ابن باديس فتح الأبواب للنساء وطلب أن يموت واقفا ويدفن مع الغرباء

عبارة شهيرة كان يرددها العلامة عبد الحميد ابن باديس هي نفس العبارة التي كان يرددها الشيخ «بلكحل لعروسي» طوال حوارنا معه «أعمالي لله وللوطن قبل كل شيء»، هذا الشيخ المناضل المجاهد الذي كان آخر الراحلين ممن تبقى من أعضاء جمعية العلماء المسلمين بعد أن كان من أكبر المساهمين في إنجاحها واستمرارها ومدرسة التربية والتعليم التي أسسها «ابن باديس».

 هذا الذي دفع بصره ثمنا لحرية هذا الوطن و أبى أن يعالج على أيادي الفرنسيين، و دفعت ابنته الشهيدة «نفيسة بلكحل» التي تحمل إسمها إحدى المدارس الابتدائية بحي الكدية بقسنطينة نفسها فداء له، وجاهدت ابنته «ليلى بلكحل» بكل ما استطاعت لنصرته وفتح بيته مركزا للفدائيين وظل حتى إلى ما قبل رحيله وهو في السنة السادسة بعد المئة مستعدا للتضحية.التقيناه قبل نحو سنتين وفتحنا معه كتاب الذكريات.

من بسكرة إلى قسنطينة

ولد الشيخ «لعروسي» سنة 1902 بسيدي عقبة ولاية بسكرة، يتيم الأب في الثالثة من عمره و يتيم الأم في الثامنة من عمره، جاء إلى ولاية قسنطينة رفقة خاله «غشة الشريف» وعمره لا يتجاوز 15 سنة، ليعود بعدها مرة أخرى إلى مسقط رأسه للعمل مع أخيه في تجارة التمر قبل أن يستقر نهائيا بقسنطينة وهو في 17 من عمره.

بعد استقراره بقسنطينة و اطلاعه على أعمال «ابن باديس» من وعظ و إرشاد و تربية للأفراد، وبعد أن ذاع صيته في كامل البلاد كان الشيخ «لعروسي» يسعى إلى التقرب منه و الاستفادة من علمه والمساهمة في نشاطه، أين بدأ طريقه بإلقاء تحية الإسلام على الشيخ كلما مر به وهو جالس أمام مكتب مدرسة التربية والتعليم رقم 15 في نهج ابن باديس»، هذه التحية التي كان «إبن باديس» السباق إلى إلقائها على أبناء مدينته دون رد من أغلبهم خوفا من أن تعتبرهم السلطات الفرنسية من أتباع الشيخ، لتفتح تحية الإسلام باب النشاط بينهما و ينظم بعدها «لعروسي» إلى جمعية العلماء المسلمين التي تأسست سنة 1931 بعد ان تلقى دروسا على يد الشيخ وهو تلميذ، ليصبح بعدها احد الاعضاء الذين كان لهم دورا فعالا في تدعيم الجمعية والمدرسة، أين كان كل عضو يتكفل بمجموعة من 5 إلى 10 تلاميذ غرباء و فقراء و يدفع 2 فرنك عن كل تلميذ شهريا للإسهام في مصاريف المدرسة، وما ساهم في تقوية العلاقة بينهما هو إقدام «لعروسي» على كراء أحد محلات المدرسة من الشيخ «إبن باديس» تدعيما منه للمدرسة.

كيف كان «إبن باديس» حريصا على تلاميذه و على تدريس البنت الجزائرية

لم يكن أبناء قسنطينة ولا أبناء الأغنياء كما روى الشاهد الراحل «بلكحل لعروسي» يتلقون دروسا من الشيخ، وإنما كان تلاميذه من الفقراء و الغرباء عن المدينة من القبائل والشاوية و الأرياف و...ممن لا مأوى لهم، حيث استأجرت لهم الجمعية محلات تحت منزل الشيخ بباب القنطرة ينامون فيها، وكان «إبن باديس» يشرف على تفقدهم محلا بمحل يوميا وفي أي وقت ليطمئن عليهم و ليحافظ على بقائهم متخلقين، إلى درجة كان لا يثق فيها في الخبز الذي يقدم إليهم حتى يفتحه بنفسه و يتذوقه إن كان طازجا أم لا، لتفادي إصابة أي منهم بأي مرض.

في سنة 1936 و بعد تسجيل تقدم ملموس في مستوى التعليم لدى الذكور وأمية واضحة لدى البنات، طرح "ابن باديس" على أعضاء جمعية العلماء المسلمين فكرة تثقيف البنات وتدريسهن التربية وتعليمهن أصول الدين والدنيا، أين وافق عليها الأعضاء فورا مقترحين تسجيل بناتهم لتلقي العلم على يد "ابن باديس" و المدرسين الذين كانوا يخصون البنات بدروس على مدار الأسبوع.

آخر وليمة لـ"إبن باديس" رفقة بعض الأعضاء من الجمعية كانت في بيت الشيخ "لعروسي"

في يوم من الأيام سافر ابن باديس إلى الصحراء وخص بترحاب كبير ووليمة فخمة على حسب التقاليد الصحراوية، أين تناول و من معه "كسكس المسلان" أي الجزء السفلي من الشاة، هذا النوع من الطعام الذي بقي في ذاكرته وكان يتحدث عنه كلما كان موضع الحديث طعاما، فطلب الشيخ "لعروسي" من زوجته "الحاجة فاطمة" تحضيره وبالفعل كان "ابن باديس" ومجموعة من الأعضاء البارزين في الجمعية أمثال "مبارك الميلي" و"عبد الحفيظ جنان"... ضيوفا على الشيخ "لعروسي" في بيته بشارع العربي بن مهيدي بوسط المدينة والوجبة هي "كسكس بالمسلان".

ما لا يعرفه الجزائريون عن وفاة "ابن باديس"

لازم الشيخ "ابن باديس" مكتب الجمعية لمدة 4 أيام بعد مرضه أين كان يقول لطبيبه إذا سأله عن نوع مرضه "مادامت الجزائر مريضة فأنا مريض، وإن شفيت سوف أشفى"، وقبل أن يتم نقله إلى منزل والده بالقصبة بعد أن اعتزله لفترة طويلة، طلب من أصدقائه أعضاء الجمعية أن يتم دفنه في مقبرة المسلمين الغرباء ومن لا أهل لهم  إلا الله، إلا أن والده رفض ذلك وقرر دفنه بمقبرة العائلة، كما طلب منهم وهو في دقائقه الأخيرة أن يوقفوه عن فراشه ليموت وهو واقف في يوم 16 افريل 1940 ويمشي في جنازته كل سكان قسنطينة و تغلق كل المحلات والمؤسسات حتى محلات المعمرين و اليهود الذين كان لكل واحد منهم هدفا بذلك، و يحزن عليه الشيخ "لعروسي" حزنا كبيرا إلى أن مات هو الآخر و هو لا يزال محافظا على احترامه الكبير للشيخ و يفضل الحديث عنه بدل الحديث عن نفسه.

مدرسة التربية والتعليم بعد "إبن باديس" و إستمرارية لعمل

أشرف الشيخ "لعروسي"على ترميم و إعادة تهيئة المدرسة بعد أن اختارته لجنة أعضاء جمعية العلماء المسلمين ليشرف على هذه العملية، أين قدم كل ما يملك من أجلها لتصبح على ما هي عليه اليوم مبنى متين لا تهزه الزلازل، أما الدروس فقد كان يشرف على تقديمها باقي الأعضاء الذين عملوا على مواصلة الاجتماع بنادي الترقي بالعاصمة.

الشيخ "لعروسي" من النضال الفكري إلى الكفاح المسلح

تزوج "لعروسي" سنة1927 ورزق بـ8 بنات، وعند الثورة المسلحة إنخرط فيها مع بناته "نفيسة و ليلى" و زوجته التي جاهدت على طريقتها ليتحول بيته إلى مركز للفدائيين ويقدم إعانات مادية ومعنوية للمجاهدين، وفي سبتمبر1957 ألقت السلطات الفرنسية القبض عليه مع بناته الإثنين و سجنوا في سجن "آمزيان" أين تلقى أشد التعذيب ليفقد بعد ذلك بصر عينه اليمنى جراء تلقيه ضربة بطرف مسدس من قبل أحد القائمين على السجن  لتصاب بذلك عينه الأخرى بسبب تعفن الأولى، وفور خروجه من السجن طلب منه الذهاب إلى فرنسا للعلاج، إلا انه أبى و اختار فقدان بصره نهائيا على أن يعالج بأيدي أعدائه، ليبقى كفيفا و لا صور في مخيلته غير صور الشيخ و أعضاء الجمعية حتى وفاه أواخر شهر فيفري سنة 2009.

 

نشر في النصر يوم 16 - 04 - 2011

آخر التغريدات: