الشيخ ابن باديس

بقلم: عمر عبيد حسنه-

إن الشيخ ابن باديس رحمه الله وأجزل ثوابه، استطاع أن يدرك جوانب الإصابة والخلل في المجتمع الجزائري الواقع تحت الاحتلال، والأسباب التي ألحقت به هذه الإصابات، وبدأ التفكير بمعالجة جذور الأزمة، أو السبب العميق الذي يكمن وراءها، ولم يقتصر في ذلك على معالجة الآثار، على الرغم من أهميتها، ولم يغب عنه ولا لحظة واحدة أن صلاح هذه الأمة مرهون بالمنهج الذي صلح به أولها، واختبر ذلك في نفسه وما تحقق له من نقلة ثقافية فتحت بصيرته بسبب صلته بالقرآن وانضباطه بمنهجه، وأدرك أن البعث والإحياء إنما ينطلق من مجموعة مرتكزات وجهت إليها الآية الكريمة في قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )(الجمعة:2).

فالبعث والإحياء للواقع الإسلامي الراكد، الذي يسوده التقليد والجمود على مستوى الداخل، ومحاولات التغريب والخروج عن منظومته المعرفية وأصوله الحضارية على مستوى الوافد، لا يكون ولن يكون إلا بالعودة إلى الرسالة (قيم الكتاب والسنة)، ومعايرة الواقع بها، بحيث ينظر إلى الواقع من خلالها، وتستوحى' الحلول لمعاناة الواقع ومشكلاته في هديها، وأن ينطلق دعاة الإصلاح من داخل الأمة، بكل ظروفها ومعاناتها وميراثها الثقافي ومعادلتها الاجتماعية: (رسولاً منهم)، والتأكد من أن أية طروحات وافدة من خارج الأمة، محكوم عليها بالفشل.. ولا نعتقد أننا بحاجة إلى الأدلة على أن ينطلق الإصلاح من تلاوة القرآن وتدبر آياته: (يتلوا عليهم آيته).. وأن تؤسس مناهج التربية والتزكية وتحرير الضمائر وتطهير النفوس (ويزكيهم)، على قيم الكتاب والسنة .. وأن تتمحور مناهج بناء المرجعية في أنظمة التعليم على قيم الكتاب والسنة: (ويعلمهم الكتاب والحكمة)، فيصبح الكتاب والسنة، مصدري المعرفة والتربية والثقافة والأخلاق، كما هما مصدرا التشريع.

فلقد كرّس الشيخ ربع قرن من حياته للقرآن، بعد أن حفظه، فالقرآن صاغ نفسه وهز كيانه، واستولى على قلبه، فاستوحاه في رسم منهجه طوال حياته، وترسم خطاه في دعوته، وناجاه ليله ونهاره، يستلهمه ويسترشده ويتأمل فيه، فيَعُب منه، ويستمد علاج أمراض القلوب وأدواء النفوس، ويذيب نفسه ويبيد جسمه الهزيل في سبيل إرجاع الأمة الجزائرية إلى الحقيقة القرآنية، منبع الهداية الأخلاقية والنهوض الحضاري، وكان همه أن يُكَوِّن رجالاً قرآنيين يوجهون التاريخ، ويغيرون الأمة، ولذلك فإنه جعل القرآن قاعدة أساسية ترتكز عليها تربيته وتعليمه للجيل، قال: فإننا والحمد لله نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم) (انظر ابن باديس، حياته وآثاره، ص79).

وقد وصف معاناته من نظام تعليم القرآن السائد بقوله: (وذلك أني كنتُ متبرمًا بأساليب المفسرين، وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله، ضَيِّقَ الصدرِ من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن، وكان على ذهني بقية غشاوة من التقليد واحترام آراء الرجال، حتى في دين الله وكتاب الله، فذاكرتُ يومًا الشيخ محمد النخلي (أستاذه المدرس بجامع الزيتونة)، فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق، فقال لي: اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة، وهذه الأقوال المختلفة، وهذه الآراء المضطربة، يسقط الساقط ويبقى الصحيح وتستريح، فوالله لفد فتح بهذه الكلمات القليلة عن ذهني آفاقًا واسعة لا عهد له بها) (ابن باديس، حياته وآثاره، ص78).

ولم يقتصر الشيخ ابن باديس رحمه الله على نقد مناهج التعليم والتربية في المدارس التي أنشأتها فرنسا، القائمة على إلغاء الهوية العربية الإسلامية وتذويب الشعب الجزائري، والعمل على تقديم البدائل من المدارس والمعاهد الخاصة، وكتاتيب تحفيظ القرآن، وإنما عانى من واقع المدارس والمعاهد ومؤسسات التعليم الشرعي القائمة، التي أصيبت بالعجز والعقم، وتحولت من إدراك المقاصد وتحقيق الأهداف، إلى استنزاف الطاقة في علوم الآلة (الوسائل)، دون استخدامها، فأضاعت بذلك الأجر والعمر، وانعزلت عن ضمير الأمة، وبعث نهضتها، وسمحت بامتداد الآخر من خلال مناهج التعليم الاستعماري المتطورة، وكان يلمس ذلك في نفسه أثناء دراسته في جامع الزيتونة، لذلك تعرّض لنقد طرق التدريس في جامع الزيتونة، وبيّن أنها ليست وسيلة تؤدي إلى تحقيق الغرض من التربية كما يتصوره، بل إنما تكوِّن ثقافة لفظية يهتم أصحابها بالمناقشات اللفظية العقيمة طوال سني الدراسة.

ويذكر ابن باديس، أن الطالب كان يُفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلاً، وإنما يغرق في خصومات لفظية بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه في القواعد، التي كان يظن الطالب أنه فرغ منها، ويتخرج الطالب دون أن يعرف عن حقيقة التفسير شيئًا، وذلك بدعوى أنهم يطبقون القواعد على الآيات، كأنما التفسير يدرس من أجل تطبيق القواعد لا من أجل فهم الشرائع والأحكام، وهذا يعتبره الشيخ ابن باديس هجر للقرآن، مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم يخدمون القرآن (ابن باديس، حياته وآثاره، ص108).

وكان يرى أن هذا يتعارض مع الهدف التربوي الإصلاحي، الذي يتمثل في إرجاع ضمير الإنسان المسلم إلى الحقيقة القرآنية، كأنه أنزل على قلبه، واتصاله به من جديد اتصالاً حيًا دافعًا للعمل.

لقد كان منهج الشيخ ابن باديس رحمه الله للبعث والإحياء والتغيير والإصلاح، ينطلق -كما أسلفنا- من القرآن الكريم، وبيانه النبوي، مستلهمًا قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ). وقوله تعالى: (رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) (التوبة:128)، فتوجه صوب التربية والتعليم لرفع المعاناة وتحرير الضمير، وإعادة بناء الرسالة القرآنية في نفوس الشعب، وإشاعة اللغة العربية في لسانه وحياته الثقافية، وإحداث التفاعل مع القرآن من جديد، بحيث تُزال الحواجز اللفظية الجدلية والنفسية بين القرآن والإنسان، فكانت حلقاته ودروسه القرآنية والحديثية، في المساجد (مجالس التذكير).

فأحيا بهذه المجالس معاني القرآن، وبيّن أهمية المجاهدة به في إحياء النفوس بعد مواتها، واسترد رسالة المسجد في التعليم الجماهيري العام، أو الثقافة الجماهيرية -إن صح التعبير- واعتبر تعليم الجماهير في المسجد هو صنو الصلاة، من حيث أثره وانعكاساته على الواقع الاجتماعي والتربوي، ذلك أن الثقافة الجماهيرية والتشكيل الثقافي، يبقى محلها المسجد، إلى جانب التعليم المنهجي الذي مكانه المعاهد والمدارس والجامعات، حيث يتأكد دور المسجد في التعليم والتربية والتثقيف أكثر فأكثر، في ظروف الاستعمار وعهود ما بعد الاستعمار، وما يرافقها من محاولات الارتهان الثقافي والتربوي.

ولم يقتصر على دور المسجد في عملية التعليم والتثقيف الجماهيري، وإنما أدرك أن هناك شرائح من المجتمع لابد أن تخاطَب بوسائل إعلامية أخرى، فدخل ميدان الصحافة، و(أنشأ صحافة عربية كانت منبرًا رحبًا، يعلن في عزم وثقة أن الحركة الإصلاحية الجزائرية، حركة شعبية أصيلة، تعمل لإحياء التراث الثقافي للأمة، وتنقيته من الشوائب التي علقت به، وتنشر الوعي الديني والاجتماعي والوطني، وهكذا أصدر جريدة (المنتقد) عام 1925م، ثم صحيفة (الشهاب الأسبوعي)، التي حولها إلى مجلة الشهاب الشهرية، منذ فبراير 1939م، ومجلات أخرى منها (الشريعة)، و(السنة)، و(الصراط)، و(البصائر).. وقد قامت هذه الصحافة بعمل إيجابي ضخم في مجال اليقظة الفكرية والوعي الوطني، والإصلاح الديني، وإحياء اللغة العربية، محبطًا بذلك كله مخططات الاستعمار الرامية إلى تشويه الشخصية الجزائرية في كل ميدان) (مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ص482).

وعلى الرغم من عناية ابن باديس رحمه الله بالثقافة الجماهيرية، وإدراكه لأهميتها، إلا أنه ركّز أيضًا على بناء النخبة التي تمثل عقل الأمة ومرجعيتها وقيادتها، لذلك عمد إلى فتح المدارس والمعاهد، واهتم بوضع المناهج والأنظمة التربوية والتعليمية.

ولقد تنبه الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى إلى خطورة دور المرأة في النهوض والتحرير، وأهميتها في التربية والبناء الثقافي، وأهمية تعليمها، حتى تقوم برسالتها كما شرع الله، وتحسن القيام بوظيفتها في المجتمع، حيث لابد من الاعتراف أن المرأة كانت أحد معابر الغزو الثقافي أو أحد الثغور المفتوحة في الجسم الإسلامي، في أكثر من بلد إسلامي، وحتى عند بعض حركات الوعي واليقظة الإسلامية، لأنها حُكمت بالتقاليد الجاهلية، بعيدًا عن التعاليم الإسلامية، وحُرمت مما أعطاها الله من حقوق وواجبات، فكانت مجالاً مفتوحًا لامتداد شياطين الإنس والجن.. حُرمت من التعليم باسم حمياتها من الفساد، وكأن الجهل خير من العلم، وكأن التعليم نقيض التدين، والعلم ضد الإيمان، لذلك اختلت المعادلة الاجتماعية، واهتزت الوظيفة التربوية، وسبق الآخرون بإرسال الإناث إلى المدارس، ومن ثم جئن معلمات ومرشدات لبنات المسلمين، لإفساد دينهن وعقلهن، ومحاولة إقناعهن أن تعلمهن إنما هو بسبب الابتعاد عن الدين، لإغراء بنات المسلمين بالانسلاخ عن دينهن، وحصلت خسائر كبيرة قبل إدراك المسلمين الذي جاء متأخرًا بأهمية تعليم المرأة.

لذلك أدرك الشيخ ابن باديس رحمه الله ببصيرة نافذة، منطلقًا من الكتاب والسنة، ما للمرأة من دور ووظيفة، فأوجب تعليمها، وإنقاذها مما هي فيه من الجهالة العمياء، ونصح بتكوينها تكوينًا يقوم على أساس العفة وحسن تدبير المنزل والشفقة على الأولاد، وحسن تربيتهم، كما أنه حمَّل مسؤولية جهل المرأة أولياءها والعلماء الذين يجب عليهم أن يعلّموا الأمة رجالها ونساءها، وقرر أنهم آثمون إثمًا كبيرًا، إذا فرطوا في هذا الواجب واستدل إلى جانب الآيات والأحاديث، بما استفاض في تاريخ الأمة المسلمة من وجود العالمات والكاتبات الكثيرات.

ولعل القضية الأهم التي تمحور حولها نشاط ابن باديس التعليمي والإعلامي، واعتبرها من قسمات الشخصية الجزائرية، ومرتكزات الهوية الوطنية، وحصن الثقافة الذاتية، ومقومات إعادة بناء الأمة، وسبيل إدراكها لعقيدتها وشريعتها ودينها، هي اللغة العربية، لأنها من الدين، ولغة الدين، على الرغم من أنه كان ينحدر من أصول بربرية، وأنه كان يحسن قراءة الفرنسية وفهمها، إلا أنه كان يترفع عن الكلام بها لغير ضرورة.

واللغة عنده ليست وسيلة تعبير وأداة تفاهم فقط، كما يحلو لبعضهم أن يشيع، لتمرير وتسويغ التعليم والمحادثة بغير العربية، وبذلك تصبح اللغة إحدى معابر الغزو الفكري، وبدل أن نترجم تراثنا وعقيدتنا إلى لغة الآخرين، نترجم تراث الآخرين إلى لغتنا، ونقبل بالموقع الأدنى.

فاللغة -إضافة لما أسلفنا- هي أداة تعبير وتفاهم، ووعاء تفكير، وسبيل تغيير وبناء ثقافي، حيث لا يُنكر دور وطبيعة الألفاظ والمفردات في التأثير والتحريك والتغيير، سواء في مجال الوجدان والمشاعر، أو في مجال التفكير وتخصيب الخيال أو تجمده ومحاصرته.. فعُجمة اللســان تدعــو إلى عُجمــة العقل والقلب.

ولا نريد هنا الإطالة حول هذه النقطة، ولا نحب أن يُفْهَم منها أننا ضد تعلم اللغات الأجنبية والإفادة منها بالقدر المطلوب، والسن المناسب لذلك، وموقع ذلك ومرحلته العمرية من بناء المرجعية اللغوية والفكرية، وحسبنا أن نقول: لقد اتضح من أبحاث علم النفس المعرفي أن اللغة ليست وسيلة للتخاطب الخارجي فقط، بل هي النظام الأساس الذي يستخدمه الإنسان في التفكير أو الكلام النفسي.

وقد يكون من الأمور اللافتة للنظر حقًا والدالة على أهمية اللغة -في صياغة التفكير، والمساهمة في التشكيل الثقافي، والارتباط بالجذور، وتحقيق النقل الثقافي، وأهم من هذا وذلك كونها لغة التنزيل، ومفتاح فهمه، وإدراك مقاصده، والصلة بين الأمة وأجيالها- الهجمة الاستعمارية المتركزة على عزل اللغة وتهميشها، وإشاعة اللهجات العامية والمحلية، وتقطيع أوصال الأمة، وبعث اللغات العرقية، ليس كوسيلة تفاهم محلي، وإنما كبديل حضاري وثقافي، ومعبر من معابر الغزو الفكري، الذي يؤدي إلى التفتيت والتبعثر وتمزيق النسيج المعرفي.. ومن هنا ندرك دور العربية في الاحتفاظ بهوية الجزائر وعروبتها وإسلامها، وندرك إصرار الشيخ عبد الحميد ابن باديس رائد الإصلاح والتجديد، على إشاعة العربية والتكلم بها، وجعلها لغة التعليم والتعلم، والارتكاز حول حفظ وتلاوة القرآن، حفاظًا على وحدة الأمة، ولغتها، وعاء تفكيرها، ومصنع أحاسيسها ومشاعرها، ومخزن تراثها، مع أنه بربري الأصل وعلى معرفة بالفرنسية.
ولا يفوتنا أن نبين هنا، أن مصطلح العروبة في بلاد المغرب العربي الإسلامي، يرادف في مدلوله الإسلام تمامًا، ولا يعني فلسفة بديلة عنه، أو توجهًا مقابلاً له، كما هو الحال عند ملاحدة المشرق من العرب، وبعض الأقليات الدينية المتعصبة الحاقدة على حضارة الإسلام.. لذلك لابد من إدراك هذه الحقيقة بوضوح، حتى لا تختلط الأوراق.

ومن القضايا القديمة الجديدة، الجديرة بالتوقف والمزيد من التأمل، والتي أدرك الاستعمار ورصيده الباقي في عالم المسلمين، دورها وأثرها في البناء الثقافي والحفاظ على هوية الأمة وتقديم المدد لمؤسسات التعليم الوطني والإسلامي، وتحقيق التكافل الاجتماعي: المؤسسات الوقفية في الجزائر، التي كانت وراء التعليم الخاص الخارج عن السيطرة الاستعمارية، والتي حاولت أن تبني النخب والخمائر الاجتماعية للمستقبل.. لذلك عمد الاستعمار إلى الإشراف عليها، لشل حركتها وتعطيلها -تجفيفًا للمنابع- كما هو الحال اليوم في الكثير من مجتمعات ما بعد الاستعمار، ومجتمعات الارتهان السياسي والثقافي، فحاول الجزائريون تأمين بدائل مالية، لتأمين استمرار التعليم الخاص الخارج عن ربقة الاستعمـــار والارتهـــان الثقافي، مـــن خـــلال التجـــار والــزراع والمواطنين من كــل المستويات، مما مكّن من الاستمـــرار في بناء جيـــل التحريـــر وجيش التحـــرير وتضحيات التحرير.

ولنــا أن نقـــول: إن من أبـــرز القضايـــا وأجــرأها، التي طرحهــا الشيـــخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، إلى جانب جهوده التربوية والتعليمية والدعوية، وحماية الشخصية الجزائرية من الذوبان، تحريم التجنس بجنسية المحتل، الذي كان يحاول الإتيان على كل ما هو عربي مسلم، على مستوى الأرض والإنسان معًا.. وقد يكون من المفيد أن نثبت نص الفتوى بتحريم التجنس قبل إلقاء بعض الأضواء عليها.

يقول ابن باديس: (التجنس بجنسية غير إسلامية، يقتضي رفض أحكام الشريعة، ومن رفض حكمًا واحدًا من أحكام الإسلام عُد مرتدًا عن الإسلام بالإجماع، فالمتجنس مرتد بالإجماع).

ولا أريد ابتداءً أن أشير إلى دور هذه الفتوى، وكيف أنها كانت في حينها أمضى من أسلحة جيش كامل العتاد، وما كان لها من الأثر البالغ في حماية الذات والهوية، والاعتزاز بالثقافة العربية والإسلامية وربط الشعب بالقيم الإسلامية في الجزائر، في مرحلة المواجهة والتذويب.. كما أني لست بسبيل المقارنة بين هذه الفتوى وموقعها من النفس، ودورها في الصمود والمواجهة، وبين مئات الفتاوى التي أصبح ديدن أصحابها العبث والتلاعب بالأحكام الشرعية، وتفصيلها حسب الطلب، بل لقد وصل التهافت مع الأسف إلى درجة السؤال عن المطلوب قبل الفتوى، حتى تتم (فبركة) الفتوى من أجله، فهي تحل اليوم ما حرّمته البارحة، وتحرّم غدًا ما أحلته اليوم.. وبعض السياسيين، لا مانع عندهم من توظيف الدين لخدمتهم، في الوقت الذي يحاولون فيه فصل قيم الدين عن حكم الحياة.. ونحمد الله سبحانه وتعالى أن أصبحت الأمة على إدراك كامل لطبيعة مثل هذه الفتاوى، التي تلهث وراء السياسة، وتصنع لها المسوغات، والتي لا تتجاوز إقناع حتى أصحابها.. كما نحمد الله أنه لا يوجد في الإسلام كهانات تتحدث باسم الله إلى الناس، مهما كانت مواقعها ووظائفها.

وأعتقد أنه لابد أن نتوقف قليلاً عند هذه الفتوى، التي شكلت عمقًا ثقافيًا لا يجوز تجاوزه في ضمير الأمة، وبعدًا تاريخيًا وسياسيًا لا يمكن طمسه وإغفاله، ذلك أن لهذه الفتوى ظروفها المحيطة، ومرحلتها الدقيقة، وأسبابها ومسوغاتها، وقد شكلت إحدى الأسلحة الماضية في المعركة، والفتوى كما يقال على حسب حال المستفتي، فقد جاءت بوقتها محكومة بمجموعة شرائط، وبالتالي لا يمكــن النظــر إليهــا مـن خـارج ظروفهــا، أو وضعهــا خــارج إطارهــا، وإغفال مقاصدها.

كما لا يمكن تعميمها على كل الحالات والظروف المختلفة اليوم، وقد انتهى حال الكثير من بلدان العالم الإسلامي إلى ما نعلم جميعًا، فهناك الكثير من الأقليات المسلمة في دول أوروبا وأمريكا وأستراليا وسائر بلاد العالم، سواء كانت مهاجرة أو اعتنقت الإسلام هناك، تحمل جنسيات البلاد التي تقيم فيها، وتؤمِّن لها هذه الجنسيات الكثير من الحقوق، وتمنحها الكثير من حرية الحركة والممارسة، وفي مقدمتها حرية العقيدة والعبادة واختيار الانتماء الثقافي، كما تمكنها من الاندماج -وليس الذوبان- في تلك المجتمعات، الأمر الذي يتيح لها نشر عقيدتها، والإغراء بها، وإثارة الاقتداء.

والحقيقة أن هذه الحالات وهذا الواقع الديمغرافي الجديد، يحتاج إلى فقه دقيق، وفهم عميق، يحيط بالقضايا من جميع جوانبها، ويحسن تقدير المصلحة الإسلامية المؤقتة والدائمة، في ضوء ظروف تلك الأقليات وظروف العالم الإسلامي، وهذا لا يعني الدعوة إلى التنازل عن الهوية، فجنسية المسلم عقيدته، وليست الأرض التي يعيش عليها، وإن كانت الأرض كلها لله. لذلك فالمسلم لا يعاني من عُقدة الاغتراب، ولا عقدة الأوراق التي يحملها، لأنها تشكل في النهاية جوازات مرور، وتحقيق مصالح، وتأمين حقوق، وأوضاع شرعية، قد تكون مفقودة في بعض بلدان العالم الإسلامي.

ونستطيع أن نقول اليوم: إن الجغرافيا السياسية بدأت تتراجع إلى حدٍ ما، أمام الجغرافيا الثقافية، والحدود السياسية بدأت تذوب أمام الضَّخِّ الإعلامي والثقافي، والأمور تقدر بقدرها.. وسيبقى فقه هذه الأقليات الإسلامية مطلبًا ملحًا، بحيث يشكل حماية للمسلمين، بقدر ما يشكل دليل تعامل مع المجتمعات التي يعيشون فيها.

أما إذا تعارض التجنس مع الدين، وكان من شروطه التنازل عن العقيدة والعبادة، والتنكر لقيم الإسلام والإنكار لها، فهذا له شأن آخر وفتوى أخرى، قد تحكمها الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، بلا بغي ولا عدوان.
والمطلوب أن نأخذ حذرنا، ونستشرف مستقبلنا، ونطرح السؤال الدائم: إلى أي مدى يمكن أن يؤدي منح هذه الجنسيات إلى التذويب المستقبلي للأجيال، أو يحقق ويسهل بعض الحقوق والمواقع الإيجابية لنشر الإسلام، والإغراء باعتناقه، وإثارة الاقتداء بأهله، بحيث لا تبقى الأقليات المسلمة جسمًا غريبًا ? وأعتقد أن مثل هذه القضية، لا يمكن أن تحكمها فتوى عامة، وإنما لكل حالة حكمها، ولكل واقع ظروفه.. والخشية كل الخشية أن تتحول هذه الجنسيات إلى معابر غزو إلى مجتمعات الإسلام والمسلمين لإلحاق الضرر بأهلها، واستلابهم ثقافيًا. والقضية أولاً وأخيرًا مرتبطة بالمسلم نفسه، ومدى إدراكه لرسالته ومجتمعه، وكونه في مستوى إسلامه وعصره معًا، وبذلك يصبح قادرًا وفاعلاً في كل الظروف، وليس كَلاًّ على نفسه ومجتمعه وأمته وانتمائه.. ويتأكد دور المسلم وفاعليته أكثر فأكثر في مرحلة تحول العالم من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الثقافية -كما أسلفنا- والتوجه نحو العولمة وصراع الثقافات أو حوار الثقافات، وما يمكن أن يكون من دور للأقليات المسلمة كمواقع متقدمة في الثقافات والحضارات الأخرى، تحمل لها الخير، وتلحق بها الرحمة، وتقنع أهلها أن الإسلام أصلاً ليس دينًا عرقيًا أو طائفيًا، وإنما هو دين الإنسانية جمعاء.


آخر التغريدات: