معهد عبد الحميد بن باديس: ما له وما عليه

بقلم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي –

أخذت القلم لأكتب كلمة عن المعهد في هذا العدد الخاص به من "البصائر" فاستعرضت ماضيه منذ كان فكرة إلى أن أصبح حقيقة مبصرة، فرجع الصدى قريبًا لقرب العهد كما ترجع ومضة "الرادار" حين تصطدم بجسم في فراغ الأثير. ثم استعرضت مستقبله فمثّلته الخواطر آمالًا كلها حلاوة وطيب، وغايات كلها نسيم بليل وزهر رطيب، وانفتحت آفاقه عن مثل رونق الضحى وإشراق الأصيل. فتفتحت نفسي للكتابة وهممت- على كلال الذهن والجوارح- أن أكتبها في نفس، وقلت لتكونن كلمة ذات أثر، تملأ السمع والبصر. ولأثأرن بها لنفسي من العوائق التي رمت طبعي بالجفاف وقريحتي بالركود. ولكن نفسي وقفت موقف الرقيب، بين المحب والحبيب، وأبت إلا أن أكتب عليها ... قلت لها إن هذا ليس لي ولا لك بعادة. وأنا امرؤ- كما تعلمين- ركب في طباعي نوع من الخمول والزهد في كل ما يتعلق بك. وأشهد كما تشهدين- أنه ليس من الخمول المصطنع ولا من الزهد المكتسب وإنما هو نوع لا ثواب فيه ولا محمدة، كالطول في الطويل، والسواد في الأسود، والبلادة في الجمل. فلجت في التعرض، فقاطعتها بكتابة كلمات صادقة عن الشيخين اللذين يقوم المعهد على اسميهما: ابن عاشور وابن باديس ولكنها لم تقنع وشوّشت كل ما في ذهني من صور جميلة وأخيلة بارعة لمستقبل المعهد، وطال اللجاج حتى خشيت أن أفوّت على العدد الخاص ميقاته. ومن عادتي في هذه الكلمات التي أفتتح بها أعداد "البصائر" أن أكتبها- في الغالب- في النصف الأخير من آخر ليلة في الأسبوع، ولا أكتبها إلا بعد مضايقة من المطبعة لحمزة (1)، ومضايقة من حمزة لي: وحمزة- فيما يتراءى لي- أجرأ أسرة البصائر علَيّ، وقد أكتب الكلمة وأنا مسافر فأحسّ في باطن نفسي راحة من مضايقة حمزة لي. وأن مضايقات حمزة لأعود بالخير على "البصائر" من ضيقي وتبرمي، ولعلّي كشفت عن بعض السبب في التفاوت الذي يلمسه القرّاء في تلك الكلمات في الأسلوب والموضوع والطول والقصر.

سلكت مع نفسي في المدافعة والمساومة فجًا آخر فقلت: سأرضيك- نسيئة لا نقدًا- بالكتابة على صحيفة سخيفة، تدعو إلى دين بني حنيفة. أو على صحافي حافي شره ليس بالخافي. فقالت: لست مسيئة، حتى أرضى النسيئة. ولا يكتب عن صحافي أو صحيفة في عدد خاص، إلا رجل (باص). ونفسي- كما يعلم بعض القرّاء- جزائرية سطيفية، فكلمة باص بتشديد الصاد من لغتها. ومعناه: لا عقل له. فقلت: أو قد بلغت بي إلى هذا الحدّ يا أمة الله؟ فقالت: ولا بدّ من الكتابة عليّ في هذا العدد. فقد كتبتَ على بعض النفوس فقال الناس أحسنت التصوير، وقالوا أبدعت. وأنا أعلم من هنياتك أنك ستكتب على نفوس أخرى. وأعلم من خفاياك أنك ستسلك بها شعابًا من التصوير لم تسلكها إلا في ملاحم أفلو (2) التي سيقرؤها الناس بعد موتك- وأنا نفسك التي بين جنبيك، وأنا أقرب الأشياء إليك، وأنا وأنا ... ومضت تتجنّى وتتعنّت. فقلت فضحتني فضحك الله. وإنك لمملوءة الوطاب، من سوء أدب الخطاب. ولست في هذه المرّة أمة الله وإنما أنت أمة الشيطان، وسأكل الكتابة عليك إلى فلان ... قالت: بائع مدح وقدح. يعرف القيم الفلسية، لا القيم النفسية. وأحر به أن لا يشرف إذا مدح، ولا ينكى إذا قدح. وهنا فلسفة أنت عن معرفتها غني، قلت: فإلى فلان ... قالت: يتسرع، ويتبرع، ولا يتورع. فإذا مسّته الحاجة يتضرّع، وإذا مسّته الكلمة يتجرّع من الغمّ ما يتجرّع. وأخلق بكتابته أن تكون صبغة من نفسه. قلت: فإلى فلان ... قالت ذاك طائش السهام، راكد الإلهام. ثائر الأوهام، فأية منزلة تبلغنيها كتابته؟ وعرضت عليها نسقًا من الكتاب الراضين عليها والساخطين فأبت إلا أن تكون الكتابة مني عني.

وقعت من نفسي- لأول مرّة منذ اصطحبنا- على باقعة، فجنحت للسلم. ولولا حرمة الشهر وعهد المعهد لأخرجت للقرّاء من هذه المحاورات بين رجل ونفسه ما يضحكهم في الزمن العابس، ويسيرهم إلى السرور والركب حابس.

وقد اتفقنا بعد طول الجهد على أن أكتب عليها وعلى المعهد من الجهة التي يتصلان فيها. وهي أثرها في تكوينه- فإذا قرأ القرّاء لي هذه الكلمة المهلهلة ورأوا فيها حديثًا عن نفسي فليعلموا أنني مغلوب على أمري من عجوز. ولم يغلبك مثل مغلب. وليصدقوا الله كما صدقتهم، فما منهم إلا من غلبته عجوز بأحد معانيها، ولا أستثني أم الخبائث فقديمًا سمّتها العرب عجوزًا.

وهل أنبئ القرّاء بسرّ وهو أنني أضمرت الخديعة لنفسي، وقلت أعطيها قليلًا وأكدي، فانتقمت مني كما انتقمت بعوضة توت من كاشف قبره، وفاضح سرّه. فنثرت كل ما كان في خاطري منظومًا من الصور الفنية عن المعهد ومستقبله وما ننوي له من أعمال وما نعلق عليه من آمال. وجاءت المقالة عادية النمط، عليها ميسم الصدق، وليس عليها جلاله، وفيها مخيلة الحق، وليس فيها جماله.

جاربين في ناحية، والمقاومات الخفية والعلنية ممن لا يخافون الله جارية في ناحية ثالثة إلى أن غلب الحق على الباطل والعزيمة على التخذيل. وفتح المعهد أبوابه بعد شهرين من بداية العمل، والحمد لله الذي وفق وأعان، والشكر للأمّة التي شبّت على الحق، وعرفت العاملين للحق فأيّدت ونصرت.

...
وأما الإدارة فقد كانت- في رأيي- وما زالت أصعب من المال. لأن الصورة الكاملة التي يتصوّرها ذهني للإدارة الرشيدة الحازمة اللائقة بهذا المعهد العظيم، نادرة عندنا. ونحن قوم نقرأ لكل شيء حسابه. ولا نقدّم لجلائل الأعمال إلا الأكفاء من الرجال. وقد كنت مذخرًا لإدارة المعهد كفؤها الممتاز وجذيلها المحكك الأخ الأستاذ العربي التبسي الذي كانت تمنعه موانع قاهرة من تولّي الإدارة ومن الانتقال من بلده إلى قسنطينة، وكنت أقدّر تلك الموانع، وأزنها بميزانها الصحيح، وأراها بمثل العين التي يراها بها. فكيف العمل؟ العمل هو جعل تلك العوامل كلها عاملًا واحدًا وتفتيته حتى يصير ذرات، أرضينا سكان تبسة الكرام الذين كانوا يعدون انتقال الأستاذ التبسي عنهم كبيرة يرتكبها من يتسبّب فيها، وأقنعناهم بأن الشيخ العربي رجل أمّة كاملة لا بلدة واحدة. ورجل الأعمال العظيمة لا الأعمال الصغيرة. فاقتنعوا. وأمنا لهم مشاريعهم العلمية والدينية، بإيجاد من يخلف الأستاذ فيها فرضوا مخلصين. وقد كنت قبل ذلك كله تلطفت في الحيلة على أخي الشيخ العربي لما أعتقده من إخلاصه الكامل في خدمة أمّته، ومن تقديره لجهود أخيه هذا. وذلك أنه لما هوّل عليّ قضية المال الذي يتطلبه المعهد في شرائه وتعميره، هوّنت عليه القضية وهوّلت عليه شأن الإدارة إذا لم يقبلها هو، فلم يجد بدًّا من تهوينها عليّ إخلاصًا منه ومقاسمة للعبء مع أخيه. وإن أنس فلا أنس قوله لإخوانه المشائخ المدرّسين يوم اجتمعنا لنقرّر منهاج السير في التعليم.

أيها الإخوان:

"إن التعليم بوطنكم هذا، وفي أمّتكم هذه ميدان تضحية وجهاد، لا مسرح راحة ونعيم. فلنكن جنود العلم في هذه السنة الأولى، ولنسكن في المعهد كأبنائنا الطلبة، ولنعش عيشهم: عيش الاغتراب عن الأهل. فانسوا الأهل والعشيرة ولا تزوروهم إلا لمامًا. أنا أضيقكم ذرعًا بالعيال للبعد وعدم وجود الكافي، ومع ذلك فها أنا فاعل فافعلوا. وها أنذا بادئ فاتبعوا". فكانت كلماته هذه مؤثّرة في المشائخ، ماسحة لكل ما كان يساورهم من قلق ... ومضت السنة الدراسية على أتمّ ما يكون من النظام الإداري، وعلى أكمل ما يكون من الإلفة والانسجام بين المشائخ بعضهم مع بعض، وبينهم وبين مديرهم، حتى كأنهم أبناء أسرة واحدة، دبّوا في حضن واحدة، وشبّوا في كنف واحد، وربّوا تحت رعاية واحدة، توزّع الحنان بالسوية، وتبني الحياة على الحب. وأن مرجع هذا كله إلى الأخلاق الرضية التي يجب أن يكون مظهرها الأول العلماء. حي الله الأخلاق. وأحيا الله الأخلاق.

وأنا أصدق القراء، فقد نجح المعهد في جميع نواحيه، ووالله ما اغتبطت بجميع ذلك ما اغتبطت بهذا الانسجام بين مشائخه، وهذه الرحمة المظللة لهم، وهذه المياسرة المتبادلة بينهم. وما كان اغتباطي موفورًا إلا لما قاسيته وأقاسيه من المعضلات النفسية والمشكلات الأخلاقية والتعاكس والتشاكس بين بعض أبنائي المعلمين، وما هي إلا بقايا من آثار التربية المضطربة لم يهذّبها العلم وسيهذّبها التأسي.

إن هذا الانسجام البديع بين مشائخ المعهد سيكون درسًا عمليًا نافعًا لتلاميذهم يأخذونه بالتأسي لا بالتلقين. وسيكون أثبت أساس لتربيتهم الأخلاقية وأعزّ ميراث يرثونه عن مشائخهم، وان الانسجام بين التلامذة سبب خطير من أسباب النجاح. فليعلم أبناؤنا التلامذة هذا وليفقهوه.

والأستاذ التبسي- كما شهد الاختبار وصدقت التجربة- مدير بارع، ومربّ كامل خرجته الكليتان الزيتونة والأزهر في العلم، وخرجه القرآن والسيرة النبوية في التديّن الصحيح والأخلاق المتينة، وأعانه ذكاؤه وألمعيته على فهم النفوس، وأعانته عفّته ونزاهته على التزام الصدق والتصلب في الحق وإن أغضب جميع الناس، وألزمته وطنيته الصادقة بالذوبان في الأمّة والانقطاع لخدمتها بأنفع الأعمال، وأعانه بيانه ويقينه على نصر الحق بالحجة الناهضة ومقارعة الاستعمار في جميع مظاهره. فجاءتنا هذه العوامل مجتمعة منه برجل يملأ جوامع الدين ومجامع العلم ومحافل الأدب ومجالس الجمعيات ونوادي السياسة ومكاتب الإدارات ومعاهد التربية.
والأستاذ التبسي في إدارته يتساهل في حقوق نفسه الأدبية إلى درجة التنازل والتضييع، ولا يتساهل في فتيل من النظام أو الوقت أو الأخلاق أو الحدود المرسومة، ولقد كان- زيادة على الدروس التي يلقيها بنفسه- يطوف على الأقسام كلها بالتناوب متفقدًا، فيسمع المشائخ يلقون أو يسألون، والتلامذة يجيبون، ولقد كان بين المشائخ في أول السنة تفاوت، وبين التلامذة تباين عظيم، وكنت أنا ألمح هذا في الشهرين الأولين كلما اختلفت إلى المعهد، فما مضى شهران حتى رأيت بعيني أن ذلك التفاوت صار انسجامًا، وأن ذلك التباين انقلب اتحادًا ظهرت آثاره في آداب التلامذة وأخلاقهم وشمل هيئات الدخول والخروج والنوم والأكل وسائر التصرفات، وما جاء ذلك إلا من ضبط المدير وحزمه وجاذبيته. وأشهد ... لقد حدّثني المشائخ في الأشهر الأخيرة فرادى ومجتمعين بأنهم انجذبوا إلى العلم انجذابًا جديدًا، وحببت سيرة الأستاذ التبسي التعليم إليهم على ما فيه من مكاره ومتاعب وأنهم أصبحوا لا يجدون بعد جهد سبع ساعات متواصلة يوميًا، نصبًا ولا لغوبًا.

وليس الأستاذ التبسي جديدًا في سياسة التعليم والارتياض على الإدارة. فقد باشر التعليم المدرسي سنين عددًا بمدرسة "سيق" وباشر الإدارة والتعليمين المسجدي والمدرسي سنين بمدرسة تبسة ومسجدها اللذين أنشأهما بجهده ونفوذه. ثم اضطلع بالتعليم المسجدي وإدارته لتلامذة الجامع الأخضر، بعد موت الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحميد بن باديس وانتقال التلامذة إلى تبسة في أيام الهزاهز والفتن. وأن من تلامذته في ذلك العهد رجالًا هم زينة مدارسنا اليوم، ومنهم من هاجر إلى الشرق ليكمل علمه فأوفى وبرز.

...
وأما التعليم فهو الغرض والغاية من المعهد وأن معهدنا ليعنى من أول يوم بالتربية التي تهملها المعاهد كبيرها وصغيرها أو تتساهل فيها مع أنها هي الأصل والأهم المقدّم. كما يعنى باهتمام بغرس العقائد الصحيحة في أذهان التلاميذ وبتعويدهم على العبادات البدنية حتى ينشأوا مؤمنين عاملين للصالحات. وما قام الإسلام إلا على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ونقول آسفين: إن معاهدنا الإسلامية في الشرق والغرب فرطت في جنب هذا الأصل العظيم وأهملت الأصلح واقتصرت على الصالح. ولعل موجة الإصلاح الآخذة في الامتداد تأتي على النقاثص وتأتي بالكمالات.

وقد صدق الاختيار في المشائخ الذين وسدنا إليهم أمر التعليم في هذه السنة، فما منهم إلا من جلا وجلى وأحرز الغاية وحقّق الظن. وقد بنينا اختيارهم على أساس التجربة والمعرفة اليقينية بدرجة التحصيل، لا على اعتبار الشهادات الجامعية، وان كنا نقدّرها حق قدرها ولا نستخف بها. فالشيخان أحمد حماني وأحمد حسين يحملان شهادة "العالمية" من الزيتونة والشيخان عبد المجيد حيرش والمولود النجار يحملان شهادة التحصيل من الزيتونة أيضًا. والشيخ العباس بن الشيخ متخرج من القروبين. ولأكثرهم دربة بالتعليم ومران عليه وعلى أساليبه حيث قضوا فيه سنوات في ظل الحركة الإصلاحية وفي ميدان النهضة التعليمية، أما الشيخ نعيم النعيمي فهو عصامي في العلم، وحجة على أن الذكاء والاستعداد يأتيان مع قليل من التعليم بالعجائب. والرجل مجموعة مواهب لو نظّمت في الصغر ووجّهت لجاءت شهادة قاطعة على أن لا مبالغة في كل ما يروى عن أفذاذ المتقدمين. فهو يحفظ الأحاديث بأسانيدها (لا على طريقة عبد الحي) ويحفظ عدة ألفيات في السير وعلوم الأثر والنحو وغيرها، ويحفظ كثيرًا من متون العلم ويجيد فهمها وتفهيمها، ويحفظ جزءًا غير قليل من اللغة مع التفقه في التراكيب، ويحفظ أكثر مما يلزم الأديب حفظه من أشعار العرب قديمها وحديثها ومن رسائل البلغاء قريبًا من ذلك ويقرض قطعًا من الشعر كقطع الروض نقاء لغة، وصفاء ديباجة، وحلاوة صنعة. وقد أسلس له الرجز قياده فهو يأتي منه بالمطولات لزومية منسجمة سائغة في روية تشبه الارتجال. وهو ثاني اثنين من رجاز العرب في عصرنا هذا، ولو شئت لذكرت الأول كما يقول الصاحب ابن عباد. وإنما آثرت نعيمًا بهذه الكلمات لأنه ليست له "شهادة" فجئته بهذه الشهادة.
والنية معقودة على إلحاق الثلاثة الذين خلفتهم الأعذار الغالبة بالمعهد في سنته الثانية.
وهم المشائخ المدرّسون: محمد السعيد الزموشي، وعبد القادر الياجوري، ومحمد الجيلاني المجاجي الأصنامي، وكلهم متخرجون من جامع الزيتونة، وثالثهم يمتاز بالتلقي عن الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحميد بن باديس ومعدود في الطبقة الأولى من تلامذته، وقد باشر التعليم في حياة الأستاذ وتحت إشرافه. وكل من الثلاثة مبرز في صناعة التدريس.

...

الفرع وأصله:

والمعهد وإن كان فرعًا عن جامع الزيتونة لا يخرج عن برامج أصله في الجملة. ولكنه قد يزيد عليها لفائدة محقّقة أو راجحة. وهو ينوي التوسع في مبادئ علوم الحياة وينوي توجيه النوابغ فيها إلى استكمال معلوماتهم في جهة أخرى غير الزيتونة على نفقته وتحت إشرافه ورقابته ليأخذوا من العلوم التطبيقية بنصيب فينتفعوا وتنتفع الأمّة بهم. وسيخرج المعهد عن نظام جامع الزيتونة في نقطة تحديد السن فيأخذ بالتحديد جريًا على السنة المأثورة عند جميع الأمم، ولعل جامع الزيتونة سينتهي بالتدريج إلى الأخذ بالتحديد.

...

ومطالب المعهد:

كان العبء المالي في السنة الماضية ثقيلًا جدًّا، لأن ثمن الشراء والإصلاح- وهو يناهز سبعة ملايين من الفرنكات- زاحم النفقات الشهرية من أكرية وأجور وإعانات، والتقى معها في شهر واحد، فأدّى ذلك إلى أن المعهد ما زال مدينًا ببعض قيمته. أما السنة الآتية فسيكون العبء أثقل لأن عدد المدرّسين سيزيد، وعدد التلامذة سيتضاعف وسنجد أنفسنا مضطرين إلى زيادة أقسام في السنة الأولى، وزيادة قسمين على الأقل في السنة الثانية، وزيادة قسم في السنة الثالثة. وإحداث سنة رابعة، ويترتّب على ذلك كله مضاعفة الأجور والإعانات وأجور السكنى.

وان إدارة المعهد، ومعها اللجنة المالية، ومعهما جميع المصلحين وأنصار العلم باذلون جهودهم في إحضار السكنى للمشائخ وللتلاميذ. لأن المشائخ- ومنهم المدير- لا يستطيعون أن يعيشوا بعداء عن أهليهم سنة أخرى. وقد آذنوني بذلك من السنة الماضية واشترطوا فقبلت اعتمادًا على الله وعلى الأمّة. والشرط أملك، فلتعلم الأمّة هذا ولتعلم معه أننا قمنا بالواجب وبنينا لأبنائها صرحًا شامخًا، ومعهدًا للعلم باذخًا، وأبرأنا ذممنا من كل ما نستطيع الوفاء به. وأننا واثقنا الأمّة على التعليم فوفينا، وعاهدناها على السير بها إلى الأمام فبررنا. فإن وقع تقصير بعد الآن عن الغاية أو تراجع إلى الوراء فتبعته ملقاة على الأمّة وحدها.

وإذا كانت هذه الأمّة تريد الحياة حقًا فقد شرعنا لها سننها، وفتحنا بابها وخططنا خطتها وبنينا أساسها، وقد قمنا في هذا الباب بواجبنا كاملًا، فليقم كل فرد من أفراد الأمّة بواجبه، حتى تحفظ هذه المشاريع وتقوى وتتكامل.

...

النجاح يقوّي الأمل:

نجح المعهد في السنة الأولى من عمره نجاحًا فوق المأمول. وأحسّ بذلك المشائخ والتلامذة، وأنصار العلم المتتبعون لسيره، والخصوم المتربصون به الدوائر وكل زائر له، وجاءت الامتحانات مصدقة لذلك. ولقد قرأت في أيام الامتحان ثلاث قطع من إنشاء تلاميذ السنة الثالثة، فوالله ما كدت أصدّق أنها من إنشائهم، لولا الأدلّة القاطعة على ذلك. ولولا أني توصلت بلطف الاستدراج إلى اليقين.

إن هذا النجاح قوّى الرجاء في تحقيق الغاية من المعهد، وبسط الأمل، وهوّن العسير من الوسائل بما بثّه في نفوسنا ونفوس الأمّة من اطمئنان، وبما أكّد بيننا وبينها من ثقة، وأننا سنعمل على توسيع الميدان في هذه السنة بما ذكرناه من زيادة المشائخ والتلامذة والأقسام، وإحداث السنة الرابعة التي يحصل التلميذ فيها على الشهادة الأهلية ويخطو منها إلى جامع الزيتونة. وإدارة المعهد منهمكة في إعداد التراتيب الجديدة، على ضوء التجارب القديمة، وستعلن ذلك مع الشروط في أوائل سبتمبر الآتي. وسنستدعي من يمكن استدعاؤه من أبناء الجزائر المغتربين في طلب العلم، الناهلين من ينابيعه الصافية العذبة المحصلين على أعلى درجاته علمًا وشهادة، لينفخوا في المعهد من أرواحهم القوية. ويبثوا فيه نشاطًا أقوى من نشاطنا، ونظامًا أكمل من نظامنا.

هذا وإن الشرط الأساسي لنجاح المعهد وسيره من كامل إلى أكمل هو استقلاله في إدارته ونظامه وماله، وقد حقّقنا له هذا الشرط من أول يوم، فلا يتدخل في إدارته غير مديره ومستشاريه من المشائخ، وسيتكوّن منهم في المستقبل القريب مجلس إدارة بمعناه الصحيح. وكوّنا لجانه العاملة في النظام والمالية من رجال الإصلاح بقسنطينة. فالمعهد يجمعه قولك: فرع باسق بقسنطينة لأصل ثابت بتونس.

همسة في أذن الأمّة:

بوركت أيتها الأمّة، وبورك فيك الكرم وعلوّ الهمّة. إن معهدًا واحدًا لا يكفي لأمّة شارف عددها عشرة ملايين، فماذا أنت صانعة؟

أنت أمّة ولود للذرية. فالواجب أن تكوني ولودًا لأسباب الحياة لهذه الذرية. وفي مقدمة أسباب الحياة المدارس والمصانع. فإن كنت تلدين الأحياء ولا تلدين الحياة فبئس الأمّة أنت.
إننا ننظر النظر البعيد في صالحك وما فتحنا معهد قسنطينة حتى عقدنا العزم على فتح معهد في مدينة الجزائر وآخر في مدينة تلمسان. يأوي كل واحد منها ألف تلميذ، لنغسل عنك لطخة عار سجّلته عن نفسك بهجرة أبنائك إلى الشرق والغرب في طلب مبادئ الفقه والعربية.

أيتها الأمّة:

قلنا لك ان العلم هو عمارة الوطن وأساس الوطنية ومنشئ الوطنيين. وأرشدناك إلى أن العلم بالتعلم. وحثثناك على تكثير مدارسه. وما غششناك في نصيحة، ولا دليناك بغرور. ولا استهويناك بخيال. في حين تألب عليك الغاشون والغارون والمستهوون.

لك علينا البناء والتشييد، ولنا عليك العون والتأييد، وهذه مائة مدرسة وبضع عشرات من المدارس الابتدائية شدتها بإرشادنا، وبذلت فيها الملايين لم يلامس أيدينا منها درهم واحد، بل أنت الدافعة، وأنت القابضة، وأنتِ الصارفة، وأنت المتصرفة، كل ذلك بواسطة الجمعيات الممثّلة لك. فلا تكذبي الحق المبين، وكذبي دعاوي المدّعين. وعاقدي العاملين لك على أمرين متلازمين: الأعمال الإيجابية، والعمليات الحسابية. لا على قاعدة: دع الحساب، ليوم الحساب.

أيتها الأمّة:

إن المشاريع التي بنيتها فأعليت بناءها ما زالت تعتمد على الإحسان المشتّت من الاكتتاب والاشتراك. وان هذه الحالة إن نفعت في هذه المرحلة، لا تنفع في جميع المراحل، فهل فكرت فيما يحفظ بقاء هذه المشاريع وحياتها؟

إن بقاء المشاريع وحياتها لا يكون بالسؤال ومدّ الأيدي في كل يوم. وإنما يكون بمداخيل قارة من أوقاف، أو مؤسّسات للدخل، أو زكوات شرعية. فعودي إلى ما كان عليه سلفك من وقف الرباع والعقارات على مدارس العلم. وحصني الأوقاف ما استطعت حتى لا تعبث بها الأغراض، ولا تتلاعب بها الأيدي.

كلمة الختام:

لعلّي أرضيت نفسي بذكرها مرات وإن ضحّيت في مرضاتها بالأسلوب والنسق، ولعلّي - بما ذكرته من إنفاق سنة كاملة من عمري في سبيل المعهد- قمت بالعذر عما وقع مني من تقصير وإخلال بالواجب في الأعمال العلمية العامة، ومع الأشخاص والجمعيات التي ترجع في أمورها إليّ وخصوصًا مع أبنائي المعلمين. فأشهد أني قصرت فيما تعوّدوه مني من إجابة مطالبهم وإزاحة عللهم. وعذري هو ما ذكرت. فليعلموا أنني- في الحقيقة- ما شغلت عنهم إلا بهم. وسينتهي هذا التقصير بانتهاء موجباته.



* "البصائر"، العدد 44، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 21 جوان 1948م.

1) هو الشيخ حمزة بوكوشة عميد "البصائر".

2) "أفلو" قرية بالجنوب الوهراني، نفت السلطة الاستعمارية إليها كاتب المقال في أوائل الحرب فنظم في أيام الفراغ ملحمة رجزية في شجون من الحياة.

آخر التغريدات: