الشيخ عبد الحميد ابن باديس والحوار مع الحساسيات السياسي

بقلم: د. يحي بوعزيز-

الشيخ عبد الحميد بن باديس، مؤسس النهضة والحركة الإصلاحية في الجزائر، هو رجلا لحوار دون منازع ظهر في وقت استكمل فيه الاستعمار الفرنسي قبضته الحديدية على البلاد والعباد، ماديا وأدبيا، وتصور مخطئا بأنه تجدر بصفة نهائية في هذه البلاد.

 وقد تزامن ظهور الشيخ باديس مع ظهور طلائع الهيئات، والحركات السياسية والوطنية الجزائرية، بدءا بجماعة النخبة(1912)، ودعاة التخميس (1919)، ونجم شمال إفريقيا (1926) وكتلة النواب الماليين المنتخبين (1931)، وهيئة المؤتمر الإسلامي (1936)، الى حزب الشعب الجزائري (1937).

وسبق ظهور حركة الشيخ باديس الإصلاحية قيام حركة جمال الدين الأفغاني، عبد الرحمان الكواكبي، ومحمد عبده، ورشيد رضا، في الشرق العربي الإسلامي، وحركة خير الدين التونسي في تونس، وعاصره في الجزائر : الشيخ البشير الإبراهيمي و الشيخ الطيب العقبي، والشيخ عبد الحميد سماية، والحاج حسن الطرابلسي، وفي تونس عبد العزيز ثعالبي، والبشير صفر، وعلي باشا حامية، والطاهر بن عاشور.

ومن سمات حركة الشيخ باديس الإصلاحية، التمسك الثابت بمبدأ الحوار والتعايش، والتسامح، والإقناع، و الإبتعاد  عن أساليب الخشونة، والعنف و الإصطدام.

وذلك نابع من الثقافة التي تزود بها، والتكوين و التربية الذين ورثها عن والده، وشيوخه الذين تولوا تربيته ف يالجزائر، تونس، ومصر، والحجاز، وسوف نحاول أن نستعرض في تداخلنا هذا عددا من مواقف الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس تجاه السلطات الإستعمارية و الحركات السياسية المعاصرة له و رجالاتها، حتى نتعرف على أساليبه في الحوار والمناقشة و الإقناع، حول القضايا المطروحة آنذاك، السهلة منها والمعقدة ، البسيطة، والشائكة.

ولنبدأ بمواقفة وحوارات مع الادارة الاستعمارية التي مافتئت منذ مطلع القرن العشرين تسعى وتعمل جاهدة لإذابة الشعب الجزائري المسلم في المجتمع الفرنسي، المسيحي النصراني الأروروبي، مع إبقائه في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة ، وإلحاق أرضه ووطنه ، بالتراب الفرنسي ، تعسفا رغم وجود البحر المتوسط الطويل والعريض فاصلا بينهما.

فقد تصدى الشيخ باديس لمقاومة هذه السياسة الإستعمارية الجائرة ، وسخر لسانه وقلمه لذلك عبر جرائد: المنتقد (1925)، والشهاب (1925)، والسنة المحمدية (1933) والشريعة المطهرة (1933) والسراط السوي (1933) وأخيرا البصائر (1935)، بمقالاته ، وخطبه ، وأحاديثه ، ونقاشاته ، وحواراته الهادئة والهادفة ، والمؤثرة وسنت جمعية العلماء التي يترأسها شعار: " الإسلام ديننا ، والعربية لغتنا ، والجزائر وطننا" ، لتقطع خط الرجعة على الإستعمار وأذنابه ، وأعوانه، ولم تكف بهذا فأصدرت خلال عقد الثلاثينات فتوى بتفكير كل من يتجنس بالجنسية الفرنسية ، وارتداده عن دينه الإسلامي، بعد أن تفشي الشعار، وطغى على عقول الفئة الضالة الداعية لذلك ووضعت حدا لكل الأقاويل، والتأويلات، حول خذه السياسة الإنخذالية، والإرتدادية والإستلابية.

أما التيارات السياسية الجزائرية فقد بدأ حواراته معها بدء الجماعة النخبة التي ظهرت عام 1912 بعرضتيها المشهورة كرد فعل لصدور قرار التجنيد الإجباري للشبان المسلمين الجزائيين في الجيش الفرنسي و التي سلمت بالإحتلال الفرنسي كواقع، و لكنها طالبت بعدد من الإصلاحيات، مقابل قبولها بمبدأ التجنيد و على رئسها تحقيق المساوات العاملة بين الأوربيين المسحيين و الجزائريين المسلمين.

ومع أن الشيخ باديس يختلف جذريا ، في تكوينه الفكري و الثقافي و التربوي ، عن هذه الجماعة، ولكنه  شاطرهم في بعض مطالبهم ، و خاصة مبدء المساواة.

و أثنى كثيرا على الأمير خالد، أبرز إعفاء هذه الجماعة، و إتخذ نموذجا للحوار و المناقشة، والإقناع، وللتمسك بالشخصية الجزائرية المتمثلة في الإسلام، و اللغة، و العقيدة، و اللباس، وفي رفض الجنسية الفرنسية  التي تشرط التخلي عن الإسلام كما ينص على ذلك قانون جورج كليما نحو عام 1919 م. وقد صور ابن باديس حالة الجزائر المزرية أبلغ تصير خلال العقود الأربعة الأولى للقرن العشرين، و ذلك في الفقرة التالية التي وردت ضمن مقال مطول لتأبين الأمير خالد، عام 1936م فقال : "كانت الجزائر في تلك الاوقات تعاني أزمة من أغرب و أفتك الأزمات، بالحقوق معدومة، و المضالم مرهقة، والضرائب فادحة والأحكام الزجرية قاسية رهيبة، و لا يكاد يجتمع ثلاثة من المسلمين حتى يكون البوليس "الشرطي" رابعهم و قد انحطت الأخلاق تجاه هذه النكبات، و الفت النفوس الخموع، و الإنزواء، ومن تكلم أو تحرك غد ثائرا مقاوما للسلطة(الشهاب أبريل 1936).

وبقدر ما كان الشيخ باديس راضيا على الأمير خالد و اتجاهه، كان ناقما على غيره من دعاة الجنسية واتسم حواره معهم بالشدة، و أحيانا حتى بالزجر الأدبي طبعا، بعد أن بالغوا وتجاوزوا الحدود المعقولة وقبلوا بالتخلي عن عقيدتهم الإسلامية مقابل الحصول على الجنسية الفرنسية الأوروبية المسيحية النصرانية وحاورهم بمنطق التاريخ الذي لا يجابي احدا، وبمنطق الواقع الذي لا تشوبه اية شائبة كما تدل على ذلك الأبيات التالية من نشيده الخالد:

     شعب الجزائر مســـــلم              والى العـــروبة ينتسب

   من قال حاد عن أصــــله             أو قال مات فقد كـــذب

     أو راح ادمـــــاجا لـــــــه               رام المحال من الطلــب

وكان رده على فرحات عباس و حواراته معه أبلغ و أعظم تأثيرا، بعد أن تجاوز كل الحدود،على عكس غيره.ذلك أن هذا الرجل منذ أواخر العشرينات و هو يتطاول على البلاد والعباد، فقال في مقال له نشره في كتابه الشباب الجزائري عام 1931 :"إن الجزائر أرض فرنسية ، ونحن فرنسيون لنا قانوننا الشخصي الإسلامي، و نأمل أن تتحول (الجزائر) من مستعمرة الى مقاطعة".؟

وفي عام 1935 خطب إمام وزير الداخلية الفرنسي ما رسيل ريني في اجتماع عام بالجزائر ، و قال :" لم يبق هناك شيء في هذه البلاد دون الإتفاق على تطبيق سياسة الإدماج، وإذابة العنصر الأهلي في العنصر الأوروبي".

و في يوم 24 فيفري 1936 نشر مقالا في جريدة التفاهم : LENTENTE  تحت عنوان : "فرنسا هي أنا" تجاوز فيه كل الحدود، وكشف عن أوراقه، و أوضح توجهاته الإستعمارية الخبيثة، وقال:" نحن الأصدقاء السياسين، للدكتور بن جلول، سنكون وطنيين، والتهمة ليست جديدة، لقد تحدثت مع شخصيات عديدة في هذه القضية. وكان رأي معروفا، و هو أن الوطنية هي ذلك الإحساس الذي يدفع بشعب ما أن يعيش داخل حدوده الإقليمية، و هو الإحساس الذي خلق هذه الشبكة من الأمم، ولو كنت إكتشفت الأمة الجزائرية لكنت وطنيا، ولن أخجل من ذلك كما يخجل (أي أحد) من جيمته. فالرجال الذين مانوا من أجل المثل الوطني هم يوميا مكرمون ومبجلون و محترمون و ليست حياتي أهم من حياتهم. ومع ذلك سوف لن أموت من أجل الوطن الجزائري لان هذا الوطن غير موجود و لم أكتشفه. و قد سألت التاريخ، وسألت الأحياء. والأموات ، وزرت المقابر ويكلمني أحد عنه".

فرد عليه ابن باديس بحوار مفحم، ومنطق لا يقبل الجدل. وذلك في مقال له بجريدة الشهاب في افريل 1936 جاء فيه :" قال البعض من النواب، المحليين، ومن الأعيان ، ومن كبار الموظفين ، في هذه البلاد، إن الأمة الجزائرية مجمعة على اعتبار نفسها أمة فرنسية بحتة لا وطن لها الا الوطن الفرنسي، ولا نماية له الا الاندماج الفعلي التام في فرنسا، ولا أمل في تحقيق هذه الرغبة الا بأن تمد فرنسا يدها بكل سرعة فتغلي جميع ما يحول دون تحقيق هذا الإندماج التام. بل لقد قال أحد النواب الناهبين (يقصد به فرحات عباس) انه فتش عن القومية الجزائرية في بطون  التاريخ فلم يحد لها من أثر، وفتش عنها في الحالة الحاضرة فلم يعثر لها على خبر و أخيرا أشرقت عليه أنوار التجلي فاذابه يصيح " فرنسا هي أنا".

وقد رد عليه الشيخ باديس بقوله و منطقه الذي لا يبل الجدل"اننا نحن فتشنا في صحف التاريخ، فتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائريين المسلمة  متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل الأمم الدنيا. ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية، واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة، وعوائدها، وأخلاقها، بما فيها من حسن وقبيح، شأن كل أمة الدنيا، ثم ان هذه الأمة لجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا، ولو أرادت، بل هي بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها وفي أخلاقها، و في عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، و لها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري محدودة الحالية المعروفة والذي يشرف على إدارة العاليا السيد المعين من طرف الدولة الفرنسية(الشهاب ج1 م12 ص45-50، محرم 1355ه-أبريل1936).

وبقدر ما كان موقف الشيخ باديس المعارض، شديدا و قطيعا، ومفحما، للتخميس، ودعاته، كان موقفه مطاوعا الى أبعد حد تجاه زعماء المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في قاعة الماجستيك بالعاصمة يوم 07 جوان 1936، والذي قيل أنه هو الذي دعى اليه أو أوحى به كما تقول بعض الروايات و هم من المنتخبين الماليين و الشيوعيين و العلماء وعلى رئسها الحكيم محمد الصالح بن جلول والصيدلي فرحات عباس وهدف هذا المؤتمر تزكية مشروع بلوم-فيوليت الداعي لادماج الجزائر بفرنسا ومنح الجنسية الفرنسية بحوالي 22 ألف مسلم، من أصل ستة ملايين جزائري مسلم.

والسؤال المطروح في هذا الموضوع هو كيف غير الشيخ باديس رأيه بسرعةووناقض نفسه وجمعيته في هذا المؤتمر الذي تتناقض مطالبه و أهدافه مع مطالب وأهداف الجمعية وفلسفتها وتوجهاتها التي تتخلص في الشعار الخالد :" الإسلام ديننا، والعربية لغتنا والجزائر وطننا".

والجواب هو كلا من ابن جلول والشيخ ابن باديس محتاجان لبعضهما البعض.

ولذلك ضحى كل منهما ببعض مواقفه للحصول على موافقة الآخر، ودعمه. فابن لول كان يرى أن عقد المؤتمر بدون جمعية العلماء، والشيخ باديس بالذات لا يمكن ان ينال النجاح، ولا ربما لا يمكن عقده أصلا فضلا عن تسميته بالمؤتمر الاسلامي.

وإذا لا بد من التحية وقبول بعض مطالب الجمعية و ادماجها ضمن مطالب المؤتمر. والشيخ باديس الذي يتبنى مطالب جمعية العلماء، ويجد مقاومة شديدة من طرف الإدارة الإستعمارية، وكتلة النواب المنتخبين الماليين، والشيوعيين وجد الفرصة سانحة ليرفضها على خذا المؤتمر، ويشترط المشاركة في تبنيها، و هو ما حصل. و هكذا ابتز كل منهما الآخر و زيادة على هذا يمكن الإشارة الى علاقة المصاهرة والنسب التي تربط عائلتي ابن جلول و باديس، و التي لها دخل أيضا في هذا التوافق المتناقض في نفس الوقت بين الرجلين، و الإتجاهين.

وقد تمثلت مطالب الشيخ باديس و جمعية العلماء التي تضمنها كناش مطالب المؤتمر في تحقيق المساواة التامة بين الاروبيين ، والمسلمين ، وفصل الدين الإسلامي عن الدولة أسوة بالمسيحية واليهودية نيص على ذلة قانون 1907م . وإعادة الأوقاف الإسلامية والمسجد ،الى أهليهاليتصرفوا كما ينص على ذلك الشرع الاسلامي و اصلاح القضاء الاسلامي والعدالة بصفة خاصة واعادة الاعتبار للغة وترسيمها في التعليم و الادارة مثل الفرنسيةً.

وترى الجمعية والشيخ باديس بالذات أن  ادماج الجزائر في فرنسا سوف يضع حدا لسيطرة المعمرين واستبدادهم بالجزائر و الجزائريين المسلمين و يخفف العبىء على الأهالي و يضع حد للقهر و الإضطهاد والإدلال المسلط عليهم من طرف هذه الشرذمة من المعمرين الأوربيين ما دامت المصالح الجزائرية ستسير من باريس نفسها وراء البحر، وليس من الجزائر، على أن يحتفظ الجزائريون بجنسيتهم الإسلامية، ولغتهم العربية وعاداتهم الموروثة و مع ذلك يبقى السؤال مطروحا كيف قبل الشيخ باديس مطالب المؤتمر التي تتمثل في الإدماج و التجنيس و ناقض نفسه، ونشيده المشار اليه سابقا؟ وصبحان مغير الأحوال.

ولعل أبرز مظاهر الحوار الجميلة والجيدة، لدى الشيخ باديس، هي حوارته ومواقفه مع زعماء التيار الإستقلالي الذي كثيرا ما يوصف زعماءه و أتباعه و قادته بالمتهورين، والمغمرين، والمقاومين، بسبب كثرة انفاعهم، وعدم مبالاتهم بالصعاب، والمتاعب، التي يتعرضون لها، ويحصدونها، وفي هذا الإطار نسترض بعض الأمثلة و النماذج لاسلوب حوار الشيخ باديس مع بعض قادة هذا التيار لاثبات تأصل الحوار في فكره و ثقافته، وتصوراته، و نقاشاته، واهتماماته. وتربيته كذلك و لميولة الإستقلالية كذلك؟

أ – فعندما ذهب وفد المؤتمر الإسلامي الى باريس و فيه الشيخ باديس خلال شهر جويلية 1936 حاملا معه مطالب المؤتمر لتسليمها الى الحكومة الفرنسية، استدعي مصالي حاج هذا الوفد الى حفلة شاي ليناقش معهم مطالبهم فرفض إبن جلول الدعوة لعلمه بموقف مصالي و حزبه المعارض بشدة لفكرة التجنيس التي تبناها المؤتمر، ولكن الشيخ باديس أصر على إجابة الدعوة وذهب مع فرحات عباس وطاهرات، للموعد و المكان، وتحاوروا مع مصالي و رفقائه، و تأثر الشيخ باديس كثيرا بأفكار مصالي ورفقائهو كان ذلك من أسباب الخلاف الذي شب فيما بعد بينه وبين الشيخ العقبي على ما قيل، وفجرنه فكرة البرقية لتأييد فرنسا في حرنها ضد ألمانيا. وهذا مما يؤكد فكرة الحزوار لدى الشيخ باديس.

وقد تمثلت مطالب الشيخ باديس و جمعية العلماء التي تضمنها كناش مطالب المؤتمر في تحقيق المساواة التامة بين الأوروبيين، المسلمين، وفصل الدين الإسلامي عن الدولة أسوة بالمسيحيةواليهودبة كما ينص على ذلة قانون 1907 م. وإعادة الأوقاف الإسلامية، والمسجد، الى أهلها ليتصرفوا فيها كما ينص على ذلك الشرع الإسلامي وإصلاح القضاء الإسلامي والعدالة بصفة عامة وإعادة الإعتبار للغة العربية وترسيمها في العليم، والإدارةمثل الفرنسية.

وترى الجمعية والشيخ باديس بالذات أن إدماج الجزائر في فرنسا سوف يضع حدا لسيطرة المعمريين وإستبدادهم بالجزائر و الجزائريين المسلمين ويخفف العبىء على الأهالي و يضع حد للقهر و الإضطهاد والإدلال المسلط عليهم من طرف هذه الشرذمة من المعمريين الأوروبيين ما دامت المصالح الجزائرية ستسير من باريس نفسها وراء البحر، و ليس من الجزائر، على أن يحتفظ بجنسيتهم الإسلامية، ولغتهم العربية وعاداتهم الموروثة وو مع ذلك يبقى السؤال مطروحا كيف قبل الشيخ باديس مطالب المؤتمرالتي تتمثل في الإدماج و التجنيس وناقض نفسه، ونشيده المشار اليه سابقا؟ وسبحان مغير الأحوال.

ولعل ابرز مظاهر الحوار الجميلة والجيدة، لدى الشيخ باديس، هي حواراته ومواقفه مع زعماء التيار الاستقلالي الذي كثيرا ما يوصف زعماءه و أتباعه وقادته بالمتهورين، والمغامرين، والمقاومين، بسبب كثرة انفاعهم، وعدم مبالاتهم بالصعاب، والمتاعب، التي يتعرضون لها، ويحصدونها، وفي هذا الإطار نستعرض بعض الأمثلة والنماذج لأسلوب حوار الشيخ باديس مع بعض قادة هذا التيار لاثبات تأصيل الحوار في فكره و ثقافته، وتصوراته، ونقاشاته، و اهتماماته. وتربيته كذلك و لميولة الاستقلالية كذلك؟

ا- فعندما ذهب وفد المؤتمر الإسلامي الى باريس وفيه الشيخ باديس خلال شهر جويلية 1936 حاملا معه مطالب المؤتمر لتسليمها الى الحكومة الفرنسية، استدعى مصالي حاج هذا الوفد الى حفلة شاي ليناقش معهم مطالبهم فرفض ابن جلول الدعوة لعلمه بموقف مصالي وحزبه المعارض بشدة لفكرة الإدماج و التجنيس التي تبناها المؤتمر، ولكن الشيخ باديس أصر على غجابة الدعوة وذهب مع فرحات عباس و طاهرات، للموعد و المكان، وتحاوروا مع مصالي ورفقائه، وتأثر الشيخ باديس كثيرا بأفكار مصالي و رفقائه و كان ذلك من اسباب الخلاف الذي شب فيما بعد بينه وبين الشيخ  العقبي على ما قيل، و فجرنه فكرة البرقية لتأييد فرنسا في حربها ضد ألمانيا. وهذا مما يؤكد فكرة الحوار لدى الشيخ باديس.

ب- وعندما عادا الوفد من فرنسا. ونظم مهرجان 2 أوت1936 في ملعب المدينة لتقديم عرض حال عن مهمته في باريس، حضر مصالي بالصدفة هذا المهرجان و طلبالكلمة، و لم يكن مبرمجا، فعارض الشيخ، وعمار أوزقان الشيوعي، ولكن الشيخ باديس أصر على أعضاء الكلمة له فتحدثو قال ضمن ما قال :" وهنا التزم باسم منظمتي، وأمام الشيخ الجليل ابن باديس، أن أعمل كل ما في وسعي لتأييد هذه المطالب.

ولخدمة القضية النبيلة التي ندافع عنها جميعا، لكننا نقول بصراحة و بشكل لا يقبل التراجع بأننا تبرأ من كراس المطالب بخصوص الحاق بلادن بفرنسا، وبخصوص التمثيل النيابي البرلماني "و بذلك سحب مصالي حاج البساط من تحت أقدام زعماء المؤتمر الإسلامي عام 1936، وكان ذلك بداية النهاية لسياسة الإدماج و التجنيس التي ستختفي نهائيا في نهاية عام 1938م.

ج – و هناك موقف آخر اذا صحت روايته هو أن ابن باديس قال في اجماع عام مع أعضاء حزب مصالي حاج بعد عودته الى الجزائر في تلك السنة 1936، و مطالبته بالإستقلال :"وهل يمكن لمن شرع في تشييد منزله أن يتركه بدون سقف، و ما غايتنا الا تحقيق الإستقلال"(عمار الطالي.ابن باديس حياته و اثاره ج1 ص 89).

د- ونختم عرضنا هذا بالحوار الصامت الذي مارسه الشيخ باديس مع نفسه و مع جمعيته، و أعز رفقائه فيه، و ذلك بواسطة التصويت برفع اليد لترجيح موقف مبدئي أثاره رفيقة الشيخ الطيب العقبي، وهو ضرورة ارسال برقية تأييد لفرنسا في حربها ضد المانيا و حلفائها.فقد رفض اعضاء المكتب الإداري للجمعية الفكرة، ورجح الشيخ باديس الرأي بتصويته مع الأغلبية المعارضة. وذلك عام 1936م 1940 وكان ذلك سببا في مغادرة العقبي لجمعية  العلماء، وتاسيسه لجريدة خاصة له هي جريدة الإصلاح.

و يبدو أن السلطات الفرنسية غسلت مع الشيخ العقبي بعد سجنه و اتهامه مع التاجر الثري عباس التركي بإغتيال المفتي بن دالي كحول يوم 2 أوت 1936م. فطلب من الجمعية ان ترسل برقية تأييد لفرنسا في حربها ضد المانيا. بإيحاء منها كذلك . وقد بقي العقبي على موقفه حتى توفي عام 1961م.

تلك هي بعض مظاهر الحوار السياسي لدى الشيخ عبد الحميد بن باديس، مع الإدارة الإستعمارية، ومع الهيئات والحساسيات السياسية. تبين وتبرز، عظمة الرجل، وحكمة مواقفه حتى في أحرج القضايا الشائكة، و هي سمة العظماء والنبغاء على أي حال.


آخر التغريدات: