الإمام عبد الحميد بن باديس: النور الذي أهداه الله إلى الأمة الجزائرية

بقلم: الشيخ عمار مطاطلة-

الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام وهدانا إلى الاقتداء بخير رسله محمد ابن عبد الله عليه الصلاة والسلام. فإن هذا الشهر الذي نعده مباركا لأنه يذكرنا بخير من عرفناه بعلمه وصدقه وتقواه وعفافه، ذكرى وفاة عبد الحميد بن باديس، النور الذي أهداه الله إلى الأمة الجزائرية فكشف عنها تلك الظلمات التي غطاها بها الاستعمار الغاشم، وكان بفضل ذلك النور والعزم الصادق القوي الذي أكرم الله به عبد الحميد بن باديس وجعله لا يخشى إلا الله ويشعر بأنه يحمل أمانة الله إلى عباد الله، فكان بتقواه وعلمه وعبادة ربه وإخلاصه له في كل أعماله وحبه لوطنه ولدينه ولأمته حبّا لا يماثله عنده حبّ ما في الدنيا كلها، فأنشأ جيلا يسمع ويعي ويؤمن إيمانا صادقا مشفوعا بالعمل الصالح، في مثل هذا الشهر من سنة 1940، وهذا التاريخ يذكرنا به وبقيمته عند ربه وعند أمته التي كان أصدق الناس لها وأعز الناس عندها، وهو بذلك يعتبر عندها حيا بما تركه فيها من علم وعمل وحسن تربية وغرس إيمان وإخلاص.

يقول الشيخ البشير الإبراهيمي – رحمه الله-:" يموت العظماء فلا يندثر إلا العنصر الترابي الذي يرجع إلى أصله وتبقى معانيهم الحية في الأرض قوة تحرك ورابطة تجمع ونورا يهدي وعطرا ينعش، وهذا هو معنى العظمة، وهذا هو معنى كل العظمة خلودا فإن كل ما يخلف العظماء من ميراث هو أعمال يحتديها الناس من بعدهم وأفكار يهتدون بها في الحياة وآثار مشهودة ينتفعون بها وأمجاد يعتزون بها ويفتخرون، والاعتزاز والفخر من الأغذية الروحية الحافظة لبقاء الجماعات، وهذه المجموعة من ميراث العظماء هي التي تسلسل بها حياة متتابعة الأطوار قرونا ولولاها لانفصمت حلقاتها فكان لكل فرد قانون خاص وحياة خاصة مقطوعة الصلة عن قبلها وعن بعدها، فيفسد النظام ويختل التوازن وينعدم التشاكل فينعدم التعاون ". 

قال رحمه الله – يحي ذكرى عبد الحميد بن باديس – رفيقه وصديقه وأحبّ الناس إليه، يقول في ذكراه قبل أن يلتحق به: " عبد الحميد ابن باديس عظيم بأكمل ما تعطيه هذه الكلمة من معنى، وهو عظيم في علمه، عظيم في أعماله، عظيم في بيانه وقوة حجته، عظيم في تربيته وتثقيفه لجيل كامل، عظيم في مواقفه في المألوف الذي صيره السكوت دينا، وفي المخوف الذي صيره الخضوع إلاها، عظيم في بنائه وهدمه، عظيم في حربه وفي سلمه، عظيم في اعتزازه بإخوانه ووفائه لهم، يخرجون من العدم وجودا وينشؤون من الموت حياة، فكل ذلك فعل عبد الحميد بن باديس في الأمة الجزائرية" وهذه الذكريات التي يقيمها الناس لعظمائهم والمذكرات التي ينصبونها لبقاء أسمائهم محفوظة وأعمالهم ملحوظة هي تجديد للعهد بهم، وتجديد للاتصال الروحاني الذي يربط الفروع بالأصل.

وذكرى عبد الحميد بن باديس هي ذكرى أعماله وآثاره في الأمة، فهذه اليقظة المتفشية فيها، وهذه الحركات السارية كالنار في الضرام، وهذه النظرات الجديدة في الحياة، وهذه الاتجاهات المسددة فيها، وهذا التجدد في الأذهان والعقول، وهذا التصلب في المقاومة، وهذه الأقلام الجارية بالبيان العربي، وهذه الألسنة المحلولة العقد بالخطابة، كلها مذكرات بعبد الحميد وفي كل منها أثر من يده وأثارة من عقله ونفخة في روحه دعى إليها وجهر بها وعمل لها وغرسها في نفوس تلامذته بالدرس وفي عقول جلسائه بالمذاكرات وفي عامة الأمة بالمحاضرات ".

رحم الله علماءنا وألحقهم بالصالحين من عباده ورئيسهم ودليلهم عبد الحميد بن باديس، واختيارهم من بين بقية المنتسبين إلى العلم، كان من هؤلاء الأخيار الذين هدموا الاستعمار، وبنوا العزة في قلوب أبناء الجزائر الأحرار ونذكر منهم – رحمهم الله – وجزاهم عنا خير الجزاء الإمام البشير الإبراهيمي والشيخ امبارك الميلي والشهيد العربي التبسي والشهيد الأمين العمودي، والشيخ محمد خير الدين وغيرهم كثيرون، وعلى أبناء الجزائر ألا تنسيهم تقلبات الأيام والخيالات والأوهام والكفار والفجار والمفسدون في الأرض والذين إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم فاحذرهم هم العدو قاتلهم الله أني يؤفكون، أولئك الذين قال الله فيهم: " إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون، سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ".

حفظنا الله من شرهم ولقّانا بعلمائنا نظرة وسرورا، وجعلنا نحيا ونعيش بالحق ومع الحق ومع أهل الحق، وعافانا من عبادة الأصنام البشرية وأراحنا من الطمع والتزلف والتقرب إلى من أبعده الله من رحمته وسلطه على الضعفاء من عباده، حفظنا الله وإياكم ... والسلام عليكم.


آخر التغريدات: