معهد ابن باديس1947-1957م غرّة أعمال جمعية العلماء

بقلم:أ.عيسى عمراني -

يعد معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة الذي فتح أبوابه للطلبة العام 1947م، قيمة مضافة وامتدادا للدروس العلمية التي كانت تقدم بالجامع الأخضر من قبل الشيخ ابن باديس، مع تطور في الإدارة والتجهيز والأسلوب التعليمي.

فقد تفضلت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بإنشاء هذا المعلم تخليدا لذكرى الشيخ، ومواصلة جهوده في نشر التعليم العربي الحر وبعث الثقافة العربية الإسلامية في الجزائر، فأسسته بمسقط رأسه وأطلقت اسمه عليه. ويقع مقره بساحة (البطحاء) بوسط المدينة خلف المسجد الكبير الواقع بشارع العربي بن مهيدي المعروف بــــ (الطريق الجديدة).

ويعد هذا الإنجاز مفخرة ومكسبا يشهد لجمعية العلماء،لأنه النواة الأولى للدراسة الثانوية المعربة في تاريخ الجزائر المعاصر، وقد تعدت تكلفته خمسين50 مليون فرنك فرنسي قديم كلها من تبرعات الشعب.

يقول فيه الشيخ الإبراهيمي: «المعهد الباديسي هو مفخرة الأمة الجزائرية، وهو غرة أعمال جمعية العلماء وأعظمها خطرا، وأعلاها قدرا وأكثرها نفعا، فهو يؤوي سبعمائة تلميذ من أبناء الأمة، ويهيئهم لأن يصبحوا قادة لحركتها، ومسيرين لنهضتها في جميع الميادين الحيوية، ومنه تخرج البعثات العلمية والصناعية، ومن صفوفه يتخرج الوعاظ المرشدون والخطباء والكتاب والمعلمون».

وكانت دائرة الإقبال على الدراسة بهذا المعهد تتسع يوما بعد آخر، فمن 702 طالبا في السنة المدرسية 1950م-1951م، قفز العدد إلى 913 طالبا العام 1955م، وهو عدد معتبر بمقياس الزمان وظروف المجتمع آنذاك.

فكان طلابه يتوافدون من كل فج عميق ليشهدوا منافع العلم من منهله الصافي، مما اضطر جمعية العلماء إلى المبادرة بشراء مسكن لإيواء الطلبة القادمين من خارج المدينة ومختلف الولايات وتمت تهيئته وتأثيثه، وفتح سنة 1953م وكان يتسع لــ500 طالب،وسمي بـ"دار الطلبة"،وأصبحت ملحقا بالمعهد، تقوم بأداء مهمتها على الوجه الذي ينبغي.

وقد ضبطت شروط للالتحاق بالمعهد حددت كما يأتي:

أن يكون التلميذ حاصلا على الشهادة الابتدائية، أو يتم دخوله عن طريق امتحان،مع استظهار ربع يس على الأقل.

ألا يقل عمره عن ست عشرة سنة.

أن يتحمل نفقات الإطعام والإيواء وإحضار كسوته وفراشه وغطائه.

أن يتقدم لتسجيله والده أو وكيل عنه.

أن يكون سليما من أي مرض معد.

وعن مرحلته التعليمية يقول الشيخ أحمد حماني (وهو أحد المدرسين بالمعهد وتلميذ ابن باديس):إن معهد ابن باديس يعد ثانويا بالنسبة لمدارس جمعية العلماء الابتدائية، وابتدائيا بالنسبة لجامع الزيتونة بتونس وهو فرع منه.

ومن حيث منهاجه الدراسي يذكر الشيخ «عبد الرحمن شيبان» -وكان أحد أساتذته - أنه مطابق للمنهاج المطبق في جامع الزيتونة بتونس و خاصة منهاج النحو، وقد سعى الشيخ شيبان بصفته (رئيسا لجمعية الطلبة الجزائريين بتونس آنذاك) إلى ربط الصلة بين المعهد وجامع الزيتونة بطلب من الشيخ الإبراهيمي للاعتراف بالشهادة التي تمنح به، فلبى مشايخ الزيتونة رغبة الجمعية ووافقوا على أن يكون معهد ابن باديس فرعا لجامع الزيتونة، وبذلك أصبح الطلبة الجزائريون يتقدمون لامتحان الشهادة الأهلية بالزيتونة دون عقبات كانت تواجههم من قبل، منها إلغاء شرط إعادة السنة الرابعة هناك قبل اجتياز الامتحان، فكانت الدراسة بالمعهد تستغرق أربع سنوات تتوج بشهادة الأهلية تؤهل المتحصل عليها لمزاولة دراسته الثانوية بالزيتونة.

ويتطابق منهاج المعهد مع منهاج مدارس جمعية العلماء من حيث الأهداف، فهو يرمي إلى تربية الجيل الجديد وغرس العقائد الصحيحة في ذهنه وأداء العبادات والتشبع بالروح الوطنية والغيرة على اللغة العربية وتاريخ الإسلام وتاريخ الجزائر، لمواجهة الزحف القادم من الغرب.

ويتطابق منهاج المعهد مع منهاج مدارس جمعية العلماء من حيث الأهداف، فهو يرمي إلى تربية الجيل الجديد وغرس العقائد الصحيحة في ذهنه وأداء العبادات والتشبع بالروح الوطنية والغيرة على اللغة العربية وتاريخ الإسلام وتاريخ الجزائر، لمواجهة الزحف القادم من الغرب.

تقدم الدروس ضمن حصتين صباحية و مسائية بمعدل ثلاثة دروس في كليهما وتستغرق مدة الدرس خمسين دقيقة،تدرس خلالها مواد أساسية وأخرى ثانوية.

أما الأولى فتشمل: التفسير والحديث والفقه والفرائض والعقائد والمواعظ والتجويد والأصول والمنطق والنحو والصرف والأدب والبلاغة والمحفوظات والإنشاء والمطالعات...

وأما الأخرى فتتمثل في مبادئ في الرياضيات والطبيعيات والجغرافيا والتاريخ وحفظ الصحة، وأصول الأشياء.

وقد حاولت الجمعية وإدارة المعهد إدخال إصلاحات على المواد الدراسية وطرائق التدريس بالمعهد تماشيا مع تطورات العصر، فأعطت أهمية للمواد العلمية، منها؛ الحساب والغاية من تدريسه، وتدريس الهندسة مثلما تدرس بالثانويات الفرنسية، وتعريب المصطلحات، وتدريس التاريخ من الكتب المصرية وغيرها...

كما اتبع أساتذته الطرائق الحديثة في التدريس لأن التعلّم لم يعُد للعبادة والتبرك فحسب، ولكنه أيضا سلاح يواجه به الطالب معترك الحياة.

ورغم اعتماد الكتب المقررة بجامع الزيتونة إلا أن أسلوب التدريس بالمعهد يختلف عنه في هذا الجامع وأكثر تطورا،حسب شهادة بعض أساتذته، من حيث التجهيز والوسائل،وطرائق التدريس وفنياته،فكان تدريس الأدب-مثلا- يقوم على انتقاء النصوص المناسبة للعصور الأدبية، وتدريس اللغة عن طريق النصوص، و كان معمولا بهذه المنهجية من قِبل المدرسة العربية منذ العصر العباسي، ثم تراجعت في عصور الانحطاط لتعود إليها مدرستنا اليوم ضمن «المقاربة النصية» وكثير ممن يظنها من إبداع الغربيين.

وإضافة إلى مهمة التعليم كان المعهد يؤدي دورا ثقافيا من خلال ما يقدمه من دروس في الوعظ والإرشاد لعامة الناس، وإلقاء محاضرات عامة في المناسبات والأعياد الدينية، وتقديم عروض مسرحية وموسيقية ورياضية ، وإحياء ذكرى وفاة الشيخ ابن باديس،وتدريب الطلبة على الخطابة ونظم الشعر.

وقد بلغ عدد أساتذته عند افتتاحه خمسة عشر أستاذا متفرغا، يقومون بتدريس العلوم الدينية واللغوية والاجتماعية وآخرين مشاركين متطوعين يدرّسون المواد العلمية.

ومن أساتذته: العربي التبسي (وكان يشرف على إدارته، ثم خلفه محمد خير الدين)، وأحمد حماني، وعبد المجيد حيرش، ونعيم النعيمي، وأحمد حسين، والعباس بن الشيخ الحسين، ومولود النجار، وعبد القادر الياجوري، وعبد اللطيف سلطاني، وعبد الرحمن شيبان، وعمر الشكيري، والسعيد الزموشي...

ومن تلامذته المعروفين:الدكتور أبو القاسم سعد الله، والدكتور عبد الله ركيبي، والدكتور عثمان سعدي، والكاتبة زهور ونيسي، والأديب الجنيدي خليفة،والشاعر بلقاسم خمار، واللغوي محمد فارح، واللواء رابح بوغابة، والعقيد محمد شعباني،ومحمد الصالح يحياوي (ضابط ووزير سابق وأمين عام الأفلان)، والسعيد عبادو (وزير سابق)، ومحمد الشريف عباس (وزير سابق)، وأبو عبد الله غلام الله (وزير سابق) وغيرهم كثير.

استمر المعهد في تأدية مهمته حتى العام 1957م حيث صدر قرار بغلقه من قبل السلطات الفرنسية وتحويله إلى ثكنة عسكرية إلى غاية 1962م تاريخ استقلال الجزائر، علما بأن عددا غير يسير من شيوخه وتلامذته أسهم في ثورة التحرير بفعالية.

وبعد الاستقلال ألحق المعهد بوزارة التربية ثم بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف وبدأت بنايته تتدهور شيئا فشيئا ولم يحظ بعناية أوإعادة اعتبار حتى سنة 2004 م عندها تم ترميمه ونفخت فيه الروح مجددا فاستوى وصار معهدا للقراءات القرآنية.

المراجع:

الخطيب.(أحمد)، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب،الجزائر،د.ط، 1985.

تركي.(رابح)، التعليم القومي والشخصية الجزائرية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط2، 1981.

الإبراهيمي.(محمد البشير)، آثار محمد البشير الإبراهيمي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، د.ط، ج3، 1987.

عشوي.(مصطفى)، المدرسة الجزائرية إلى أين؟، دار الأمة، الجزائر، د.ط، 1991.

بوثريد(عائشة)، التعليم العربي الحر في الجزائر ومؤسساته من سنة 1947م إلى سنة 1962م- قسنطينة نموذجا-، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ المعاصر، 2003-2004.

خير الدين(محمد)، مذكرات الشيخ خير الدين، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط1،ج2.

مرتاض.(عبد المالك)، نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر (1925-1954)، الشركة الوطنية للبنشر والتوزيع، الجزائر، ط2، 1983.

مقلاتي.(عبد الله)، إسهام شيوخ معهد عبد الحميد بن باديس وطلابه في الثورة التحريرية، دار الهدى، عين مليلة، د.ط، 2014.

عمراني .(عيسى)، المدرسة الباديسية ومناهجها الدراسية، دار الهدي، عين مليلة، ط1،2015.

آخر التغريدات: