أساليب التربية أو الوسائل المعنوية للتربية عند ابن باديس

بقلم: مصطفى محمد حميداتو-

الأساليب جمع أسلوب، وهو الطريق، ويطلق على الفن من القول أو العمل.. وفي التربية، تعني الطرق التي ينتهجها المربون مع متعلميهم. وقد استخدم الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، أساليب ووسائل متنوعة لإنجاح جهوده التربوية، استوحاها من مصادر الإسلام الأصيلة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم، نذكر أهمها في ما يلي:

1 ـ التربية بالقدوة:

القدوة هي الأسوة، يُقال فلان قِدْوة يُقتدى به، وقد يضم فيقال: لي بك (قُدوة) و(قدة)، والتلميذ في المدرسة يحتاج إلى نموذج عملي وقدوة يراها في كل مربّ من مربيه، ليوقن ويتحقق بأن ما يُطلب منه من السلوك والأخلاق هو أمر واقعي يمكن ممارسته، فهو يأخذ بالتقليد والمحاكاة أكثر مما يأخذ بالنصح والإرشاد، وعليه فإن إنجاح العملية التربوية يتوقف إلى حد كبير على وجود المربي، الذي يحقق بسلوكه وممارساته التربوية، المثال الصادق لأهداف المنهج التربوي، المراد إقامته وتحقيقه.

فقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه و سلم أن يقتدي بهَدْي مَن سبقه من الرسل، فقال: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده )(الأنعام:90).

وأمر الله المؤمنين بأن يقتـــدوا برسولـه صلى الله عليه و سلم، فقـــــال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر )(الأحزاب:21).

وخاطب اللهُ عز وجل رسولهَ والمؤمنين جميعًا بقوله: (لقد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ) (الممتحنة:4).

هكذا ارتبط التعليم في الإسلام من البداية بالقدوة الحسنة، فكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يقتدون بسلوك الرسول صلى الله عليه و سلم، وكان هو يَطلب منهم محاكاته والأخذ عنه قائلاً: (صلوا كما رأيتموني أصلي ) (رواه البخاري من حديث مالك بن الـحُوَيْرِث).. (يا أيها الناس خذوا مناسككم) (رواه مسلم والنسائي واللفظ له من حديث جابر).

وقد أسهبنا في ذكر الأمثلة العملية للتربية بالقدوة عند ابن باديس، عند كلامنا عن سماته الشخصية، بما يغني عن إعادتها في هذا المبحث.

2 ـ التربية بالوعظ والتذكير:

حقيقة التذكير عند ابن باديس أن تقول لغيرك قولاً يذكر به ما كان جاهلاً أو ناسيًا أو عنه غافلاً، وقد يقوم الفعل والسمت والهدى مقام القول، فيسمى تذكيرًا مجازًا وتوسعًا.

وحاجة العباد إلى هذا التذكير، أعظم ما يحتاجون إليه وأشرفه.

وكان النبي صلى الله عليه و سلم على سنّة إخوانه من الأنبياء والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام- في القيام بتذكير العباد، متمثلاً أمر ربّه تعالى له: (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر )(الغاشية:21).

وقوله تعالى: (فذكر إن نفعت الذكرى )(الأعلى:9).

وقوله تعالى: (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد )(ق:45).

وأما الوعظ والموعظة، فهو الكلام المليّن للقلب بما فيه من ترغيب وترهيب، فيحمل السامع -إذا اتعظ وقبل الوعـظ وأثّـر فيـــه- على فعـــل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.

والموعظة الحسنة عند ابن باديس، هي التي ترقّق القلوب، لتحملها على الامتثال لما فيه خيري الدنيا والآخرة، وإنما تكون كذلك إذا حسن لفظها بوضوح دلالته على معناها، وحسن معناها بعظيم وقعه في النفوس، فَعَذُبَتْ في الأسماع، واستقرت في القلوب، وبلغت مبلغها من دواخل النفس البشرية، فأثارت الرغبة والرهبة، وبعثت الرجاء والخـوف بلا تقنيط من رحمة الله، ولا تأمين من مكره، وانبعثت عن إيمان ويقين، وتأدت بحماس وتأثر، فتلقتها النفس من النفس، وتلقاها القلب من القلب.

وعلى الرغم من أن ابن باديس كان خطيبًا واعظًا مفوهًا بليغ الكلام، إلا أنه اهتم بالتكوين الأساس والبناء التربوي أكثر من الوعظ، ذلك لأن الوعظ في حقيقته يجدي في مجتمع صالح قد تحدث فيه أخطاء، فيقوم الوعّاظ عند ذلك بتنبيه الخاطئين بإيقاظ وتحريك تقوى الله في نفوسهم.

لكن الأمــر يختلف بالنسبـــة إلى حالــة المجتمـــع الجزائـــري في أيـــام ابن باديس، حيث لم يبق في نفوس عامة الناس إلا إسلام طرقيّ قبوريّ، من تبعه فَقَدَ كلّ حيوية وفاعلية، ومن أعرض عنه ارتمى في أحضان الثقافة الفرنسية اللادينية.

لذلك فإن ابن باديس لم يركّز كثيرًا على الوعظ وإن لم يهمله، بل وجّه جُلّ اهتمامه للتربية والتعليم، وكان يعيب على خطباء عصره الذين لم يدركوا حقيقة الوعظ ولا التذكيــر، وكانـت أغلب خطبهــم لا تناسب الواقع ولا تتماشى مع النوازل التي ألـمّت بالأمة، فأثناء شرحه لقول الله تبارك وتعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة )(الفرقان:32)، وتطرّقه إلى محاسن هذه الشريعة، وأنها نزلت بالتدريج المناسب حسب الوقائع، قال: (انظر إلى هذه الحكمة في هذا التنزيل، كيف نزلت آياته على حسب الوقائع ? أليس في هذا قــدوة صالحة لأئمة الجُمع وخطبائها في توخّيهم بخطبهم الوقائع النازلة، وتطبيقهم خطبهم على مقتضى الحال ? بلى والله.. ولقد كانت الخطب النبوية والخطب السلفية كلها على هذا المنوال، تشتمل مع الوعظ والتذكير على ما يقتضيه الحال، وأما هذه الخطب المحفوظة المتلوّة على الأحقاب والأجيال، فما هي إلا مظهر من مظاهر قصورنا وجمودنا، فإلى الله المشتكى، وبه المستعان).

3 ـ التشجيع على التحصيل النفسي، وتنمية القدرات الذاتية للطالب:

لا شك أن الدروس والبرامج المدرسية إنما تُحصّل فيها قواعد بعض العلوم، وتبقى فنون كثيرة من فنون العلم يحصّلها الطالب ويصل إليها عن طريق البحث والمطالعة بنفسه أو مع زملائه.
(فالتحصيل الدرسي يؤدي إلى فهم قواعد العلم وتطبيقها حتى تحصل ملكة استعمالها، وأما توسيع دائرة الفهم والاطلاع فإنما يتوصل إليها الطالب بنفسه، بمطالعته للكتب).

ويحث ابن باديس الطلبة ومعلميهم على عدم الاكتفاء بالبرامج المدرسية وحدها، قائلاً: (فعلى الطلبة والمتولين أمر الطلبة، أن يسيروا على خطة التحصيل الدرسي والتحصيل النفسي، ليقتصدوا في الوقت ويتسعوا في العلم، ويوسّعوا نطاق التفكير).

كما ركّز ابن باديس في خطته التربوية على تنمية القدرات العقلية للطلبة، وحثهم على إعمال عقولهم في ما يدرسون ويعالجون من مسائل، ويفكّروا تفكيرًا صحيحًا مستقلاً عن تفكير غيرهم مع الاستئناس به، موضحًا ذلك بقوله: (إذا كان التفكير لازمًا للإنسان في جميع شؤونه وكل ما يتصل به إدراكه، فهو لطلاب العلم ألزم من كل إنسان، فعلى الطالب أن يفكر فيما يفهم من المسائل وفيما ينظر من الأدلة، تفكيرًا صحيحًا مستقلاً عن تفكير غيره، وإنما يعرف تفكير غيره ليستعين به، ثم لابد له من استعمالِهِ فِكْرَهُ هو بنفسه).

4 ـ التربية بتفريغ الطاقة وملء الفراغ بما ينفع:

إن استغلال طاقة الشباب، وتوجيهها وجهتها الصحيحة، بطريقة تستهوي ميولهم ورغباتهم وتبعث فيهم المرح والحيوية، له ما يدعمه في سنة المصطفى صلى الله عليه و سلم، فقد أرشد صلى الله عليه و سلم أصحابه إلى بعض تلك الطرق فقال: (علِّمُوا أبناءكم السباحةَ والرمايةَ وركوبَ الخيل ).. وكان صلى الله عليه و سلم يسابق بين خيل الصحابة، ليعرفوا أن ذلك ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو، والانتفاع بها عند الحاجة.

وأكثر من ذلك، فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها، أنها رأت رسول الله صلى الله عليه و سلم يومًا على باب حجرتها والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه و سلم يسترها بردائه تنظر إلى لعبهم.

والحقيقة أن الطاقة المتولدة لدى الإنسان عمومًا والشباب خصوصًا، ينبغي إطلاقها وتوجيهها نحو عمل إيجابي بنّاء، وأن كبحها وتخزينها من غير مبرّر، مخل بالتوازن الجسمي والنفسي للإنسان.

وقد اعتنت المدرسة الحديثة بهذا الجانب، واستحدثت ما يُسمى بالنشاط المدرسي، الذي أصبح جزءًا من المناهج المعمول بها في أغلب المؤسسات التعليمية.

وقد أدرك الإمام ابن باديس رحمه الله، الأهمية البالغة لعملية توجيه طاقة الشباب المخزنة، وتفريغها في ما يعود عليهم بالمصلحة لحمايتهم من الانحراف والشذوذ، فكان ينهى متعلّميه عن تبديد أوقاتهم وجهودهم فيما لا فائدة فيه، ويرشدهم إلى الترويح عن أنفسهم بما يطيب لهم من المباحات والمستحبات، كالسباحة، والخروج إلى الطبيعة، والاستمتاع في أحضانها، والتفكر في مبدعها.

كان ابن باديس مربيًّا محنّكًا، له حسّ مُرْهف، وعبقرية متدفقة في فهم نفوس متعلّميه، ومعرفة ميولها وحاجتها إلى ما يبعث المرح والحيوية والتفاؤل.. يقول عن نفسه: (لم تفارقْني مهنة المعلم، فكنتُ أجدني عن غير قصد أقرر نكتة في بيت من الشعر، أو عِبرة في حادث من التاريخ)، مخافة السآمة على سامعيه.

والحقيقة أن ابن باديس رحمه الله، لم يقتصر على ما ذكرنا من الأساليب، فقد كان يربّي بالقصة لما لها من تأثير ساحر على القلوب، ويربّي بالعادة ويستخدمها وسيلة من وسائل التربية، بزرع الخصال الحميدة في نفوس الناشئة، وجعلها فيهم متأصلة يزاولونها بغير جهد ولا عياء.

آخر التغريدات: