جديدنـا:

تأبين الدكتور محمد الصالح بن جلول للشيخ عبد الحميد بن باديس في 17 أفريل سنة 1940

تأبين الدكتور محمد الصالح بن جلول للشيخ عبد الحميد بن باديس في 17 أفريل سنة 1940

أ)- شئ عن حياة الشيخ عبد الحميد بن باديس : هو عبد الحميد بن محمد بن المصطفى بن المكي بن محمد كحول بن الحاج علي النوري بن محمد بن محمد بن عبد الرحمان بن بركات بن عبد الرحمان بن باديس الصنهاجي, ووالدته هي السيدة الفاضلة الزهراء بنت بن جلول عمة الطبيب محمد الصالح بن جلول.

 ولد الشيخ بقسنطينة يوم الثاني عشر ربيع الثاني من عام 1307هـ الموافق للخامس ديسمبر سنة 1889م. ينتمي عبد الحميد بن باديس إلى أسرة عريقة في النسب كما يقول مؤلفا كتاب أحيان المغاربة المستشرقان Marthe et Edmond Gouvionوالمنشور بمطبعة فوناتانا في الجزائر 1920, بأن ابن باديس ينتمي إلى بيت عريق في العلم والسؤدد ينتهي نسبه في سلسلة كعمود الصبح إلى بني باديس الذين جدهم الأعلى هو مناد بن مكنس الذي ظهرت علامات شرفه وسيطرته في وسط قبيلته في حدود القرن الرابع الهجري, وأصل هذه القبيلة كما يقول المستشرقان من ملكانة أو تلكانة وهي فرع من صنهاجة, وآخر أشراف هذه العائلة هو سي مصطفى بن باديس والد الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي وشحت فرنسا صدره بميدالية Chevalier de la légion la légion d’honneur.

تزوج الشيخ عبد الحميد بن باديس في سن مبكرة وهو لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره حين تم عقد زواجه في 08 مارس 1901, ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره دخل بيت الزوجية في حدود 1903. أنجب عبد الحميد بن باديس من هذا الزواج المبكر ولدا سماه إسماعيل, لكنه مات ببندقية صيد في ضيعة جده إذ يقال إنه كان يلعب بها فأطلق منها النار فأصابته وذلك عام 1919.

ب)- شئ عن مدينة العلم والعلماء:

عاش عبد الحميد بن باديس في مدينة يقال لها مجازا – حسب رأيي – “مدينة العلم والعلماء” ولكنها في الواقع التاريخي كانت أقسى المدن على العلماء وأكثرها فتكا بهم. وفي الحقيقة مثل هذه الظاهرة العدوانية اتجاه العلم والعلماء هي سمة اختص بها القطر الجزائري عير تاريخه الطويل, وما أسماء لامعة كشاعر تلمسان الأكبر ابن خميس التلمساني إلا مثالا ساطعا على العدوانية والكراهية للمثقف التميز, إذ كفرته مدينته تلمسان وسلط عليه قاضيها القرشي شواظا من لهب, ورماه بالزندقة والفجور حتى أجبره على الهروب ليلا من مدينته قاطعا مغرب الأرض على قدميه إلى أن حط به الرحال في إمارة غرناطة, ومن سوء حظه أنه مات مقتولا هنا في أبشع مجزرة عرفتها هذه الإمارة المتقلبة الأوضاع.

كما تعرض العديد من أعلام الجزائر إلى الطرد والتشهير والإهانة وإجبارهم على الهجرة, ولم يُكتب للجزائر أن رفعت من شأن علم من أعلامها, وجعلت منه منارة يهتدى بها, وكانت قسنطينة علامة بارزة في مثل هذه الممارسات العدوانية للعلم والعلماء, ويكفي للتذكير بتجاهلها المخجل لشاعرها الكبير علي بن لفقون الذي وصل من أجله الرحالة الأندلسي العبدري إلى قسنطينة كي يظفر برواية صحيحة السند لقصيدته المشهورة من أفواه أهلها, لكنه أصيب بخيبة أمل حين وجد أن لا أحد من أهل قسنطينة يعرف هذا الشاعر ولا يحفظ قصيدته.

ومن ممارسات هذه المدينة العدائية ما فعلته بعالمها الجليل وقطب أعلامها سيدي عبن المؤمن الذي أفاض مؤرخ قسنطينة ابن العطار في وصف النهاية المأساوية التي لحقت بهذا العالم الجليل بعد أن تواطأت بعض الأسر المرموقة في الكيد له حتى انتهى ممثلا بجسده في “سطحة المنصورة” على يد الأتراك العثمانيين.

ولا تنسى قسنطينة كذلك موقفها من عبد القادر الراشدي القسنطيني الذي أوفيته حقه في التقديم الذي قدمت به كتابه الذي حققته وهو “تحفة الإخوان في تحريم الدخان” فهذا العالم الجليل الذي شهد له الورتلاني بالفضل والإجتهاد في رحلته نجد القسنطينيين يجمعون أمرهم على محاصرته ثم طرده, وإلحاق التهم المشينة بشخصيته إلى درجة إخراجه من الملة والدين مستنكرين عليه تأليفه المثير “أصول عائلات قسنطينة” الذي كشف فيه خبايا وأسرار هذه المدينة, وظلت هذه اللعنة العدائية تلاحق الراشدي إلى غاية القرن الواحد والعشرين فقد أعدمت وزارة التربية الجزائرية الحالية والتي يقودها المسمى أبو بكر بن بوزيد مؤلفه “تحفة الإخوان في تحريم الدخان” وأصدرت في حقه فرمانا يمنعه من التداول في المدارس رغم أن محتواه يتماشى مع ما تدعو إليه كل منظمات الدنيا الإنسانية التي تحارب التدخين ومضاره.

ولعل ذنب هذا المصنف – في رأينا- هو احتواء عنوانه على كلمة “إخوان” وإلا كيف يحارب مصنف سبق المنظمات الدولية الداعية إلى محاربة آفة التدخين؟

فهل هو عداء قسنطينة للعلم وللمجتهدين, أم هو عداء الجزائر ككل, لكن مجتهد معتد بعلمه, وبدرايته ذات السند الصحيح, فهذا ليس المثال الوحيد الذي جابهت به قسنطينة أعلامها وهي المدينة التي قال في حقها العبدري :”إنها كالحسناء لبست أسمالا, والشجاع أثخن جراحا”, وقال في حقها الورتلاني: “أهلها بين اعتقاد وانتقاد يقل فيها الحلال ويكثر فيها الحرام, السبّ والشتم جار في أسواقها…” ولعلها مظاهر لاتزال تميّز قسنطينة إلى يومنا هذا عن بقية مدن الجزائر, إذا لم نقل عن بقية مدن الدنيا.

فما أسماء كالعالم الشيخ عاشور الذي بلغت كراهية القسنطينيين لعلمه درجة حرموا فيها إلقاء السلام عليه, ومنع الطلاب من الاستفادة بعلمه, أو حتى الوقوف معه والتكلم إليه, فمات المسكين مغموما في عزلته عام 1938. ولعل الموقف ذاته اتخذته قسنطينة من عالمها محمد الصالح بن مهنا الذي صودرت مؤلفاته, وأحرقت وأتلفت على مرأى ومسمع الحاضر والغائب, وتحولت قسنطينة بهذا الصنيع المخجل في حق العلم والعلماء كما لو أنها محكمة من محاكم التفتيش في العصور الوسطى, وكان ذنب هذا العالم الوحيد هو تصديه للزيف والانحراف ومحاربته الضلال والدروشة والجهر بدعوة الحق والصدع بها في المحافل المحشوة بالمنافقين والمتظاهرين بالعفة, فمات بن مهنا وحيدا عام 1910, ولو لا جهد الأستاذ المرحوم سليمان الصيد لما عرف الناس شيئا عن هذا العالم الألمعي.

وقد طال هذا العداء السافر مفتي قسنطينة الشيخ المولود بن الموهوب الرجل المصلح المتفتح فأجبر, غير مخير, على مقاطعة نادي صالح باي بأن الذي كشف في ندواته عن عيوب قسنطينة وتعاطي أهلها لطقوس الخرافة والتمسح بعتبات أدعياء الولاية والصلاح فمات المسكين منقبضا عام 1939 ولا نجد له ذكرا اليوم, ولا لغيره ممن سبق ذكرهم في أفواه من يزعمون أنهم من “أولاد البلاد” فقد صارت “العيساوة والفقيرات” وكل ما ذكره الحسن الوزان في رحلته وهو يعدد طقوس قسنطينة الغرائبية من مثل النشرة في الغراب وسيدي مسيد والوصفان وغير ذلك, وهي مظاهر صارت أشهر من هؤلاء الأعلام الذين سبق ذكرهم.

ج)- أيام الشيخ عبد الحميد بن باديس الأخيرة:

بهذه الأمثلة القليلة من العدوانية للعلم والعلماء من طرف قسنطينة, أردت ن أخلص إلى الحديث عن الأيام الأخيرة للشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس, في مسقط رأسه, وموطن آبائه وأجداده مدينة قسنطينة التي سميت ظلما وعدوانا “مدينة العلم والعلماء” يعدما رأينا كلما فعلته بعلمائها.

فابن باديس الذي تفانى في حب الجزائر وقسنطينة, بلغ منه التعب والإرهاق مبلغا جعله في آخر أيامه كما يقول ابن جلول لا يقوى على تجاوز مسافة تقدر بمئتي متر على قدميه نظرا لتمكن المرض من جسمه النحيف المتهالك, فكان مرقده إلى جوار حجرة دروسه ولما أنهكه العيي, وهو الذي قاومه خمسين سنة, أذن لطلابه لأول مرة في حياته منحهم خمسة عشر يوما كعطلة بمناسبة المولد النبوي بعدما عرف عنه أنه لم يكن يقبل بأكثر من ثلاثة أيام كتوقف عن التحصيل, ولما أظهر طلابه المتعلقون به تعجبعهم من هذا التسريح الذي يدوم نصف شهر, أجابهم بلغة يائسة وألم يمزق أحشاءه وحسرة تعتصر قلبه :”إنني متهالك… إنني مريض للغاية فاعذروني” فلم يعلن رجل كابن باديس أنه انهار فمعنى ذلك أن في الأمر ما يدفع إلى التساؤل عن كيفية الرعاية التي كان يحظى بها في مدينة قسنطينة وأعني بذلك الرعاية الصحية والغذائية والنفسية.

كانت آهاته – كما يقول أحد شهود العيان – متتابعة نتيجة الألم الذي كان يعصف بذاته, وعيناه اللتان كانتا تقدحان شررا كما يذكرهما ابن جلول, قد اعتراهما الذبول, وشعر لحيته مبعثر في غير نظام وكان ممتدا على بطنه وحيدا في حجرته الواقعة في عرينه بالجامع الأخضر موليا وجهه شطر الباب, وواضعا رأسه على راحتيه, ومعتمدا على مرفقيه, كانت حالته تنذر بالخطر الشديد.

ولما أعلن البرّاح في الناس خبر وفاته اهتزّت أوجاع تلاميذه ومساعديه في مهنة التعليم والمتاعب, ويقال إنه بعد موته سلمت برانيسه إلى أحد طلابه, وهو الذي حرص كما نعلم طوال حياته أن يظهر في ملبسه على طريقة أجداده فلم يفارق الصوف جسده النحيف, وكيف تراه يستبدله بغيره وهو الذي رفض طلب فرنسا تعليم اللغة الفرنسية بمدرسة التربية والتعليم؟ وهو الذي حمل جثمانه إلى مثواه الأخير طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وهو الذي احتشد لتشييع جنازته ما يزيد عن مائة ألف نسمة في حين كان عدد سكان قسنطينة آنذاك لا يتجاوز 50 ألف نسمة فمن أين هبت لتشييعه هذه الأفندة يا ترى؟

ويقول بعض الذين شهدوا الحدث الجلل أنه لو تريث والده لدفنه في يوم آخر لتضاعف عدد المشيعين لجنازته الذين قدموا من كل حدب وصوب, كما يقال إنه لو لم تمنع السلطات الاستعمارية تدفق هذه الجماهير المتطلعة لرحيل عالمها وهاديها ومرشدها لعم مدينة قسنطينة طوفان بشري لم تشهده قديما, ونعتقد أنها لن تشهده مستقبلا. وهو ما جعل هذه المدينة الجاحدة لجهود أعلامها تخجل من هذا الفيض الرباني الذي أغدقه ابن باديس عليها ليجعلها تتلبس جهرا وكرها سمة “مدينة العلم والعلماء”.

دفن الشيخ عبد الحميد بن باديس عصرا في السابع عشر من أفريل من عام 1940 بعد أن فارقته الحياة في الساعة الثانية والنصف بعد الزوال في السادس عشر من أفريل 1940 وهو لم يمض على تركه للتدريس إلا ثلاثة أيام. وكيف يتركه وهو القائل قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة :”لا أموت ميتة البعير بعد أن قضيت كل عمري عاملا واقفا”.

وقد تولى أداء الصلاة على جنازته بمقبرة مدينة قسنطينة الشيخ العربي التبسي, كما تولى تأبينه كل من الشيخ مبارك الميلي والعربي التبسي والدكتور محمد الصالح بن جلول يجدر أن نشير إلى التفاتة هامة وردت في رسالة الشاعر حمزة بوكوشة عضو جمعية العلماء الملمين عاتبا فيها على الشيخ الطيب العقبي, الذي لفت انتباه العامة والخاصة غيابه عن تشييع هذه الجنازة المهيبة, وهو ما جعله يقول في عتابه الموجه للطيب العقبي والمؤرخ في 19 أفريل 1940 :”…أنا آسف جدا كل الأسف لتأخركم عن مشاركة إخوانكم المصلحين في مصابكم, ومصابهم الجلل, وإن كنت موقنا بأنكم تعرفون فضائل ابن باديس أكثر مني, ومؤمنا أنكم لا تغمطونه حقه في الغيب والشهادة غير أنه يسوء في توهم العامة أن اختلاف الرأي بينكم وبينه حال بينكم وبين الشخوص إلى جنازته, والسلام عليكم وعلى من معكم”.

فهذه الإشارة لها من الدلالات ما يجعلها تتأكد أكثر في الكلمة التأبينية التي ألقها الدكتور محمد الصالح بن جلول.

1)- يظهر في عتاب حمزة بوكوشة مدى الشرخ الذي اتسع بين الشيخ ابن باديس ورفيقه الشيخ الطيب العقبي إلى درجة حالت دون مشاركة هذا الأخير في تشييع رائد النهضة الإصلاحية.

د)- شئ من تأبين الدكتور محمد الصالح بن جلول للشيخ عبد الحميد بن باديس:

من بين المأبنين البارزين للشيخ ابن باديس ابن خاله الدكتور محمد الصالح بن جلول الذي أفاض في رصد فضائل الشيخ ومواقفه, ومجاهدته, وقيادته الرشيدة لجمعية العلماء المسلمين. وقد نشر هذا التأبين في جريدة ابن جلول الحزبية المعروفة باسم جريدة  L’entante في عددها الصادر يوم 09 ماي 1940, جاء في افتتاحية هذا التأبين قول ابن جلول :”إني أقدم باللغة الفرنسية أمام هذا القبر احتراماتي السامية للشيخ عبد الحميد بن باديس, أقدمها له بهذه اللغة التي كان الشيخ يود لو أنه تعلمها, وتكلم بها, والتي كان يفهمها من غير أن يكون قد درسها أبدا والتي كان غالبا ما يدرك عباراتها والفروق المتنوعة بينها وقد كان في استطاعته لو أراد أن يتفهمها بحذق نادر. وما إتقان أخيه الزبير لها إلا دليل على ذلك, وكان يعتبرها مثلنا اللغة الأم الثانية…” هكذا افتتح ابن جلول خطابه التأبيني مؤكدا على عدمك معرفة ابن باديس للغة الفرنسية, ولا ندري من أين جاءه اليقين في كون ابن باديس كان يتمنى لو تعلمها وتحدث بها, وكذا اعتقاد ابن باديس بأنها لغة الأم الثانية … ويروح ابن جلول مؤكدا على معرفته بابن باديس منذ ثلاثين سنة لما كان يافعا يتعاطى التحصيل في مساجد قسنطينة حيث كان مثالا للتلميذ المواظب والمجتهد… كما أشار ابن جلول إلى عراقة عائلة ابن باديس في الشرف حيث بلغ بها المقام أن تقلد أجداده الحكم في الأندلس, كما عرج على فضائل ابن باديس لما قاد بجدارة فائقة جمعية العلماء المسلمين, والتي بدون شك ستشعر بخسارة لشغور منصبه لأنه لا يوجد من هو في مستواه ليخلفه على رأس هذه الجمعية ويديرها بمثل سلطته وعقيدته.

ثم يشير ابن جلول إلى مرض ابن باديس الذي ظل مجهولا حتى عند أقرب الناس إليه فيقول :”وبحكم مهنتي كطبيب تشرفت ببذل المعالجة له خلال مرضه الأخير, الذي قضى عليه ولم يرض بالتوجه إلي ومنحي ثقته لمعالجته إلا بعد أن فطنا له مرهق منذ عهد بعيد, وأن مشيه من مكتبه إلى الجمعية, إلى الجامع الأخضر قد أصبح مضنيا بالنسبة إليه, وقد بذلت ما في وسعي لكسب ثقته, وبذل الشفاء له, ويا أسفاه فالمرض قد كان يمخر جسمه شيئا فشيئا” يواصل ابن جلول تأبينه معددا مكارم أخلاق ابن باديس وإيمانه بقضيته الذي لا تهزه الزعازع, وكذا تفنيه إلى حد التضحية في سبيل عقيدته, فيقول ابن جلول :”وقد كان الشيخ في هذا الميدان كالحواريين الهداة, ولازلت ألحظ وجهه الحلو المسيحي مفعما بالجلال, هذا الوجه دفن نائبا فرنسيا بارزا للقول : إنه ظهور جديد للمسيح…”.

ثم يؤكد ابن جلول أن ابن باديس قبل مباشرته لدعوته الإصلاحية : كان في بداية أمره متفاهما مع كافة جيرانه وكانت له علاقات حسنة معهم ومع رؤساء الطريقة, وكان دائما ضيفا محبوبا وموضع ترحيب عندما ينزل على الشيخ سيدي عبد الرحمان بن الحملاوي وعند أولاد الشيخ الزواوي, ولازلت أذكر إلى حد الآن الأماسي التي نقضيها مع الشيخ ابن باديس في سيدي قموش بحضور شخصيات من أمثال مصطفى باشتارزي والقاضي السابق بلحاج كحول وأخيه الشيخ محمود وإمام الجزائر السيد بلونيسي وسي علاوة…. آه لو بقينا معتصمين في حياتنا بمثل ذاك الجو, وبمثل تلك الحكمة التي كانت توصينا بها تلك الأدمغة الصافية من أمثال سيدي مصطفى باشتارزي وسي علاوة وبوشريط, وسي محمد أمزيان, وسي علاوة بلونيس, والتي لازالت على قيد الحياة أمثال سي مصطفى بن باديس والد الشيخ المرحوم, وسي عبد الرحمان بن بيبي… لتجنبنا العديد من الصدامات الكثير من حالات سوء التفاهم” وهو إقرار من ابن جلول يستشف من خلاله تعكر صفو العلاقات بين هذه الثلة من أعيان قسنطينة وعبد الحميد بن باديس, والظاهر أن كل طرف قد انحاز إلى قناعاته وهو ما جعل علاقاتهم تسوء مع الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي كان نهجه واضحا وملتزما بمبادئه التي لا تخرج عن دائرتي الكتاب والسنة وهو ما أتاح لأعدائه كما يقول ابن جلول تضاعف عددهم, لأن الإنسان كلما كانت مواهبه عديدة كان عدد أعدائه أكثر.

هذه بعض الملامح المختصرة من الخطاب التأبيني الذي ألقاه محمد الصالح بن جلول في ذلك اليوم المشهود من توديع رائد النهضة الإصلاحية الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس, الذي نتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يسكنه فسيح جنانه ويغدق عليه شآبيب رحمته.


آخر التغريدات: