المرأة في فكر رجال الإصلاح “ابن باديس نموذجا 2/1”

بقلم: بسام حسن المسلماني-

المتأمل في تاريخ الإسلام يجد أن للمرأة دورا رئيسا داخل المجتمع، فاق في بعض المراحل دور الرجال، فقد بايعت المرأة في الصدر الأول كما بايع الرجال، وجاهدت وهاجرت ومرَّضت وعلمت وروت الأحاديث، وكانت قدوة في بيتها ومحل استشارة زوجها ومعينة له على آلام الطريق، والصابرة المحتسبة إذا اشتدت المحن، وكان من نتاج هذا الدور الفعال أن أصبح العرب رعاة الإبل خلال سنوات قليلة رعاة للأمم، هزموا  أكبر الإمبراطوريات في ذلك الوقت، لتمتد دولتهم من الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطي إلى طنجة في المغرب.   

ظلت المرأة تلعب هذا الدور المحوري داخل المجتمع الإسلامي،  وتجدد دماء الأمة كلما عصفت بها الأزمات، من خلال تخريج رجال أمثال: الشافعي، وابن حنبل، وابن تيمية ونور الدين وصلاح الدين، لقد كانت المرأة ركن من أركان النهضة الحضارة الإسلامية وتساهم بالغرس في نهضة أمتها، مزاحمة للرجل جهوده، ملبية نداء مجتمعاتها. حتى كانت العصور المتأخرة عندما انحرفت الأمة عن منهج الله، نتيجة لعدد من العوامل، كان من أبرزها هو غياب دور المرأة المسلمة داخل المجتمع، لذلك فقد عمد رجال الإصلاح والتجديد خلال هذه العصور إلى محاولة إعادة المرأة للدور المنوط بها، والتي قامت به على مدار قرون وذلك خلال محاولاتهم التجديدية وانتشال الأمة من وهدتها.

خلال هذه الدراسة المختصرة سنحاول أن نقف مع أحد هؤلاء المصلحين، ورائد النهضة الإسلامية في الجزائر،  الشيخ "عبد الحميد ابن باديس"، لنتعرف على مكانة المرأة في فكر هذا المجدد وموقعها في حركته الإصلاحية.

لكن قبل الشروع في الحديث عن المرأة في فكر هذا الرجل، لابد في البداية أن نلقي نظرة سريعة ومختصرة عن الواقع الذي كانت تحياه الجزائر في ذلك الوقت والأسباب التي دفعت ابن باديس لتأسيس حركته.

الاحتلال الفرنسي وحركة ابن باديس:

احتلت فرنسا الجزائر عام 1830 م أي قبل مولد ابن باديس (1889- 1940) بما يقرب من 60 عاما، ارتكب جيش الاحتلال منذ أن وطأت قدماه الأراضي الجزائرية العديد من الجرائم ضد المدنيين، والتي سماها المؤرخون بالرازيا، يقول شارل أندري جوليان معلقا على الإجرام الفرنسي في الجزائر: "تنتشر الرازيا فتصير أسلوبا للتدمير المنظم والمنهجي الذي لم يسلم منه لا الأشخاص ولا الأشياء. إن جنرالات جيش إفريقيا لا يحرقون البلاد خفية. إنهم يستعملون ذلك ويعتبرونه مجدا لهم سواء أكانوا ملكيين أم جمهوريين أو بونابارتيين".

ويقول العقيد مونتانياك: "إن الجنرال لاموريسيير يهاجم العرب ويأخذ منهم كل شيء: النساء والأطفال والمواشي. يخطف النساء، يحتفظ ببعضهن رهائن والبعض الآخر يستبدلهن بالخيول، والباقي تباع في المزاد كالحيوانات، أما الجميلات منهن فنصيب للضباط" هذا إلى جانب التهجير، ومئات الآلاف من القتلى وتعذيب الأهالي وتخريب المساجد ونهب الأموال.

لم تقتصر اعتداءات الاحتلال الفرنسي للجزائر على الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية فحسب، بل عمد إلى تدمير معالم الثقافة والفكر فيها، وقد ظهر حقده الصليبي في إصراره على تحطيم مقومات الأمة، وفي مقدمتها الدين الإسلامي واللغة العربية.

في ظل هذه الأجواء نشأ ابن باديس وقد أدرك منذ صغره الهدف الحقيقي للاحتلال وهو القضاء على هوية هذه الأمة لصالح فرنسة الشعب الجزائري المسلم. فعمل على ترسيخ العقيدة الإسلامية وربط المجتمع الجزائري بعروبته وكان شعاره الذي رفعه :" شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ  وَإلىَ العُروبةِ يَـنتَسِبْ"، وخلال محاولته الإحيائية التي شملت جميع مناحي الحياة في الجزائر، أدرك ابن باديس أن المرأة هي أحد الميادين الرئيسية في معركته مع الاحتلال لذلك فقد أولاها اهتماما خاصا.

الدور المحوري للمرأة في فكر ابن باديس:

أدرك ابن باديس منذ البداية أهمية دور المرأة وحرص الاحتلال على تغريبها ونزعها من جذورها؛ لذلك فقد احتلت مساحة واسعة في دعوته منذ البداية، فنجد اهتمامه بها في آثاره المكتوبة منذ شهر مارس 1929م وقد افتتح ركنا جديدا في مجلة الشهاب سنة 1934م كرسه للحديث عن المرأة في صدر الإسلام ودورها في نشر الدين.

وكان ابن باديس يهدف من وراء ذلك إلى اطلاع المجتمع الجزائري على هذه التراجم الحميدة الجديرة بالاقتداء للرجال والنساء من السلف الصالح وما لهم من صفات اكتسبوها عن طريق الإسلام وماكان منهم من أعمال في سبيل الله:"ففي ذلك ما يثبت القلوب ويعين على التهذيب، ويبعث على القدوة وينفخ روح الحياة"(1).

هذا الطرح من ابن باديس يعتبر عملا طبيعيا جدا إذ إن الجزائر شهدت في هذه الفترة تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية جذرية أصبحت البلاد على مفترق طرق، فأراد لها أن تختار طريق الإسلام؛ لأن شخصيتها كانت مهددة بالمسخ والتشويه لكونها واقعة تحت أبشع نظام استعماري، مع رفض كل الحلول المقترحة من قبل الليبراليين وأذناب الاستعمار في البلاد.

لذلك لم يترك أمر الكتابة عن هذه النماذج المشرقة من نساء الإسلام في القرن الأول مقصورا عليه، بل ناشد أصحاب القلم من الرجال والنساء أن يشاركوا في هذا الجهد(2).

افتتح ابن باديس هذا الباب بالحديث عن "أم حرام بنت ملحان" التي طلبت من الرسول صلى الله عليه وسلم أن تكون من الغزاة في البحر، فكان لها ذلك عندما خرجت مع زوجها في خلافة عثمان رضي الله عنه لغزو جزيرة قبرص.

كما يتحدث عن "الربيع بنت معوذ" التي كانت تخدم في الجيش، وتغزو مع الرسول وتسقي الماء ويستنبط ابن باديس بضرورة الاقتداء بمثل هذه النماذج، فيكتب ما يلي:"هؤلاء السيدات الصحابيات رضي الله عنهن قد كن يشاركن الرجال في الحرب وهي أبعد الأشياء عن طبعهن ويقمن معهم بما يليق بخلقتهن، وفيهن القدوة الحسنة أن نشرك معنا نساءنا فيما نقوم به من مهام مصالحنا ليقمن بقسطهن مما يليق بهن في الحياة على يفرضه عليهن الإسلام من صون وعدم الزينة، وعدم اختلاط ولا تكمل حياة أمة إلا بحياة شطريها الذكر والأنثى"(3).

هذا الكلمات التي تكتب بمداد من ذهب، تكشف عن رؤية ابن باديس التجديدية، فالمرأة ليست كائنا هامشيا داخل المجتمع، لكنها عنصر فاعل تداوي الجرحى وتجاهد في سبيل الله، وتسابق الرجال وتزاحمهم في أعمال الخير، طالما كانت ملتزمة بما أوجبه عليها الإسلام من عدم زينة وبعد عن الاختلاط، وليس هناك تعارض نهائيا  بين دورها في المجتمع وبين التزامها بتعاليم دينها، لا كما يروج أذناب الفرنسيين في كل عصر ومصر، أن المرأة لكي تشارك في نهضة مجتمعها لا بد أولا أن تخلع حجابها وتتخلى عن دينها.

بعد نموذج المرأة المسلمة الغازية في البحر والمقاتلة في سبيل الله في البر، يختار ابن باديس نموذج المرأة القوية الصابرة، أول شهيدة في الإسلام "سمية بنت خياط" التي كانت هي وزوجها وابنها يعذبون أشد العذاب من أجل هذا الدين، فيمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون في رمضاء مكة، فيقول:"صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة" حتى قتل زوجها، وطعنت هي من قبل أبي جهل بالحربة. 
ويستخلص ابن باديس من هذه القصة: "أنه كان للمرأة حظ السبق إلى تأييد الإسلام بالنفس والمال" فبالنفس سمية وبالمال خديجة، فأول مال وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مال خديجة، فلن ينهض المسلمون نهضة حقيقية إلا إذا شاركهم النساء في نهضتهم، في نطاق عملهن وفي حدود إمكاناتهن الخاصة، وفقا لما فرض عليهن من حياء وحشمة"(4).

ويذكر ابن باديس كذلك قصة الشاعرة العربية الشهيرة الخنساء بنت عمرو، هذه المرأة التي ضحت بأبنائها الأربعة من أجل الإسلام، الذي "قلب طباع هذه النفس من جزوعة مضطربة إلى مطمئنة راضية"(5).

تركيز ابن باديس على هذه الصور لنساء الصحابة، المرأة المحاربة والممرضة والصابرة الشهيدة والأديبة الشاعرة المثقفة، يعطي دلالة واضحة على النمط الذي أراد أن تتسم به المرأة الجزائرية. 
"فالجزائر كانت محتلة وتحتاج إلى تضحيات أبنائها وبناتها ليزيلوا عنها كابوس القهر والظلم، فهو يحث المرأة على الجهاد ويهيب بها أن تكون شجاعة، صبورة أمام الاحتلال الحاقد وألا تتقهقر..." 
وأما من الناحية الاجتماعية والثقافية فابن باديس يريد من الفتاة الجزائرية أن تكون طبيبة وممرضة وعالمة وكاتبة وأديبة وشاعرة لأن المجتمع الجزائري في عصره كان يعاني من شتى أشكال التخلف والجهل والأمية "(6).

توازن وشمول:

ومن هذا العرض يتضح جزءا من مكانة المرأة في فكر ابن باديس الذي كان يطمح إلى ترقيتها والنهوض بها كخطوة للنهوض بالمجتمع...

هذا الطرح من رائد النهضة الجزائرية أبرز ما يميزه هو التوازن والشمول، فالمرأة عنده ملتزمة بدينها حريصة على حشمتها وحيائها، في الوقت نفسه هي عنصر مشارك وفاعل ومؤثر داخل المجتمع.

كما أن فاعليتها هذه ليست في جانب واحد وحسب، بل فاعلية متنوعة، تخترق مجالات شتى، فالمرأة عنده طبية وممرضة ومجاهدة ومثقفة ومربية وشاعرة وأديبة طالما محافظة على حشمتها.. وهذا درس لبعض الصالحين الذين يقصرون جهود المرأة في مجالات محدودة وقاصرة.

إننا مدعوون لتفعيل دور المرأة المسلمة في المجتمع، كما ينبغي أن نغير نظرتنا التقليدية والسلبية لما يمكن أن تقوم به ونعمل على دعمها لإتاحة الفرصة لها... هذا إذا أردنا نهوضا.

 

الهوامش :

1- "رجال الإسلام ونساؤه"، الشهاب الجزء الأول، عبد الحميد ابن باديس، وانظر"حركة محمد عبده وعبد الحميد ابن باديس"وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية "، عبد الكريم أبو صفصاف.

2- المصدر السابق.

3- ابن باديس "الربيع بنت معوذ":الشهاب الجزء 2 – ابريل 1937م ، وانظر"حركة محمد عبده وعبد الحميد ابن باديس"وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية "، عبد الكريم أبو صفصاف.

4- ابن باديس "سمية بنت الخياط" ، الشهاب الجزء 2 ،- مايو 1937م ، وانظر"حركة محمد عبده وعبد الحميد ابن باديس"وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية "، عبد الكريم أبو صفصاف.

5- ابن باديس "الخنساء وبنوها" الشهاب الجزء2- مارس 1229م ، وانظر"حركة محمد عبده وعبد الحميد ابن باديس"وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية "، عبد الكريم أبو صفصاف.

6- وانظر"حركة محمد عبده وعبد الحميد ابن باديس"وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية "، عبد الكريم أبو صفصاف(بتصرف).


آخر التغريدات: