الشيخ عبد الحميد ابن باديس.. مدرسة تربية ومنهج إصلاح

بقلم:  محمد بوكحيل-

لقد اعتدنا على الاحتفاء بمناسبة يوم العلم 16 أفريل، وكلما أظلتنا الذكرى تمثلت أمام أعيننا صورة الشيخ العلامة عبد الحميد بن بأديس، أشهر زعماء الحركة الإصلاحية في الجزائر ومؤسس جمعية العلماء رحمه الله. صورة من الصعب محوها من ذاكرتنا، وأصعب منه حصر مميزاته الشخصية، وقدراته العقلية والنضالية، ومواقفه الفعالة تجاه أوضاع الأمة ومجريات أحداث تاريخها، وهو معلم مثالي ومناضل مستميت في الدفاع عن عزة شعبه وترسيخ مبادئه، مثقف وداعية لا تغرب إنارة فكره، ومصلح تبثث فعالية منهجه، غادرنا والى الأبد في 8 ربيع الأول 1359هـ الموافق:16 أفريل 1940م، وترك بصماته العميقة الأثر.

 غادرنا والجزائر في حاجة إلى من يضئ ساحتها بفتح ذهن الجزائري للتغلب على معاناته صراعه مع العدو الفرنسي، وعن معاناته من الجهل والاستسلام للبدع، والخزعبلات؟ نعم كان الجزائري محتاجا إلى عوامل تكون بواعث لأصحاب الهمم، ودوافع لذوي الإحساس المرهف وخلق الوطني الذي لا يهدأ حتى يحقق لدينه ولأمته ووطنه ما يعتبره واجباً عليه، وكان ابن بأديس من هذا النوع. وإن بروز شخصية ابن بأديس من بيئة ثرية ذات وجاهة لَهو دليل على أن رحم الجزائرية خصب، و أرضية الاعتزاز في المجتمع مهيأة لقد قضى الله أمره واختار الشيخ لجواره قبل أن يكتمل مسار استقلال الجزائر، اليوم ونحن نحيي الذكرى التاسعة والستين لوفاته،لا نزعم أننا ملمين بجميع خصاله، ومخطئ هو من يدعي ذلك أو يقول بحصر مميزاته شخصية الإمام، ونكتفي في هذه العجالة بالإشارة إلى هذه الشخصية ضمن منظور منطلقاتها ومساعيها،''مدرسة تربية ومنهج إصلاح وإرادة كفاح'' فقد كان أمة وحده، ووهب حياته لخدمة الجزائر وكرس حياته لخدمة الأمة، بالقلم والعلم والمعرفة وسيلة، والتعليم والتربية أسلوبا، وباتصالاته، وإقدامه على نشر العربية والإسلام وترسيخ مقومات الشخصية الجزائرية منهج إصلاح، رغم ما لقي في سبيل ذلك من جفاء الأقربين، وحرب الأبعدين. تمسك بإحساسه الكبير تجاه الظلم والظالمين، ولم يخضع لما واجهه من ضغوط وإغراءات وكان بإمكانه أن يكون موظفاً كبيراً لدى إدارة الاستعمار، ويعيش هادئاً مرتاح البال، ولكنه اختار طريق المصلحين والمجاهدين على صعوبته ومتاعب مسالكه.

إن مجمل الأفكار التي كان يطرحها الإمام ابن بأديس في تجمعاته ودروسه ومحاضراته وكتاباته وحلقات التفسير والوعظ والإرشاد، سواء بقسنطينة أو الجزائر العاصمة أو خارجهما في الأرياف، انصبت على إعداد النشء ومسالة الهوية الوطنية، وما يرافقها ضمن الهوية العربية الإسلامية:

شعب الجزائر مسلم ... وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله... او قال مات فقد كذب

والهوية في منهج الإمام لا تعني الجنسية أو البطاقة التي يحملها الشخص لتبين انه في حدود جغرافية او يتبع دولة معينة وهي لا تحمل إلا اسم الشخص وكنيته وتاريخ ولادته ولا تشتمل حتى على اسم أبيه، بل يعتبر تلك البطاقة التي كان الاستعمار يمنحها دوسا للكرامة وإهانة للجزائريين، فمن قرأ لابن بأديس أو درس عنه يتبين انه لم يتوقف عند التعريف الفلسفي لعموميات الهوية، والوطنية، {ما يكون به الشيء هوهو، أي من حيث تشخصه وتحققه في ذاته وتمييزه عن غيره، أو إقامته ضمن حدود جغرافية}، فهو يرى أن الهوية الوطنية مجموعة من الأفكار المبنية حول مفهوم الأمة المتعدد الجوانب وحول الروابط التي يرتبط بها الأفراد والجماعات أنفسهم داخل المجموعة وتحتوي الهوية الوطنية على مكونات ثابتة وهي البيئة والبشر والتاريخ والسيادة والدين واللغة والمصير المشترك أو قل هي وعاء الضمير الجمعي. ومحتوى لهذا الضمير في نفس الأنا، بما يشمله من قيم وعادات ومقومات تكيّف وعي الجماعة وإرادتها في الوجود والحياة داخل نطاق الحفاظ على كيانها الإنساني.

ولعل مسألة ترسيخ مقومات الهوية الوطنية كانت من أكثر القضايا صعوبة و حساسية بالنسبة للإمام لأنها تنطوي بالضرورة على إغراءات أيديولوجية قد وعراقيل مادية قد تطيح بالبعد المنهجي والموضوعي للخوض في جوهر المسالة، لكن حكمته وتسلحه بالإيمان والصبر قادته على التغلب على الصعاب، ويتمكن من سبك المقومات الأساسية للهوية الوطنية الجزائرية، {الوطن اللغة والدين،والمصير المشترك..} في أطار الثقافة العربية الإسلامية، وهو الإطار الذي سعى الاستعمار الفرنسي إلى كسره طيلة 132عاماعلى احتلاله ولم يقدر، حول المساجد إلى كنائس والمدارس وصادر المدارس والمعاهد والأراضي الخصب، لكن وجد في شباب الأمة برعاية الإمام وأعضاء جمعيته مقاومة شرسة ضد التنصير والتغريب والتجهيل، ومناورة الممسوخين، ودفاعا مستميتا عن القيم.

قال احد رفاق الشيخ وهو يقف على قبره: {يا قبر، عزَّ على دفينك الصبر، وتعاصى كسرُ القلوب الحزينة على من فيك أن يُقابَل بالجبر، ورجع الجدال إلى الاعتدال بين القائلين بالاختيار والقائلين بالجبر} وهي كلمات تبسط أحد جوانب شخصية الشيخ، وتؤكد وسطيته، وتلمح إلى خصاله.

وقد تطورت الحركة الإصلاحية في الجزائر ما بين الحربين العالميتين بفضل ما بذله ابن باديس ومجموعة من أتباعه الأوفياء، من قدامى تلاميذه ومن رفاق، كان قد شجع ونظم و أشرف على إنشاء الفرق الموسيقية والمسرحية والأندية الرياضية عبر التراب الوطني.كما كان من بين أوائل القادة الذين أدركوا مدى المساهمة التي يمكن للحركة الكشفية تقديمها في تأطير الشباب وهيكلته ضمن منظمات جماهيرية.

ومن جهة أخرى، ظهرت شيئا فشيئا إلى الوجود، بإيعاز منه وتحت إشرافه، مراكز ثقافية كان أشهرها نادي الترقي بالجزائر العاصمة الذي كان يشرف على إدارته الشيخ الطيب ألعقبي، أحد رفاق العلامة الأوفياء.

نظرة تربوية إصلاحية عبر منهج متميز بالعلمية والشمولية، ما جعله مدرسة تربية ومنهج إصلاح وجنة من الظلم والفساد.


آخر التغريدات: