دار الحديث – قلعة الإصلاح: وقفة مع صاحب الفكرة، ورائد الـمشروع

بقلم: الشيخ بن يونس آيت سالم-

إنه الإمام الكبير مـحمد البشير الإبراهيمي، العالـم الـموسوعي، والـمربـي القدير، والسياسي الـمـحنك، والـمـجاهد الصابر، وحسبه من الشهادات قول إمام النهضة فيه: " الإبراهيمي فخر علماء الجزائر".

لقد حل الإمام بتلمسان فجر سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة وألف، ليشرف منها على العمل الإصلاحي في غرب البلاد، لما كان لها من خصوصيات، وبـحلوله حلت البركات، وكانت دروسه ومحاضراته من القوة بـحيث زادت أهل الإصلاح قناعة بالخط الذي اختاروه، وحمست الجماهير فالتف الكثيرون حول الجمعية، وعندها ألقى بفكرة "دار الحديث" إلى أهل تلمسان فتلقوها بالقبول، وشرع الجميع في التخطيط بشقيه الـمادي والـمعنوي(1).

وبالرغم من كثرة أعماله، وعديد انشغالاته، والتضييق المفروض من الإدارة الاستعمارية، وبعض عملائها، يضاف إلى هذا كله قلة ذات اليد، تابع الإمام الإبراهيمي المشروع خطوة خطوة إلى أن تحقق له ما أراد، بعون الله وتوفيقه، ثم بمعونة أهل تلمسان.

 

مـحطات في تاريخ دار الـحديث:

1- لقد جاء في عقد ملكية دار الـحديث ذكر قائمة اشتملت على مائة وواحد وسبعين مشتريا(2)، نذكر هذا لما له من أهمية، تتمثل في:

- بتحليل القائمة سنجد أن كل العائلات التلمسانية ممثلة على اختلاف مراكزها الاجتماعية، تعبيرا عن العزيمة الجماعية في تحقيق المشروع، والمحافظة عليه..

- تفويت فرصة إلـحاق دار الحديث بالأوقاف التي كانت تهيمن عليها الإدارة الفرنسية، وتسيرها كما تشاء.

2- إن إطلاق اسم دار الـحديث على الـمشروع ، كان له أكثر من دلالة، نـجملها في نقطتين: أولاها التعبير عن الرغبة الـجامـحة في إحياء تاريخ تلمسان العلمي، أما الثانية فتوثيق الصلة بين شرق الوطن العربي وغربـه، من خلال دار الحديث التلمسانية في الـجزائر، ودار الـحديث الأشرفية في بلاد الشام.

3- بـحلول شهر سبتمبر من سنة سبع وثلاثين وتسعمائة وألف، تكون قد مضت سنة ونصف السنة(3) على انطلاق عملية البناء، لتصبح دار الحديث حقيقة، بعد أن كانت فكرة *، يراها الرائي من بعيد فتذكره بقرطبة لما حملته من بصمات المعمار الأندلسي، بناية ذات طابع مؤسسي بـما اشتملت عليه من مسجد ومرافقه وقاعة للمحاضرات، وخشبة للمسرح، ومدرسة، تـحقيقا للبعد التكاملي بين الدين والعلم والثقافة، وذلك ما كانت تَنشُدُهُ جمعية العلماء.

4- أما يوم الافتتاح، فكان يوما مشهودا ، لـما صاحبه من مظاهرة سلمية، قادها العلماء انطلاقا من محطة القطار(4)، وعجت لها تلمسان عن بكرة أبيها،بكل طوائفها إلا من شذ، مرددة "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، وصولا إلى دار الحديث، ليعتلي ابن باديس وصحبه شرفة البناية مخاطبا أهل تلمسان "يا أبناء تلمسان.. ياأبناء الجزائر، إن العروبة من عهد تبع إلى اليوم تحييكم، و إن الإسلام من عهد محمد صلى الله عليه و سلم إلى اليوم يحييكم، و إن أجيال الجزائر من هذا اليوم إلى يوم القيامة تشكركم و تثني عليكم و تذكر صنيعكم بالجميل.
يا أبناء تلمسان كانت عندكم أمانة من تاريخنا المجيد فأديتموها فنعم الأمناء أنتم فجزاكم الله جزاء الأمناء، و السلام عليكم و رحمة الله".

أما المحاضرات والدروس فدامت ثلالة أيام، تخللها القريظ، بدءا برائعة محمد العيد:

أحيي بالرضى حرما يزار *** ودارا تستظل بـها الـديـار

وانتهاءً بعصماء أبي اليقظان:

تلمسان تيهي بـهذا الفخار *** وباهي العواصم بين البشر

أما نزول الوافدين من كل أنحاء القطر، وقد قاربوا الألف، ضيوفا على الأسر التلمسانية، فكان له من معانـي التعارف والتقارب، وتلاقح الأفكار، ما لا يـخفى على ذي لب.

لـم تكن السلطات الاستعمارية تتوقع أن حفل الافتتاح سيكون بـهذا الحجم الهائل، وبـهذا التنظيم الـمحكم، الشيء الذي أذهلها وأدهشها، وسل تقارير البوليس والإدارة تنبئك الـخبر اليقين(5).

5- لم تـمنع نشوة الفرح بالافتتاح دار الحديث من أن تنطلق في أداء رسالتها، معلمة ومربية وموعية، فثارت ثائرة السلطات الاستعمارية، وتحركت منتقمة، تحاكم الإمام الإبراهيمي، ومعه عبد السلام طالب من أعيان تلمسان، فما زاد ذلك الإمام إلا عزما وإصرارا(6).

وبعد ثلاثة أشهر، يصدر قرار إغلاق الـمدرسة(7)، دون قاعة المحاضرات والمسجد غير أن الإمام الإبراهيمي كان يحسن التكيف مع الظروف، والتجدد بتجدد الأوضاع، فتواصلت المسيرة راشدة لا تبالي بالرياح.

بل الأعظم من ذلك أن دار الحديث لم يصبها عقم، بل خرج من رحمها 16 مدرسة، و4 ملحقات.
توالت محاولات تعطيل دار الحديث، مرة بمحاولة إغلاقها، ومرة بمحاولة السطو عليها، إلى أن كان يوم 25 ماي 1956، وقد استعر أُوَارُ الثورة الـمباركة، فاحتلت الإدارة الفرنسية دار الحديث بأمر من الوالي العام، وحولتها إلى ثكنة عسكرية، وزج برجالها في السجون والمعتقلات، أمثال: الشيخ السعيد الصالحي والأستاذ محمد بابا أحمد والأستاذ المختار الصبان، والقائمة أطول(8).

أما تلاميذ دار الحديث فالتحقوا بالثورة، وقد عَد الإحصاء منهم أزيد من ثمانين شهيدا، وقد نقش على الرخامية الموجودة في مدخل دار الحديث أسماء ثلة منهم(9).

6- بعد أن استعادت الجزائر استقلالها نهضت دار الحديث من جديد لتواصل رسالتها التربوية التثقيفية بما يتناسب والظروف الجديدة، مسهمة بذلك في جانب من جوانب البناء الوطني.
وهي اليوم تسير من حسن إلى أحسن، بـما تقدمه مدرستها التحضيرية، ومدرستها القرآنية، ومكتبتها المتميزة بنشاطاتها المتنوعة.

أما منبر مسجدها فهو على درب جمعية العلماء، لا يحيد عنه، بـما يقدمه من خطاب متزن، يـجمع بين فقه النص، وفقه الواقع، مع الـمحافظة على المرجعية الإسلامية الوطنية.

قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.


المراجع:

(1) ارجع إلى كتاب مسيرة الحركة الاصلاحية بتلمسان-آثار ومواقف ( الأستاذ خالد مرزوق، المختار بن عامر – ص 121.

(2) المرجع السابق ص 122.

(3) شهادة متواترة عن كل من إلتقينا بهم ممن عاشوا المرحلة، نذكر منهم على سبيل المثال: الشيخ بومدين دالي يوسف، الحاج عبد القادر بن يونس، الحاج عبد القادر الشيخاوي، الحاج عبد الرحمن القورصو رحمهم الله، ومن الأحياء الشيخ محمد شيعلي.

(4) قام بتصوير المسيرة الشابان الغوثي بجاوي ومحمد قوار.، وهما من أبناء الحركة الاصلاحية (شهادة الأستاذ خالد مرزوق).

*نذكر للأمانة أن المهندس الذي وضع المخطط هو عبد الرحمن بوشامة من البليدة.
(5) التقريران البوليسيان رقم 11347 بتاريخ 29/09/1937 و رقم 11355 بتاريخ 30/09/1937 عن شرطة الاستعمار بتلمسان.

(6) مجلة الثقافة الصادرة بالجزائر عدد 101 –أبو القاسم سعد الله- من خلال الوثائق الإدارية ص 92 (نقلا كتاب مسيرة الحركة الإصلاحية بتلمسان-آثار ومواقف ص 140)

(7) مجلة الثقافة الصادرة بالجزائر عدد 101 –أبو القاسم سعد الله- من خلال الوثائق الإدارية ص 93 (نقلا كتاب مسيرة الحركة الإصلاحية بتلمسان-آثار ومواقف ص 140)

(8) مسيرة الحركة الإصلاحية بتلمسان-آثار ومواقف ص 148

(9) القائمة بـ85 شهيدا سلمنا نسخة منها الأستاذ خالد سلكة، أحد قدماء تلاميذ دار الحديث، ومن المحكوم عليهم بالإعدام.

آخر التغريدات: