعرفتك تسكن معنا غرفة أكثر تواضعا، حين انتقلنا إلى بيت الطلبة في الضفة الشرقية من وادي الرمال...وكنت ترعاني في سنوات المعهد، وكذلك يفعل الشيخ الطاهر سعدي (حراث) عليه رحمة الله، وعند الله الجزاء الأوفى.

وفي العاصمة كنت تقيم في مركز الجمعية بالقصبة، قبل أن تلتحق بك الأسرة، فتسكن في مدرسة بحي "بلكور" ومنها كان اختطافك وتغييبك في يوم اتحد فيه التاريخان: الإسلامي والمسيحي...

حين زرت العاصمة لأول مرة أبحث عن عمل، أخذني أحدهم للمبيت في مركز الجمعية، وقال لي: هذه الغرفة هي التي كان ينام فيها الشيخ الشهيد – رحمة الله عليه – تنام فيها أفضل لك من الحمام...لكنني لم أنم...فقد هاجمتني الحشرات الزاحفة والطائرة، فلم يغمض لي جفن حتى الصباح...وتساءلت: كيف للشيخ أن يصبر على هذه البلايا؟ ولكنه صبر العلماء..وأصحاب الرسالات..أليسوا هم الورثة؟

سلام عليك في الملكوت الأعلى، أنت ومن معك من الشهداء في العليين، وسلام عليك في ذكرى استشهادك


آخر التغريدات: