قضية المرأة في منظومة الفكر الباديسي – الحلقة الثانية: المرأة في الفكر العربي الحديث

بقلم: د. محمد بن سمينة-

سبقت الإشارة في الحلقة السالفة إلى أن المفكرين والأدباء في العالم الإسلامي قد أولوا عناية فائقة بقضية المرأة ، وقد انقسمت آراؤهم حيال ذلك إلى فئات ثلاث :

1 ـ منبهرون بالمدنية الغربية ، منادون بتقليدها في كل شؤون الحياة ، فقام هؤلاء بمطالبة المرأة المسلمة بتقليد المرأة الأوروبية في جميع مظاهر حياتها  بتحريرها من كل ما يربطها بدينها وحضارتها ، ومن بين هؤلاء في مصر :

سلامة موسى (1887 ـ 1958) ، محمود عزمي (1889 ـ 1954) ، ملك حفني ناصف (1886 ـ 1916)،  زينب فواز (1846 ـ 1914) ، قاسم أمين (1865 ـ 1908) ، وفي تونس : الطاهر الحداد ، وأشباه هؤلاء ، من بعض المتفرنجين في الجزائر (1).

2 ـ متزمتون جامدون : ضيقوا الخناق على المرأة و حبسوها في عقر دارها بسبب جهلهم بحقيقة الدين الإسلامي ووقوعهم تحت تأثير بعض الأحاديث المكذوبة (2) فظلت المرأة سجينة الجهل والتقليد والخرافات ، ويمثل هؤلاء بعض الفقهاء المتزمتين و بعض المشعوذين الجامدين هنا و هناك ، هؤلاء الذين بلغ بهم الجهل والتحجر والتزمت في هذا المجال و في غيره ، أن أنكروا على المفكرين المنادين بتربية المرأة وتعليمها دعوتهم إلى ذلك ، وتجاوزوا ذلك الإنكار إلى المناهضة والمخاصمة  (3) .

3 ـ معتدلون مستنيرون : حز في نفوسهم ما يرون من آثار هذه الوضعية المهينة التي تعيشها المرأة في البلاد الإسلامية بين تطرف المستغربين في الدعوة إلى التحرر المطلق  وبين غلو المتزمتين في الجنوح إلى السلبية والانغلاق ، فحاول هؤلاء المفكرون المعتدلون أمام ذلك أن يخففوا على المرأة من حدة هذه المعاناة ، فعملوا على الأخذ بأيديها إلى ما دعا إليه الدين الإسلامي من وسطية و اعتدال ، وما منحها من حقوق و حريات ، ففتحوا بذلك أمامها الطريق إلى النهوض بواجبها الاجتماعي و الإنساني ، متحررة من كل مظاهر الظلم والتسلط ، متمتعة بكامل حريتها المشروعة ، و من بين هؤلاء المصلحين : رفاعة الطهطاوي صاحب كتاب (المرشد الأمين في تعليم البنات و البنين) ، شكيب أرسلان ، محمد عبده ، محمد رشيد رضا ، قاسم أمين صاحب كتابي (تحرير المرأة 1889 ـ المرأة الحديثة 1900) عبد القادر المغربي ، مصطفى الغلابيني ، مصطفى بن الخوجة ، عبد القادر المجاوي ،  ابن باديس ، و غيرهم (4)

و مما يحسن الإشارة إليه بهذا الصدد ، وهذه الدراسة تنظر في هذا الموضوع من خلال آثار أحد الجزائريين ، أن معظم المفكرين و الأدباء الجزائريين إنما هم من هذا التيار الثالث  المعتدل المستنير .

المرأة في نتاج الجزائريين : و من ثم يمكن القول أن الأدب العربي في الجزائر لم يعرف ما عرفه هذا الأدب في غيرها من بعض البلاد العربية حول  قضية المرأة من صراعات و خصومات بين المؤيدين والمعارضين ، بين المدافعين عن حقوق المرأة التي أعطاها لها الإسلام ، وبين الناكرين ذلك على الإسلام ، من غربيين متعصبين ، و مستغربين مستلبين،  و متزمتين جامدين .

و مما يمكن ملاحظته في هذا الباب أن العناية بقضية المرأة في الجزائر تعود إلى مرحلة النهضة ( العشرينات من هذا القرن ) ، وبذلك يعتبر تناول هذه القضية متأخرا بمقارنته مع ظهور هذه العناية بها في المشرق (أواخر القرن التاسع عشر) ، و يرجع هذا إلى أسباب موضوعية تعود إلى تأخر انطلاقة النهضة العامة في الجزائر عن مثيلاتها  في المشرق . بيد أن هذا لا يعني أن الجزائر لم تعرف قبل هذه الفترة من لفت النظر إلى وضعية المرأة يومئذ  فكتب في ذلك ، كما يظهر ذلك  في بعض الصحف الصادرة في مطلع هذا القرن (5) ، و كما جاء في بعض كتابات الشيخ (عبد القادر المجاوي) فيما كتبه عن تعليم المرأة في شرحه على منظومة البدع لتلميذه الشيخ (المولود بن الموهوب ) الموسوم (اللمع على نظم البدع) طبع بالجزائر (1330 / 1912 ) (6)

و قد تزامنت مع ظهور هذه الكتابات الجادة المحققة بعض الأصوات الشاذة : فمن هؤلاء  من أنكر لانغلاقهم و جمودهم ، حق المرأة في التعليم ، مستدلين على ذلك بحديث مكذوب،      ومنهم من غال في الدعوة إلى تحرير المرأة  لوقوع أصحاب هذا الفريق  تحت  تأثير بعض الأفكار الغربية الهدامة ،  وهؤلاء على أية حال ليسوا  بكتاب ، و لا بشعراء ، و إنما هم بعض الصحفيين من المتفرنجين الذين شدا بعضهم شيئا من الفرنسية فأوقعهم ذلك تحت دائرة التفرنج ، فكتبوا شيئا في بعض الصحف عن المرأة  فغالوا فيما كتبوا  . إلا أن هذه الكتابة  ما كانت لترقى  إلى مستوى النتاج  الأدبي ، لا من حيث طرق المعالجة ،  ولا من حيث الشكل ، فجاءت بذلك من ناحية التحليل لا تتجاوز أن تكون بعض الكتابات الصحفية العادية و من حيث الصياغة لم تكن مكتوبة بالعربية أصلا ، و إنما ظهرت باللغة الأجنبية (الفرنسية)، و هي  و إن جاز من بعد ذلك ، أن تندرج بهذه الخصائص ضمن النتاج الأدبي ، فإنه ليس  من المنهجي أن تدمج حينئذ - وحالها على ذلك الحال- ضمن الأدب المكتوب بالفرنسية ولعل أول من عني بموضوع المرأة من بين الجزائريين الشيخ (محمد مصطفى بن الخوجة :1865-1917) الذي ألف كتابين في ذلك هما : ( الاكتراث في حقوق الإناث) (7) و (اللباب في أحكام الزينة واللباس والاحتجاب) (8)  و قد عني  فيهما بتربية المرأة و تعليمها و النهوض بها .

ثم بدأت العناية بهذا الموضوع من بعد ذلك تزداد شيئا فشيئا مع بدايات النهضة الأدبية في مطلع العشرينات ، وكان الاهتمام في هذه الفترة منصبا أساسا ، على غاية مركزية واحدة ، هي   (الدعوة إلى تربية المرأة و تعليمها ) ، ولا يكاد الأدباء يتجاوزون في هذه المرحلة هذا المقصد إلى غيره ، لما كان عليه المجتمع الجزائري يومئذ من محافظة شديدة  ثم لم تلبث هذه النظرة إلى الموضوع أن توسعت في بداية الثلاثينات ، فعرفت بذلك شيئا  من عمق النظر والواقعية في تناول جوانب القضية ، كما يظهر ذلك في أعمال هؤلاء الكتاب ( ابن باديس  ، عبد الحفيظ بن الهاشمي،  أبي اليقظان،  محمد العيد، محمد الهادي السنوسي، صالح خبشاش، رمضان حمود  وغيرهم ). ثم استمرت الآراء تتطور و تتبلور حول هذه القضية ، إلى أن بلغت الصورة التي بلغت إليها في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، كما يظهر ذلك في آثار الكاتب ( أحمد رضا حوحو ) ، و من أبرز أعماله في هذا الباب : روايته  (غادة أم القرى ) 1947.

وإننا إذا استثنينا ذلك الشذوذ الذي ظهر في تناول هذا الموضوع من بعض المتفرنجين و الجامدين ، فإن معظم الأدباء الجزائريين قد وقفوا من موضوع المرأة موقفا معتدلا ، و تناولوا جوانبه بنظرة موضوعية جادة، تتلاءم مع أهميته الاجتماعية و أبعاده الإنسانية .

ولعل من بين أبرز من عني بقضية المرأة عناية تستحق التنويه بها من  الجزائريين ، إبان مرحلة النهضة، إدراكا لفاعلية دورها ، إيجابا و سلبا على المجتمع ، هو الإمام ابن باديس الذي أبرز مكانتها في الحياة ودورها في المجتمع ، فقد دعا إلى تحريرها مما يكبلها من قيود الجهل و التقليد ، كما سهر على تربيتها  وتعليمها و وقف في وجه المحاولات التي تعرقل مسيرتها ، سواء منها تلك التي حرصت على إبقائها حبيسة الجهل و التقليد ، أم تلك التي رمت بها إلى مخالب التفرنج والتغريب ؟

 

الهوامش :

1 ـ ALIMERAD : Le réformisme musulman enAlgérieP 317 .

2 ـ  آثار الإمام ابن باديس  3 : 62 - منشورات وزارة الشؤون الدينية الجزائر1981

3 ـ محمد الغزالي : الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر ص 73 الجزائر 1988

4 ـ د / فهمي جدعان : أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث ص 45

5 ـ د / محمد ناصر : المقالة الصحفية 1 : 229 الجزائر 1978

6 ـ  ابن باديس حياته و آثاره 1 :20  مصدر سابق و ينظر حمزة بوكوشة : مجلةالثقافة ع10  (رجب 1392 / 1972 ) ص 11

7 ـ مطبعة فونتانا  الجزائر  1895

8 ـ مطبعة فونتانا  الجزائر  1907

يتبع

آخر التغريدات: