الشيخ ابن باديس وعلاقته بالحركة الإصلاحية بوادي ميزاب

بقلم: د.محمد صالح ناصر-

يظن البعض أنَّ العلاقة بين ابن باديس والحركة الإصلاحية بوادي ميزاب إنَّما بدأت مع تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م،  والواقع أنَّ المتتبع لتاريخ الحركة الإصلاحية في الجزائر يجد  جذورها ضاربة إلى بداية العشرينيات، بعد ظهور الجمعيات الخيرية المتجهة إلى التعليم،  وإلى ظهور الصحف العربية، ولو بطريقة محتشمة؛تمثلت بصفة خاصة في جريدة «النجاح»،  وجريدة«الصديق»،  وقبلـها جريــدة «الفاروق».

لذا نستطيع القول بأنَّ الفترة(1919-1931) كانت فترة تَلَمُّس للطريق نحو هدف قومي وطني موحد،  بدأ أفكارا تدعو إلى التعليم،  وضرورة تعميمه،  واعتباره قاعدة الانطلاق نحو غد أفضل،  ثمَّ تبلور عملا رائعا محسوسا عمَّ القطر الجزائري من أقصاه إلى أقصاه،  بتفتح المدارس الحرَّة كالبراعم النضرة هنا وهناك،  ترعاها الجمعيات الخيرية بالعناية المادية والأدبية(1).

وإلى جانب هذه الحركة التعليمية بدأت الصحف العربية في الظهور،  ولاسيما مع بداية 1925م وبخاصة في شرق البلاد (بسكرة،  وقسنطينة)،  وفي العاصمة.وكان أصحاب هذه الجرائد من شرق البلاد،  وصحرائها،  ويأتي في صدارة هذه الجرائد«المنتقد»،  و«الشهاب»،  و«وادي ميزاب»،  و«صدى الصحراء»،  و«البرق»،  و«الإصلاح»،  وهي الجرائد التي كانت تجمع أقلام الشباب،  الذين عادوا من تونس بعد أن تزودوا بزاد وفير؛من العلوم وبتجارب اجتماعية وسياسية لايستهان بها.

ومن عجيب توفيق الله أن تلتقي الحركة الإصلاحية بزعامة ابن بايس بحركة الشيخ بيوض  في ميزاب في الأهداف والغايات والوسائل،  فقد سجل لنا تاريخ الحركة الإصلاحية الباديسية اجتماعا تاريخيا مهما بين القطبين العالمين باديس والإبراهيمي بمدينة سطيف سنة 1924م(2) خطَّطا فيه للحركة ووضعا الوسائل وحدَّدا الأهداف،  وكان من هذه الوسائل الاعتماد على خطتين:عاجلة بنشر الصحف العربية،  وآجلة بالتعليم العربي.

ويسجل لنا الشيخ عدون في مذكراته عند نشأة معهد الحياة سنة 1925م اجتماعا مماثلا جمع أقطاب الحركة الإصلاحية بواد ميزاب؛الشيخ بيوض،  والشيخ أبا اليقظان،  والشيخ عدُّون،  لوضع الخطط وتعيين الوسائل،  وكان الاتفاق هنا أيضا على اعتماد وسيلتين اثنتين هما التعليم العربي الإسلامي،  ونشر الصحف العربية.

وهذا ما يفسر لنا إقبال أهل وادي ميزاب على المشاركة الفعَّالة في جريدة «المنتقد» ، و«الشهاب» ، و«صـدى الصحراء» يأتي على رأسهم الشيخ أبو اليقظان، والشيخ الطرابلسي، ورمضان حمود،  والفرقد، وإبراهيم بن نوح امتياز، ومفدي زكريا وغيرهم.

وما لبثت أن ظهرت صحف أبي اليقظان في الميدان سنة(1926) بجريدته«وادي ميزاب» فسارت في الطريق نفسه الذي سلكته الصحف السابقة، وشارك في تحريرها الأدباء والكتاب من جميع نواحي القطر.

والفضل الكبير يعود فيما نحسب إلى ذلك الإحساس الوطني الذي جمع أبناء القطر شمالا وجنوبا من الشباب الذين زودتهم تونس بتجارب مهمة كما أشرنا.

وكان الشيخ ابن باديس على دراية واعية بتلك الأجواء الثقافية لأبناء الجزائر بتونس التي زارها عدَّة مرات، وكان جامع الزيتونة القبلة التي تستقطب كل الراغبين في الحصول على درجات رفيعة في التعليم العربي الإسلامي.

وفي تونس كان أول لقاء يجمع بين ابن باديس وأبناء وادي ميزاب في دار بعثتهم التي كان يترأسها كل من أبي اليقظان، واطفيش إبراهيم، ومحمد الثميني، وكان ذلك سنة 1921م، وقد تركت هذه الزيارات أثرا بالغا في نفس ابن باديس إعجابا واستبشارا وتفاؤلا بتلك النهضة الثقافية التي بدأت فعلا سنة 1913م، وقد خلَّد هذه الزيارة  مسجلا ما تركته من آثار عظيمة في نفسه من خلال مقال نشره في جريدة «النجاح» القسنطينية باسمه الصريح، ثمَّ نقلته عنها جريدة«الصدِّيق» لمحمد بن بكير التاجر، وكان الشيخ أبو اليقظان يحدثنا  عن هذه الزيارة وآثارها الإيجابية في ربط العلاقات الثقافية والإصلاحية بين ابن باديس والإصلاحيين بوادي ميزاب.(3)

والواقع أنَّ المقال له دلالة إصلاحية متميزة هو تحت عنوان«نهضة جزائرية بالحاضرة التونسية». والذي يعنينا منه هو اهتمام ابن باديس البالغ بهذه النهضة العربية الإسلامية من بني ميزاب بتونس، مبرزا دورهم الفعال الاقتصادي والثقافي، مركزا على أبعادها وآفاقها المستقبلية لخير الجزائر ونهضتها الشاملة، داعيا في الوقت نفسه جميع الجزائريين إلى الاقتداء والسير على هذا الطريق الثقافي التعليمي، الذي هو الطريق الموصل إلى السيادة الجزائرية والمحافظة على أصالتها العربية الإسلامية.(4)

ومن توفيق الله أن يصبح التلامذة الذين كانوا بالبعثة إبَّان زيارة ابن باديس لها كتابا في صحيفة «المنتقد»، و«الشهاب»، و«صدى الصحراء»، و«وادي ميزاب»بعد ذلك.

كانت تلك الزيارة إذا بداية لعلاقة حميمية بين ابن باديس وعلماء وأدباء وادي ميزاب حتى قبل تأسيس جمعية العلماء، وقد أرخ لهذا التعاون المثمر ابن باديس بعد ذلك في خطاب ألقاه على المؤتمرين في جمعية العلماء بعد سنتين من تأسيسها حيث يقول:

«.... وإنَّ أول من رفع صوته بكلمة الحق في هذا الوطن، وبلزوم الرجوع عن بنيات الطريق إلى نهج الإسلام الواضح، وبوجوب التماس الهداية من كتاب الله، وما صح من سنة رسول الله r  وما أثر عن سلف  هذه الأمة – هم رجال هذه الجمعية قبل أن تكون الجمعية جمعية- فلهم الفضل يوم كانوا فرادى مستضعفين، ولهم الفضل يوم مدوا أيديهم إلى بعضهم فأصبحوا أقوياء متعاونين»(5)

ويأتي على رأس ذلك التعاون الإعلامي الذي ما لبث أن ظهر جليا واضحا متمثلا ما بين صحافة ابن باديس من جهة، وصحافة أبي اليقظان من جهة ثانية، وقد ظهر بصفة أخص في اهتمام صحافة كل منهما بالآخر من خلال تبادل المقالات، والدعاية، والتنويه بالمصادرة والإصدار، إذ نلحظ كيف كان ابن باديس يأسى أساً بالغا كلما صودرت صحيفة من صحف أبي اليقظان، وكان أبو اليقظان حريصا على هذه الصلات الأخوية؛إمَّا مباشرة بالزيارات في الجزائر وقسنطينة، وإمَّا بواسطة تجار بني ميزاب بقسنطينة، ويأتي على رأسهم ابن يوسف سليمان بن داود، والسيد محمد الشرح، وغيرهما الذين كانوا مهتمين مداومين حريصين على هذه العلاقة ولاسيما ما يتعلق منها بالعمل الوطني الاجتماعي والسياسي.

ويمكننا أن نشير هنا إلى ما صدر بـ«الشهاب»(جريدة) عدد 115 سبتمبر 1927 عند مصادرة «وادي ميزاب»، وإلى «الشهاب»(مجلة) الجزء 1 المجلد 05 فيفري 1929، وعن تعطيل «المغرب» إلى «الشهاب» الجزء الرابع المجلد السابع أبريل 1931، وعن صدور«ديوان أبي اليقظان»، وجريدة«النور» إلى «الشهاب» الجزء العاشر المجلد الرابع عشر اكتوبر 1931، وعن تعطيل «الأمة» بـ«الشهاب» الجزء الثالث المجلد الرابع عشر، ماي 1938.

ونلمس هذا الإحساس الأخوي الصادق في تعليق ابن باديس على ديوان أبي اليقظان إثر صدوره سنة 1931، وهو يُعدُّ من بواكير المطبعة العربية اليقظانية، وذلك حيث يعتبر « أبا اليقظان ركنا من أركان نهضتنا الفكرية والإصلاحية وزعيم الناهضين  من إخواننا الميزابيين»، ويعدد الميادين التي صال فيها أبو اليقظان وجال وعمل فيها إلى أن يقول:«وأبو اليقظان إلى جانب ميزابيته التي يفاخر بها –وله الحق- عربي يجاهد ويجالد في سبيل العروبة، ووطني يناضل ويقارع في سبيل الوطنية، ومسلم أخلص لله دينه، يجعل الإسلام في الصف الأول من أعماله».

والواقع أنِّي لم أقرأ فيما اطَّلعتُ عليه ممن كتبوا عن أبي اليقظان وشخصيته ومواقفه وجهاده ما قرأته هنا من دقة في الوصف، وبعد الرؤية، على وجازة ذلك المقال وتركيزه.

وحُقَّ  لابن باديس أن يقدر صديقه وزميله أبا اليقظان إلى حد اعتباره زعيم الناهضين من بني ميزاب، إذ كان أبو اليقظان الواسطة التي تعرَّف بها على الشيخ بيوض زعيم الحركة الإصلاحية بوادي ميزاب، فقد كان الشيخ أبو اليقظان هو الذي أشار على ابن باديس بتعيين الشيخ بيوض عضوا إداريا عاملا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهذه الوساطة تعود إلى الظروف التي سمحت بذلك لأبي اليقظان، ولم تسمح به للشيخ بيوض، كما تعود إلى الضرورات الإصلاحية التي كانت تحتم على الشيخ بيوض البقاء والعمل بوادي ميزاب، فقد كان لايبرح ميزاب إلاَّ للضرورات القصوى بحكم انشغاله الدائم بالنهضة التعليمية والدعوية والاجتماعية بوادي ميزاب بعامة وبالقرارة بخاصة.

ومن الشخصيات الميزابية وأعلامها الذين كان ابن باديس يربط بهم علائق الإخاء والود والتقدير أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، الذي نفاه الاستعمار الفرنسي إلى مصر سنة 1923 فقد كان يعتبره من أعلام الجزائر الذين تفتخر بهم في المنفى علما ووطنية، ويصنفه بين أعلام السيف والقلم(6).  

وقد أشاد ابن باديس بالدور المهم الذي تقوم به مجلة «المنهاج» لأبي إسحاق في المنفى، حيث دعا الجزائريين إلى مناصرتها ومؤازرتها بالاشتراك فيها، لتشتد وتقوى وتضمن لها السير الحثيث، لأنَّه في تقديره صوتهم في الخارج «وادعوهم إلى مؤازرتها لتظهر هنالك بالمظهر الشريف، وتعرب عن حالهم أمام الشرق وأبناء العربية، وتقوم بنشر الحقيقة بالجزائر في كفاح مجيد».(7)

كما كانت «المنهاج» تشيد بمجهودات الشيـخ ابن باديس ودور صحفه «المنتقد»، «الشهاب» داعـية الشباب الجزائري الناهض إلى مؤازرتها، لأنَّها «بارقة أمل شَعَّتْ على العالم الإسلامي من القطر الجزائري، نرجوا أن  تزيدها  الأيام نورا على نور»(8)

وقد كان أبو إسحاق حريصا على الالتقاء بابن باديس غداة زار الجزائر-بعد غياب سنوات في منفاه- فَتَوَاعَدا على الالتقاء في مدينة قالمة، وقد أشاد أبو إسحاق بهذا اللقاء في مراسلة لأبي اليقظان، وما دار بينهما من التباحث في مستقبل التعاون بين الإصلاحيين، وإصلاح ذات البين بين الطائفتين، وقد نوه أبو إسحاق بمساعي ابن باديس في هذا السبيل.

وكذا فإنَّ ابن باديس «أظهر سرورا فائقا باجتماعه بي، فَصَارَحْتُه بما عزي إليه من أمر.... ومن لفَّ لفَّهم، فتنصل بأيمان غليظة من كل شئ يُعزى إليه في هذه المسألة، ووعدني بالكتابة في «الشهاب» بما يجب لفائدتنا»(9)

وقد تأصلت هذه العلاقة الأخوية الحميمة بين ابن باديس وعلماء وأدباء وادي ميزاب بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد سنة 1931م، التي كانت فرصة مثالية للتلاقي والاجتماع والتشاور والتعاون الميداني الفعال.

فقد اشترك في مؤتمر التأسيس من علماء ميزاب الشيخ بيوض، والشيخ أبو اليقظان، والشيخ باكلِّي عبد الرحمن، والشيخ الطرابلسي(البرياني)(*)، وقد انتخب كل من الشيخ بيوض وأبي اليقظان عضوين إداريين في الجمعية.

وبما أنَّ الشيخ بيوض كان له تأثير جماهيري واسع في الحركة الإصلاحية بوادي ميزاب  فإنَّ دوره القيادي كان يتطلب منه السفر والتنقل بين البلدان التي يوجد بها تجار بني ميزاب شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، داعيا إلى مؤازرة جمعية العلماء والوقوف إلى جانب مشاريعها الوطنية الوحدوية، وكان نشاطه الدعوي في هذا المجال لايقتصر على مساجد بني ميزاب ومراكز تجمعهم بالتل، وإنَّما كان نشاطه في كل المساجد؛حيث يقصد في دروسه إلى التأثير على العامة لتقريب الأفهام بعضها من بعض وكسر الأوهام المتخذة من التمذهب والتعصب فاصلا بين الإباضية والمالكية، وقد أثمرت تلك الدروس واللقاءات ثمارها الخيرة، وساعدت على إفساد مخططات الاستعمار الفرنسي الذي كان يسعى دوما إلى بث الفرقة وزرع بذور العداوة بين المواطنين الجزائريين.

ومن ثمرات هذا التقارب الأخوي الإسلامي الذي أنتج نتائج ميدانية مهمة مدرسة «الإخاء» بمدينة بسكرة حوالي سنة 1930م، وكانت ثمرة لجهود الإصلاحيين المعتبرة من علماء الطائفتين  الإباضية والمالكية، فقد كانت هذه المدرسة الإسلامية من أوائل المدارس النظامية التي تجمع بين أحضانها التلامذة من الطائفتين دون تميز، وكان يدرس بها أساتذة من الطائفتين جنبا إلى جنب، نذكر منهم؛الشيخين محمد خير الدين، ومحمد الحاج إبراهيم الطرابلسي الميزابي، وكان يمولها ويشرف عليها الفاضل الكريم خبزي عيسى بن اعمارة القراري، وممن استبشر بهذه المدرسة وبخطتها فنوه بها -إذ شارك في إحدى حفلاتها- ابن باديس، حيث اعتبرها نقطة تحول مهمة في الفكر الإصلاحي الجزائري، ودعا إلى شدِّ أزرها والسير على منوالها، ودامت خمس سنوات كاملة(10)، حتى إذا تدخلت المؤامرات السياسية بإيعاز من الاستعمار الفرنسي في تسييرها انتهت مهمتها فأغلقت أبوابها وانفض تلامذتها، وبارحها أساتذتها، للأسف الشديد.

والواقع أنَّ هذه التجربة التاريخية الناجحة ليست الأولى في تاريخ التعاون الإسلامي بين الطائفتين الإباضية والمالكية، فقد سبقتها تجربة«الجمعية الصديقة لإحياء اللغة العربية»بمدينة تبسة سنة 1913م، وكانت رائدة في نظامها التعليمي المتطور، يشرف عليها أساتذة من تونس.غير أنَّ السلطات الفرنسية سرعان ما أجهضتها بأمر من السلطات العليا بباريس واغتيل القائم على أمرها الشهيد عباس بن حمانة، ومن آثام الاستعمار الفرنسي أن تلقى هذه المدرسة بتبسة سنة 1931م نفس المصير الذي لقيته مدرسة «الإخاء» سنة 1934م.

وهكذا كانت السلطة الاستعمارية الفرنسية تقف بالمرصاد لكل هذه النشاطات سواء في الميدان التعليمي، أو الإعلامي، أو الدعوي تجند لذلك عملاء بأقلامهم وجرائدهم، وما كان لها أن تغمض العينين عن التعاون الإسلامي في ظل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

وكان من أظهر الجرائد العاملة في هذا الاتجاه جريدة«النجاح»، التي كان يرأس تحريرها في تلك الفترة إسماعيل مامي، فكانت تتخذها أقلام المعارضة للحركة الإصلاحية شمالا وجنوبا منبرا لها، تبث على صفحاتها المقالات المعادية للحركة، وكانت تهدف بصفة خاصة حركة الشيخين ابن باديس وبيوض ومن معهما من الإصلاحيين، وقد تجلى هذا الاتجاه من«النجاح» ولاسيما في الفترة ما بين(1931-1939) أي بعد تأسيس جمعية العلماء، فقد كانت «النجاح» تنعت بيوض وأبا اليقظان بمثابة«هتلر، ولينين» في الجزائر، وتعد أبا اليقظان «نكبة على الأمة الميزابية» لا لشئ إلاَّ لأنَّه يتعاون مع الحركة الباديسية، وقد جاء ذلك صراحة في إحدى مقالات مامي إسماعيل حيث يقول: «إنَّما الشئ الذي حدا بنا للكتابة والانشغال بأبي اليقظان، ونفسنا كنفوس الكثير تشمئز منه، هو انَّه قال مكفرا عن ذنوبه ومسديا لجمعية ابن باديس جميلا في معرض التنويه بأعمالها-الإشارة هنا إلى محاضرة ألقاها أبو اليقظان بتونس عن جمعية العلماء- إنَّ جمعية استطاعت في ظرف أعوام قليلة أن توحد وتمتن الروابط القومية والإسلامية بين سكان الجزائر، لميسور عليها أن تبلغ المنى والغاية بتوحيد الآراء والوجهات بين أبناء الشمال الإفريقي كله»(11)

ومن هنا كانت المخابرات الفرنسية وبوليسها في كل العمالات الجزائرية تتابع بعين يقظة هذه العلاقات بين حركتي باديس وبيوض، وتتقصى الأخبار عن اجتماعاتها؛ سواء تلك التي كانت تعقد بمدن التل، أوبوادي ميزاب، وكانت توظف لذلك الجواسيس الذين يفيدونها بما يجري فيها نَفَسًا بنفس.

وكانت التقارير ترسل من إدارة الحاكم العسكري بمدينة غرداية، والأغواط إلى السلطات الفرنسية الحاكمة بالعاصمة، لتتخذ الإجراءات الإدارية لملاحقة الزعيمين؛ أبي اليقظان، وبيوض، محذرة من هذا التعاون بين الحركتين وعلاقتهما بالحركات القومية الإسلامية خارج الجزائر، وقد اهتم بهذا التعاون كثير من الكتاب الفرنسيين، وعدُّوه نقطة تحول خطيرة ينبغي التنبه لها ومتابعتها.(12)

وقد سبق لنا أن وقفنا وقفة متأنية في هذا الصدد في كتابنا «الشيخ بيوض مصلحا وزعيما»، لذا نكتفي هنا بإيراد مثال واحد من تلك التقارير التي تصرح عن هذا التخوف وتجعله سببا للملاحقة والمراقبة الشديدة.

جاء في تقرير للكابتان (فيقوروس) الحاكم العسكري بغرداية متوجها به إلى الحاكم العسكري بالأغواط، وذلك بتاريخ ؛أول أوكتوبر 1934م ما يلي:

«يسعدني أن أعلمكم بأنَّه  انتهى إلى علمي بأنَّ المسمى بيوض الحاج إبراهيم بن عمـر، مفتي مسجد القرارة، يقوم بنشاط ملحوظ  لتحقيق الوحدة بين إباضية ميزاب وجمعية العلماء المسلمين، إنَّ هذا الأهلي المتغيب عن ميزاب قرابة شهرين يقوم بمفاوضة الشباب الميزابي الموجودين بمدن الشمال؛مبينا لهم الفوائد من الانضمام إلى جمعية علماء المسلمين... إنَّه حاليا يسعى لاستقدام وفد من جمعية العلماء إلى ميزاب بهدف تحقيق الوحدة التي يعتبرها- حسب نظرته-تخدم القضية الإباضية، إنَّ الخطر من هذا التقارب لاأحسبه يخفى عنكم ومن ثمَّ ينبغي لنا تفاديه، والحيلولة دونه.»(13)

وكان من نتائج تلك التقارير أن اتُّخِذَتْ الإجراءات الإدارية اللازمة باعتبار بيوض وأبي اليقظان خطيرين على الأمن، وتصنيف بيوض في الدفتر(ب) باعتباره عدوا خطيرا لفرنسا.بل هو العدو رقم(1)لفرنسا في ميزاب.(14)

والواقع أنَّ هذا التعاون الوطيد بين الحركتين لم يتمثل في المشاركة الفعالة في إطار جمعية العلـماء داخـل مؤسساتها ولجانها ومجاليها المادي والأدبي، إنَّما ظهر في صحافة ابن باديس والعلماء من جهة، وصحافة أبي اليقظان من جهة ثانية، وقد عدت جريدة «المغرب»، و«النور»، و«الأمة»، و«الفرقان» جرائد عليها مسحة ظاهرة لنشاطات جمعية العلماء تنشر مقالات الإصلاحيين،  وتقف بالمرصاد لحركات المعارضة، وتنشر التحقيقات المستفيضة عمَّا يجري في مؤتمرها، وتعلن للقراء والمشتركين فيها عما تريد الجمعية توصيله إلى العامة من الجزائريين حتى عدت منبرا يكاد يكون رسميا لجمعية العلماء ما بين(1931-1939)وكانت تقارير السلطة الاستعمارية تشير على أن صحف أبي اليقظان أصبحت جرائد لجمعية العلماء(15).

وقد أصبحت المطبعة العربية اليقظانية بالجـزائر العاصمة مظهرا بارزا لهذا التعاون الإعلامي، والصحفـي والتأليفي، بل كانت ناديا ثقافيا يلتقي فيه العلماء من الذين يسكنون العاصمة من أمثال أحمد توفيق المدني، والشيخ الطيب العقبي، والشاعر محمد العيد آل خليفة، وغيرهم(16).

وكانت المطبعة تتولى طبع جرائد جمعية المسلمين، وتنشر منشوراتها، وبياناتها، وأوراقها الرسمية، ودعواتها إلى الاجتماع وبرنامج أعمال الاجتماعات السنوية كما كانت تتولى طبع«البصائر»في سلسلتها الأولى ما بين (1935-1939).

وتستدل على هذا التعاون الاعلامي وأهميته من رسالة بخط الشيخ عبد الحميد جاء فيها « الأخ الكـريم العلامة الأكتب الشيخ سيدي أبو اليقظان أيده الله، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أمَّا بعد؛ فإنَّكم تجدون طي هذا منشورا في شأن الجمعية، فالرجاء أن تنشروه في العدد القابـل.. وأمَّـا تاريخ الاجتماع فإنَّ مجلس الإدارة يكون اجتماعه قي 15 محرم، والاجتماع العمومي يكون20 منه إن شاء الله تعالى، وسأرسل لكم التعيين الرسمي لتنشره.من أخيكم عبد الحميد بن باديس. »(17)

لهذا كان الشيخ ابن باديس يأسى الأسى كله عند تعطيل جرائد أبي اليقظان ويشيعها بكلماتـه الحـارة في«الشهاب»، كما كان يعلن عن إصدارته بالاستبشار والتفاؤل ويصف من خلال كل ذلك ما تعانيه الصحافة العربية من دسائس الاستعمار وبوليسه وأعوانه من العملاء.

وقد يلحظ المتتبع للمقالات الصحفية الصادرة في هـذه الفترة من الثلاثينات هذا الزخـم من المقـالات الإصلاحية، ولاسيما في صحف أبي اليقظان وصحف ابن باديس، وجمعية العلماء، وقد كانت جريدة«الأمة» اليقظانية التي صدرت ما بين(1933-1938)من أقوى هذه الجرائد في هذا الاتجاه بشهادة كل المتتبعين لهذا النشاط من الباحثين والمؤرخين، ولذلك كان يطالها التوقيف من حين لآخر، وينالها من ملاحقة المخابرات والبوليس التغريم والاستجواب، وتتعرض المطبعة نفسها إلى المداهمات البوليسية من حين لآخر ويهدد أبو اليقظان بالسجن والنفي عدَّة مرات، لذا نلحظ أنَّ جانبا كبيرا من تاريخ الحركة الإصلاحية وجمعية العلماء بالذات موجود في مقالات هذه  الجرائد التي تعبر عن الأمة من منظور وطني صريح.(18)

وظلت هذه الروح الأخوية المتعاونة على الإصلاح ما بين الشيخ ابن باديس والحركة الإصلاحـية بميزاب إلى حين وفاته رحمه الله سنة 1940م، ثمَّ استمرت على الزخم نفسه والوتيرة عينها مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ولاسيما الشيخ الطيب العقبي، والشيخ البشير الإبراهيمي، والأستاذ أحمد توفيق المدني.

وقد كان هذا التعاون جليا متميزا في المجالات التالية كما أشرنا:المجال الثقـافي التعليمي، المجال الإعلامـي الصحفي، المجال الدعوي التوعوي.

رحم الله هؤلاء المشائخ الأعلام الذين قدموا ما قدموا من نفس ونفيس ابتغاء رضـوان الله، فحـقق الله آمالهم وأمانيهم، وترك آثارهم خالدة؛جوامع، ومدارس، وجمعيات خيرية، وقبل هذا وذاك رجالا يدعون لهم بأعمالهم للنهضة بهذا الوطن العزيز، رحمهم الله، وألحقنا بهم غير مبدِّلين ولا مغيِّرين.

الهوامش :

(1) يراجع المقالة الصحفية الجزائرية للباحث ج2 ص 12 وما بعدها.

(2) يراجع سجل مؤتمر جمعية العلماء.... الصفحات41-54

(3) يراجع«الصدِّيق»:ع 44 في 19/9/1921.

(4) يراجع المقالة الصحفية الجزائرية ج2، ص 12 وما بعدها.

(5) الشهاب جمادى الأولى 1352 هـ،  ص 390.

(6) يراجع الشهاب ج 5، م 13 (جويلية 1937).

(7) المنتقد ع 13 محرم 1344/18/08/1925.

(8) المنهاج ج 2 ص135 صفر 1344هـ .

(9) رسالة مؤرخة بـ: 25 ربيع الثاني 1349 هـ .

(*) نسبة إلى بلدة «برِّيَّان»، بالقرب من مدينة «غرداية».

(10) يراجع النور:ع 11:24/11/1931، كذا مذكرات محمد خير الدين.

(11) النجاح:ع 1652/1353هـ23/12/1934م

(12) ينظر:د/بسَّاح شينار: الإباضية والحركة الإصلاحية بالجزائر المعاصرة، نشر جمعية التراث:1405هـ/1984م.

(13) يراجع محمد صالح ناصر؛الشيخ بيوض مصلحا وزعيما.دار الريام الجزائر 2006 الصفحات253-294.

(14) المصدر السابق نفسه.

(15) يراجع محمد ناصر؛الصحف العربية الجزائرية.دار الغرب الإسلامي، بيروت2007- ص 177.

(16) «المطبعة العربية معلم وطني مجهول»للباحث.مكتبة الريام الجزائر 2008- ص 21.

(17) الرسالة المؤرخة في 20من ذي الحجة 1350هـوالأصل موجود بحوزتنا.

(18) أبو اليقظان ...... نشر ديزاين الجزائر 2006 ص 233 وما بعدها


آخر التغريدات: