الصوفي السني بين الحكومة السنية والحكومة الطرقية

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس -

أما الصوفي السني فهو الإمام المجاهد السيد أحمد الشريف السنوسي الذي توفاه الله منذ أشهر بالمدينة المنورة فقد كان على جانب عظيم من التمسك بالكتاب والسنة والتخلق بأخلاق السلف الصالح وكانت دعوته إلى الله وإرشاده للعباد بهدايتهما وكانت تربيته لأتباعه مبنية على التفقه في الدين والتزام العمل به والزهد والصبر وحفظ الكرامة. وأما الحكومة السنية فهي الحكومة السعودية القائمة على تنفيذ الشريعة الإسلامية بعقائدها وآدابها وأحكامها الشخصية والعمومية حتى ضرب الأمن أطنابه ومد العدل سرادقه على جميع تلك المملكة العربية العظيمة بما لم تعرفه دولة على وجه الأرض غير دولة الإمام يحيى المضارعة لها في السنية وإقامة عمود الشريعة الإسلامية.

وأما الحكومة الطرقية فهي حكومة مصر التي تشارك المشاركة الرسمية في بدع المواليد وتؤيد تأييدا رسميا الإجتماعات الصوفية بما فيها من مناكر وقبح مظاهر وسوء مناظر مما تضج منه صحافتها كل يوم فضلا عن العلماء المصلحين من أمتها. ويواطؤها على هذا علماؤها الرسميون بسكوتهم وإقرارهم وأحيانا بدفاعهم وتأويلاتهم.

أما كيف كان هذا الإمام بينهما فهاك الخبر لتنظر وتعتبر: لما رجع الإمام من الأناضول بعد ما أنكر الكماليون جميله واستثقلوا بقاءه، ما آوته إلا الحكومة السنية حكومة ابن سعود فأقام عندها في الحجاز مكرما مبجلا. وأما الحكومة المصرية الطرقية فإنها أبت عليه أن يدخل مصر مراعاة لوعد كانت أخذته عليها إيطاليا في شأن الإمام. ولم ينته احترامها لهذا الوعد القاضي بحرمان إمام عظيم من دخول أرضها عند هذا الحد الاعتيادي عند من لا يراعي إلا جهة واحدة وإن أغفل جهات عديدة، بل تجاوز تصلب حكومة مصر ويبسها إلى منعه من دخول مصر في الحالة التي يرثي فيها العدو لعدوه ولو كان كعداوة إيطاليا للإمام. ذلك أن الإمام لما مرض مرضه الأخير واشتد به الألم رغب في التداوي بمصر فطلبت حكومة الحجاز من حكومة مصر السماح له بذلك وكانت الحكومة المصرية في انتظار قدوم ملك إيطاليا فماطلت ولم تجب حتى مات الإمام دون أن تسمح له بالدخول لأجل التداوي.

نحن لا نتكلم على هذه المسألة من ناحيتها السياسية وإنما نتكلم عليها من ناحيتها الإنسانية ومن ناحيتها الدينية على الخصوص. فالحكومة السعودية التي طهرت الحجاز من البدع والضلالات والخرافات ورجعت اتباع الطرق التي تسمي نفسها الطرق الصوفية إلى عقولهم ودينهم لما جاء هذا الصوفي السني أكرمت وفادته وأنزلته المنزلة اللائقة به وحكومة مصر التي تؤيد الطرقية وبدعها وخرافاتها وتشويهها لما كان عليه الجنيد وأمثاله، وما كان عليه أئمة الهدى كلهم تعامل هذا الصوفي السني هذه المعاملة القاسية الخشنة الخالية من كل لطف ومراعاة وفي هذا الموقف من هاتين الحكومتين البرهان القاطع على أن الحكومة السعودية ما طاردت الطرق لأنها تصوف وإنها طاردتها لأنها مدعية بالباطل ومتصفة بضده. وأن الحكومة المصرية ما نصرت الطرق لأنها تصوف وإنما ناصرتها لأن غالب علمائها الذين يعيشون على رواتبها وعلى رضا العامة وتعظيمها واستغلال جهلها أقروها على ذلك وحسنوه لها فأقرتهم والعامة عليه:

وهل أفسد الناس إلاَّ الملوك … وأحبار سوء ورهبانها

وقبل الحكومة السعودية قد كان علماء الإسلام المصلحون يقبلون طريقة الحق وينكرون طرق الباطل وقد ذكرنا جمعا منهم من القرن الخامس إلى القرن السالف في عدد مضى وهم قدوتنا أنعم بهم من قدوة وقبل الحكومة المصرية وعلمائها قد كان من يقر ما أقرت دون بينة ولا برهان. وسيبقى كذلك على الدهر من ينصر السنة ويؤيدها ويدافع عنها. ومن ينشر البدعة وينفخ في بوقها وينقر على طبلها. {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (1).


(1) السنة، السنة الأولى العدد 6 الإثنين 20 محرم الحرام 1352 هـ- 1 ماي 1933م، ص1 و2.

آخر التغريدات: