البصائر" ومعهد ابن باديس

بقلم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي –

للبصائر أن تفخر- في غير من- بما قدّمته لمعهد عبد الحميد بن باديس من خدمة له وتنويه بشأنه. وتعدّ ذلك من أعمالها الصالحات لأنها تعتقد أن هذا المعهد هو المرحلة الثانية من مراحل النهضة العلمية التي بنى دعائمها رجال جمعية العلماء في عقد ونصف عقد من السنين.

وللبصائر أن تبتهج بهذا النجاح الباهر الذي تجلّت عنه اختبارات الانتقال في سنة المعهد الأولى، وبهذه النتائج المدهشة التي حصل عليها تلاميذ المعهد في الكمية والكيفية، وبهذه الكفاءة الممتازة من مدير المعهد وأساتذته.

حضرت بنفسي معظم أيام الاختبار التي دامت عشرة أيام، وعجبت للنظام والضبط قبل أن أعجب للنتائج، وأشهد أن لجان الامتحان كانت متشدّدة لا متساهلة ومع ذلك فقد أبى العمل الجليل إلا أن يعرب عن نفسه، وأبى العرق الأصيل إلا أن يبين عن عتقه. والحمد لله الذي وفّق وأعان، والفضل لأخينا الشيخ العربي التبسي مدير المعهد ولأبنائنا الأساتذة المدرّسين بالمعهد، فقد كشف الاختبار، عن صدق الاختيار وحقّقوا رجاءنا فيهم. وان التوفيق في اختيار الكفاءات هو أول مراتب النجاح.

والبصائر حين تقدّم للمعهد هذه المعونة الأدبية الثمينة، تتمنى لو أن حالتها المالية تسمح لها بتعزيز هذه المعونة بأخرى مادية هو أحوج ما يكون إليها، وإذًا لجادت عليه بكل فواضلها غير بخيلة ولا منانة، ولضربت المثل الشرود للأمّة في البذل للمشاريع النافعة، ولأقامت الدليل المحسوس على أن هذه العصابة القليلة من العلماء تري للأمّة مالها وتربّيه، وتبديه ولا تخفيه، ثم تحيله كيمياء التدبير علمًا وبناءً ومشاريع ورجالًا وحقائق وأعمالًا تنفع الناس وتمكث في الأرض.

وقد رأت "البصائر"- بمناسبة انتهاء دروس المعهد- أن تشارك في إمداده بالمال، وتساهم في تحقيق برنامجه الواسع للسنة المقبلة، فأجمعت الرأي على أن تتبرعّ عليه بعدد في القريب، فتعدّه إعدادًا خاصًا وتحلي صدره بصورة عبد الحميد بن باديس الذي يتشرّف المعهد بالانتساب إليه وبصور المدير والأساتذة ورجال لجنة المالية والمراقبة وبكلمات للأساتذة، وتنشر أسماء التلامذة الناجحين في الاختبار تنشيطًا لهم ولأوليائهم.

ولكن هل يجمل بـ "البصائر" أن تنفرد بهذه المكرمة البكر دون قرّائها؟ وهل يجمل بقرّاء "البصائر" أن يشتروا هذا العدد الذي هو سجلّ شرف بالقيمة الاعتيادية التي لا تشرّفهم ولا تغني عن المعهد غناء؟ لا والله ... لا يجمل بـ "البصائر" أن تنفرد، ولا يجمل بقرّائها أن يتمسكوا بحقهم المشروع. ومَن الفيصل في القضية؟ الفيصل هو "البصائر". فقد حكمت بأن تكون قيمة هذا العدد الخاص بالمعهد "خمسين فرنكا": وهي تتقدّم بالرجاء الخالص إلى الأمّة أن لا يثقل عليها هذا المبلغ في هذا السبيل، وإلى الباعة أن يتنازلوا عن حقهم المعلوم، وإلى المشتركين أن يتسامحوا ويدخلوا مع الجمهور في سوق الشراء فيشتروا ذلك العدد الخاص من الباعة كسائر القرّاء لتظهر الأمّة كلها بمظهر واحد في السماحة والبذل. وسيبدأ مدير الجريدة وأسرتها وعمّالها فيشترون الأعداد الأولى حين تخرجها المطبعة، ثم يتولّون البيع بأنفسهم. وعلى أبنائنا الأساتذة والمعلّمين وجميع الإخوان المصلحين أن يقتني كل واحد منهم عددًا وأن يتولّى بنفسه بيع ما يستطيع من النسخ وأن يتباروا في هذا المضمار، فإنه مضمار شرف وميدان استباق إلى الخيرات.

ويد بالمال للعلم تجود … مزنة بالغيث تهمي وتجود

رب صرح شيد للعلم غدا … وهو للأمّة كون ووجود


* "البصائر"، العدد 41، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 21 جوان 1948م.

آخر التغريدات: