أسس التغيير من خلال منهج ابن باديس

أسس التغيير من خلال منهج ابن باديس

بقلم: العيد بن زطة-

في البداية نشير بإيجاز إلى مفهوم التغيير وبيان أنواعه .

معنى التغيير: هو انتِقال الشيء من حالةٍ إلى حالة أخرى ، ومنه : انتقال الأفراد والمجتمعات من وضع إلى آخر ، ويشمل مختلف الأوضاع للحياة البشرية : ( الأوضاع الفكرية -- الثقافية – الاجتماعية – الأخلاقية – السياسية – الاقتصادية -- ...)

وقد جرت سنة الله تعالى ألاَّ يبدأ بتغيير وضع قوم  حتى يشرع أولائك القوم في تغيير أوضاعهم.

و بين القرآن المجيد أن التغيير نوعان :

1- تغيير من وضع حسن إلى وضع سيء . قال تعالى : " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " (الأنفال: 53) وسبب تغير تلك النعم وذهابها راجع إلى إنَّ هؤلاء القوم  قابلوا النِّعم بالكفر والفسوق والعصيان ، فاستحقُّوا تبْديل النعم بالنِّقَم ، والمِنَح بالمِحَن ، وهذا قانون كوني عام مطرد في الأفراد والأمم .

2- تغيير من وضع سيء إلى وضع حسن . قال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " (الرعد: 11) وهذا يشمل بعمومه تغيير الأوضاع السيئة إلى أوضاع حسنة ، قال السيد قطب : " لا يغير نعمةً أو بؤسًا ، ولا يغيِّر عزًّا أو ذلَّة ، ولا يغير مكانةً أو مهانة ... إلاَّ أن يغيِّر الناس..." (في ظلال القرآن للسيد قطب (4/356 )

و إذن : فالتغيير - دوما - يبدأ من عند أنفسنا ، حسنا كان أو سيئا .

وحديثنا ينحصر في أسس وقواعد : ( التغيير من وضع سيء إلى وضع حسن ) من خلال منهج ابن باديس رحمه الله تعالى . وبيانها كالآتي :

فقـــــــه الواقع

تصحيح الاعتقاد

إصلاح التربية والتعليم

حفظ الوحدة الوطنية

حفظ الشخصية الوطنية

تلك هي الأسس العامة التي اعتمد عليها العلامة ابن باديس في التغيير ، وهي أسس تمتاز  بالشمولية والخلود، بمعنى: أن كل عملية تغييرية – في أي زمان - تتم بعيدا عن تلك الأسس فهي عملية مبتورة، لن تصيب هدفا و لن تحقق نتيجة .

الأساس الأول: فقه الواقع

فلابد أن تُسْبَق عملية التغيير باكتشاف الواقع ، والإدراك الكامل له ،  وتحليله ، والمفارقة بينه وبين ما يجب أن يكون ، ومن ثم التفكير في الكيفيات والمناهج والبرامج التي تعيد مسيرة هذا الواقع إلى الجادة الصحيحة ..

وهو ما فعله ابن باديس ، فقبل شروعه في التغيير بدأ بفحص أوضاع أمته ، مشخصا لأمراضها ، و محددا   لمواطن الخلل فيها بدقة ؛ ليصف لها بعد ذلك الأدوية المناسبة .

وقد بدأت هذه المرحلة في المدينة المنورة عام 1913م عندما التقى الشيخ ابن باديس مع رفيق دربه وجهاده الشيخ البشير الإبراهيمي، الذي  قال : " " كان من نتائج الدراسات المتكررة للمجتمع الجزائري بيني وبين ابن باديس منذ اجتماعنا بالمدينة المنورة ...أن البلاءالمنُصبّ على هذا الشعب آت من جهتين متعاونتين عليه يفسدان عليه دينه ودنياه: استعمار مادي (فرنسا) . واستعمار روحاني ( مشايخ الطرق ) المؤثرون في الشعب ، المتجرون باسم الدين، والاستعماران متعاضدان يؤيد أحدهما الآخر، وغرضهما تجهيل الأمة لئلا تفيق بالعلم ، وتفقيرها لئلا تستعين بالمال على الثورة ، وكان من سداد الرأي أن تبدأ الجمعية بمحاربة الاستعمار الثاني لأنه أهون " (أنظر : الدكتور تركي رابح : الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر ص100).

يعني: الطرق الصوفية ( المنحرفة ) المتعاونة مع فرنسا على تجهيل الجزائريين بأمر دينهم ،والبدء بالأضعف يدل على فكرة المرحلية عند الشيخ و رفقائه ، و هي أيضا محاصرة للاستعمار بفضح أعوانه وتنحيتهم طائفة بعد أخرى ..

ويمكن تلخيص مواطن  الخلل في المجتمع الجزائري آنذاك، في الأمور الآتية :

-  انتشار البدع والخرافات بواسطة الطرق الصوفية (المنحرفة)

-  انتشار الجهل وتفشي الأمية

-  تميُّع الشخصية الوطنية وصيرورتها إلى الذوبان

-  التفرق والتشتت .

-  وفوق ذلك كله الاستدمار الغاشم.

وبديهي أنه يستحيل مجابهة المحتل بمجتمع  مصاب بهذه العلل الخطيرة ؛ و لذلك استبعد ابن باديس فكرة المقاومة المسلحة في هذه المرحلة ، ولو فعل ذلك لقضى على أمته إلى الأبد ؛ ولهذا كان فقه الواقع  وتحليله أمرا ضروريا قبل البدء في أي عملية تغييرية .

و بعد تحديد  مواطن الخلل شرع الشيخ ابن باديس و رفقاؤه في تنفيذ الأساس الثاني وهـــو :

الأساس الثاني : تصحيح الاعتقاد

وجد ابن باديس أن الطرق الصوفية ( الجاهلة المنحرفة ) قد انتشرت بشكل رهيب ، مما جعل البدع والخرافات والضلالات تتغلغل في صفوف الكثيرين ، من عوام و مثقفين ...وقد بث أولائك الجاهلون الوهن في نفوس الجزائريين و رسخوا عقيدة التواكل في قلوبهم  ، بدعوى أن الوجود الفرنسي في الجزائر يدخل في باب القضاء والقدر المحتوم ، الذي يجب التسليم به والصبر عليه ، وترك كل مقاومة لمحاربته ، مما أفضى إلى تثبيط الهمم والعزائم عن الجهاد في سبيل الله لطرد العدوان الفرنسي الغاشم بهذه الدعوى من جهة ، و بحجة وجوب طاعة ولي الأمر من جهة أخرى ، مؤولين مقتضى الآية في قوله تعالى:  " ياأَيُّها الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْر مِنْكُم") النساء 59).

فوجه ابن باديس جهوده  من أول وهلة إلى إصلاح عقيدة الجزائريين وعقولهم ، ومحاربة ما علق بها من خرافات وأباطيل ، واعتبر سبيل النجاة والنهوض يكمن في الرجوع إلى فقه الكتاب والسنة و فهم السلف الصالح ، ورفع شعار ( لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أو لها )

وجاء في بيان غايات وأهداف جمعية العلماء  :

1- محاربة الطرقية وأنه لا يتم في الأمة الجزائرية إصلاح مع وجود هذه الطرقية المشؤومة .

2- التوحيد أساس الدين ، فكل شرك في الاعتقاد أو في القول أو في الفعل فهو باطل مردود على صاحبه.

3- اعتقاد تصرف أحد من الخلق مع الله في شيء ما شرك وضلال، وبناء القباب على القبور والذبح عندها لأجلها ، والاستغاثة بأهلها ضلال من أعمال الجاهلية ، فمن فعله جهلاً يُعلّم ومن أقره ممن ينتسب إلى العلم فهو ضال مضل

( أنظر: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين . قانونها الأساسي ومبادؤها الإصلاحية. دار الكتب - الجزائر.  و أنظر:  سجل الجمعية ص 76 )        

و قد سلك رحمه الله في سبيل تحقيق هذا المقاصد مسالك شتى ، منها :

إصداره لجريدة (المنتقد) عام 1925  التي يفصح عنوانها عن مضمونها ، وهو النقد الذي يخالف منهجَ أربابِ الطريقة الذين رفعوا شعار : ( اعتقد ولا تنتقد ) . ( طالبي : ابن باديس وآثاره 1/ 81.)

وهكذا تصدى ابن باديس لفرق المبتدعة فزلزل أركانها  وكشف أستارها، ونجح في بسطالعقيدة الإسلامية  الصحية التي لا يتحقق النصر والتمكين إلا بها ، مصادقا لقوله تعالى ":وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْقَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَايُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا " (النور53)

فعقيدة التوحيد الخالص شرط أساسي في التمكين وإبدال الخوف أمنا.

الأساس الثالث : إصلاح التربية والتعليم

أما في مجال التربية والتعليم فقد قام الاستعمار بفرنسة التعليم الذي أنشأه خصيصا لأبناء رعاياه ، وغلق مؤسسات التعليم الوطنية التي كانت تعلم الثقافة العربية والإسلامية ، وضيق الخناق على الدين الإسلامي وعلى اللغة العربية واعتبراها لغة أجنبية ، و دمر الممتلكات الثقافية ، وخرب المكتبات ، وهدم المساجد  ، واستولى على موارد الأوقاف التي كانت مصدرَ  تمويلٍ للتعليم في الجزائر ، وكان من نتائج تلك السياسة الماكرة أنِ انتشر الجهل والأمية و و قع الانحراف عن الدين...

وهنا قدر ابن باديس خطورة الأمر ، وأدرك أنه لا مخرج للجزائريين  من ظلماتهم تلك ، إلا بإصلاح التربية والتعليم ، و ذلك بالعودة بهما  إلى مشكاة النبوة ،  وقد عرف ابن باديس الإصلاح بأنه: "..إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله ، بإزالة ما طرأ عليه من فساد " ويقول رحمه الله : " لن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه، في مادته وصورته، فيما كان يعلّم صلى الله عليه و سلم، وفي صورة تعليمه، فقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه مسلم أنّه قال: (إنّما بعثت معلما) فماذا كان يعلم؟ وكيف كان يعلم؟

كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الناس دينهم من الإيمان والإسلام والإحسان كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث جبريل المشهور: (هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم) وكان يعلمهم هذا الدين بتلاوة القرآن عليهم كما قال تعالى: ﴿إِنّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ﴾ " ( آثار الإمام عبد الحميد بن باديس (4/ 78 )

وهذا الأساس الذي اعتمد عليه  ابن باديس في التغيير، لم يكن أساسا مثاليًا مبنيًا على تصورات نظرية ، بل كان واقعيًا، أملته متطلبات العصر والمرحلة ، وفرضته أولويات المجتمع ومعتقداته.

كما أن عنايته بموضوع التربية والتعليم ، لم تكن عناية باحث منظّر، لا شأن له بالتطبيق العملي، بل كان رحمه الله يمارس ذلك كل يوم في حلقات الدروس في الكتاتيب والمدارس النوادي والأسواق.........

ـ فكان يرحل في نشر العلم في مختلف مناطق الوطن.

ـ وأنشأ أول مدرسة حرة سنة 1926  (مدرسة ابتدائية )

ـ  وقد بلغت المدارس الحرة التي أنشأها ( 150 )مدرسة تحوي( 150 ألف ) تلميذ . وكانت هذه المدارس تدرس اللغة العربية وأصول الدين الإسلامي وتاريخ الجزائر والإسلام.

ـ وقام بإعداد المدرسين لتعليم مبادئي القراءة وتحفيظ القرآن الكريم.

ـ وجدد النشاط التعليمي للمساجد في كافة أنحاء الوطن.

ـ وأنشأ جمعية التربية والتعليم الإسلامية سنة 1931 ، والتي كانت تهدف إلى نشر الأخلاق الفاضلة والمعارف العربية والصنائع اليدوية بين أبناء وبنات المسلمين.

ـ و قام بإرسال البعثات التربوية إلى الخارج لإبقاء صلة المهاجرين بدينهم وعدم الذوبان.

ـ و قام بعقد مؤتمر سنة 1937 لكافة المعلمين في مدارس الجمعية حول منهجية التعليم والتربية ولدراسة الوسائل والأساليب والكتب والعلم في المساجد.

ـ أما بخصوص اللغة فيقول رحمه الله : " ولا رابطة تربط ماضينا المجيد بحاضرنا  الأعز ومستقبلنا السعيد إلا بهذا الحبل المتين : اللغة العربية لغة الدين ، لغة الجنس، لغة القومية " ( إمام الجزائر ص 77)

ـ وقال بخصوص ربط التربية والتعليم بالقرآن العظيم : " فإننا والحمد لله نربي تلامذتنا على القرآن ...وغايتنا التي ستتحقق أن يكوّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم ، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق الأمة آمالها" ( الحركة الإصلاحية ـ ص ـ 28 )

الأساس الرابع: حفظ الوحدة الوطنية

و غير خافٍ على ذي بصيرة أن الاستعمار الفرنسي  قد حاك كثيرا من المخططات والمؤامرات لإسقاط الوحدة الوطنية، لأنها الحاجز المنيع أمام أي محاولة لانتهاك حرمة الوطن، و الاستيلاء على خيراته وثرواته.....لذلك عمد الاستعمار إلى تشتيت شمل الجزائريين ، وبث النعرات العنصرية في أوساطهم ؛ لأجل تفريقهم ومن ثم القضاء على كيانهم .

فمن البديهي  أن يكون عامل الوحدة الوطنية هو الآخر من الأولويات التي وجه إليها  ابن باديس اهتماماته ، واعتبرها العامل الأساس في تحصيل القدرة على إقامة الكيان الحضاري للأمة أو المجتمع وبنائه وتمكينه من الوقوف في وجه محاولات الإسقاط والتبديد ، و هو ينطلق في حديثه عن الوحدة من اعتبارها فريضة دينية، يطالب المؤمنون بإقامتها في حياتهم وفي علاقاتهم، دون أن يكون لهم في ذلك خيار. فيقول رحمه الله: "الواجب على كل فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في التضام والالتحام، حتى يكون منهم جسد واحد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسدبالسهر والحمى) "

و دعا إلى أخذ العبرة في هذا المجال مما حدث لهذه الأمة عبر تاريخها الطويل، مؤكدا أن الفرقة والخلاف يفضيان لا محالة إلى انهيار الأمة وتحطمها وذهاب أمرها ، فيقول رحمه الله : " لقد كان افتراقهم السبب الأول الأقوى لجميع البلايا والمحن الداخلية والخارجية التي لحقتهم في جميع أجيالهم أيام قوتهم وأيام ضعفهم، وأن تاريخهم لعبرة، وأن في أنبائهم لمزدجرا "

وقد لخص رحمه الله دعائم الوحدة الوطنية وأركانها في كلمات جامعة مانعة فقال : " تختلف الشعوب بمقوماتها ومميزاتها كما تختلف الأفراد. ولا بقاء لشعب إلا ببقاء مقوماته ومميزاته كالشأن في الأفراد. فالجنسية القومية هي مجموع تلك المميزات والمقومات. وهذه المقومات والمميزات هي اللغة التي يعرب بها ويتأدب بآدابها، والعقيدة التي يبني حياته على أساسها، والذكريات التاريخية التي يعيش عليها وينظر لمستقبله من خلالها، والشعور المشترك بينه وبين من يشاركه في هذه المقومات والمميزات"

فتلخص  من هذا النص خمسة أركان للوحدة للوطنية ، و هي :

1-  الدين الإسلامي  2- اللغة العربية 3- الوطن  4- التاريخ  5- المصير المشترك .

وقد بذل رحمه الله جهودا جبارة ، واتخذ وسائل متعددة لأجل المحافظة على الوحدة الوطنية، وإفشال محولات الإخلال بها ، و من ذلك  :

ـ الوقوف في وجه المحاولات الاستعمارية الساعية إلى زعزعة الوحدة الوطنية.

ـ العمل على توحيد الشعائر الدينية.

ـ العمل الشخصي في فك الخصومات وفض النزاعات.

ـ الترفع عن مجاراة الخصوم فيما يبثونه من أسباب الفرقة والشقاق.

و لقد آتت تلك الجهود ثمارها على صعيد الوحدة الوطنية و سائر الأصعدة الأخرى ، التي ناضل فيها ابن باديس لأجل انتشال المجتمع الجزائري من أوحال الفرقة و الجهل والتخلف ........

الأساس الخامس: حفظ الشخصية الوطنية

و في مجال حماية  الشخصية الوطنية  من الذوبان ، أعلن ابن باديس رحمه الله حربا لا هوادة فيها على سياسة الإدماج ودعاتها وأنصارها ، وقال قولته المشهورة  : " إن هذه الأمةالجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا ولا يمكن أن تكون فرنسا ولا تستطيع أن تكون فرنسا ولو أرادت "  ( الحركة الإصلاحية ص 40) وأنشد نشيده الخالد:

شَعْـبُ الجــــزائرِ مُـسْــلِــــمٌ............. و إلىَ الـعُــــــروبةِ يَـنتَـسِـبْ

مَـــــنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْــلِـهِ............. أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَــذبْ

أَوْ رَامَ إدمَــــــــــــاجًــــــا لَــهُ............. رَامَ الـمُحَـالَ من الطَّـلَـبْ

وأصدر فتوى بتكفير كل مسلم جزائري يتنازل عن قانون الأحوال الشخصية الإسلامي أو يتجنس بالجنسية الفرنسية ؛ سدا لذريعة الإدماج الرامية إلى طمس معالم الشخصية الوطنية.

و طالب النواب الجزائريين بمقاطعة البرلمان الفرنسي  قائلا : " حرام على عزتنا العربيةوشرفنا الإسلامي أن نبقى نترامى على أبواب برلمان أمة ترى أكثريتها ذلك كثير علينا " (الحركة الإصلاحية ص41)

الخاتمة

وبعد هذه الإطلالة الوجيزة على أسس التغيير من خلال منهج ابن باديس ، وجهود المبذولة في تحقيقها ، نستنتج جملة من النتائج أهما :

1-  أن أي عملية التغييرية لابد أن تُسْبَق باكتشاف كامل للواقع ؛ وهذا الاكتشاف هو بمنزلة الفحص والمعاينة الطبية للمريض ، لتحديد مواطن إصابته ، وتقدير  حجم خطورتها  ، و بناء على ذلك توصف له الأدوية المناسبة لإصابته .

2-   أن قوله تعالى : " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " يتضمن تقر ير  سنة جارية لا تبديل لها ، وهي : ( أن التغيير – دوما - يبدأ  من عند أنفسنا ،  حسنا كان أو سيئا ، وتلك قاعدة مطردة في الفرد والمجتمع)

3-  أن ابن باديس يعتبر منحة ربانية امتن الله بها على هذه الأمة ، التي غشيتها موجة من الظلمات ، ما كان لها لتنفك عنها دون تلك العملية الإصلاحية التي  انتهجها ابن باديس ورفقاؤه، ذلك لأن الله جعل لكل شيء سببا.

4- أن مواطن الخلل إبان الاستعمار تكمن في الجوانب الآتية :

انتشار البدع والخرافات بواسطة الطرق الصوفية ( المنحرفة ).

انتشار الجهل وتفشي الأمية.

تميُّع الشخصية الوطنية وصيرورتها إلى الذوبان .

التفرق والتشتت . وفوق ذلك كله الاستدمار الغاشم.

وكل ذلك تم بتدبير مبت له من طرف العدو المحتل ، الذي أدرك من أول وهلة أنه لا بقاء له في هذه الأرض ، ما لم  يسلخ هذه الأمة عن ذاتيتها وأصالتها ، بما انتهجه من سياسة ماكرة لتجهيل الأمة وتحريف دينها...

5-  أن العقيدة الصحيحة الخالية من الشرك و الابتداع ، والتربية الروحية والخلقية المستلهمة من روح الشريعة، والتعليم السليم المستسقى من مشكاة النبوة،  والتضامن والاتحاد والمحافظة على الهوية الذاتية : تلك هي عوامل  انتصارنا وسر قونا وعماد نهضتنا و وأساس امتداد حضارتنا . فإن فرطنا فيها خذلنا أنفسنا ، وكنا للاندثار أقرب منه للانتصار .

6-    أن أركان الوحدة الوطنية خمسة ، وهي: (1-الإسلام  2- واللغة العربية 3- والوطن  4- والتاريخ 5- و المصير المشترك )  والركن هو ما لا تقوم  ذات الشيء  إلا به ، كالرأس والقلب في الإنسان ، و من ثم فلا قيام للوحدة الوطنية إلا بهذه الأركان الخمسة مجتمعة .

7-  أن أسس التغيير السابقة الذكر  من أهم خصائصها : (الخلو د)  فلا تستغني عنها امة في زمن من الأزمنة  ونحن اليوم إليها أحوج أكثر من أي زمن مضى .

8-    أن ابن باديس كان عالما ربانيا ، لذلك استطاع أن يغير أوضاع الأمة الجزائرية من السيء إلى الأحسن ، وغير الرباني يؤده تغيير أسرة فأنى له أن يغير أمة .

آخر التغريدات: