الإمام عبد الحميد بن باديس وحركته الإصلاحية (1889-1940)

بقلم: محمد صلاح الدين المستاوي -

شعـب الجزائـر مسلـم *** والى العروبــة ينتسـب

من قـال حـاد عن أصله *** أو قـال مـات فقد كـذب

كان هذا مطلع نشيد ردده ثوار الجزائر في الأوراس وهم يلقنون قوى المستعمر دروسا في التضحية والفداء.

نعم لم تمض على وفاة الأب الروحي للثورة الجزائرية خمسة عشر سنة حتى انطلقت شرارة الثورة الجزائرية في الفاتح من نوفمبر سنة 1954م، هذه الثورة التي لم تعرف الخمود إلا بعد طرد آخر جندي من جنود المستعمر الدخيل، هذا المستعمر الذي ما كان يحسب أنه سيغادر أرض الجزائر في يوم من الأيام. إن استعماره للجزائر كان توطينيا وكان يستهدف إلحاق هذا الجزء العزيز من وطننا الإسلامي بالتراب الفرنسي حتى أن احد أركانه وأعمدته الكاردينال لافيجيري قال في الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر سنة 1930م: (إن عهد الهلال في الجزائر غبر وأنه عهد الصليب قد بدأ، وإنه سيستمر إلى الأبد). ولقد أعدت السلطات الاستعمارية من المخططات والبرامج، من يوم دخولها إلى الجزائر ما حسبت أنها بتحقيقها لن تغادر هذه الأرض.

فكانت مخططات التفقير المتمثلة في سلب الأراضي والممتلكات ممن أصحابها الأصليين وتسليمها للمستعمرين الفرنسيين. وكانت مخططات التجهيل المتمثلة في إبعاد الشعب عن تراثه وحضارته وإحلال الثقافة والقيم الاستعمارية محلها حتى تنشا أجيال متنكرة لماضيها محبذة للتبعية الفرنسية. وكانت في الأخير مخططات التنصير التي جاءت نتيجة حتمية لمخططات التفقير والتجهيل، وقد شهدت جهات نائية وأماكن قاصية ودانية من التراب الجزائري نشاطا حثيثا لبعثات التبشير. غير أن كل هذه المخططات الجهنمية ما كانت لتتحقق دون أن يقيض الله لهذه الأمة من يقف في وجه هذا التيار ويقوم بعمل جبار تمليه ظروف الشعب الجزائري.

في هذا الجو القاتم ووسط هذا الشعب الحائر انطلق من قسنطينة رجل استطاع بمشيئة إليهة وعزيمة فولاذية أن يجتث هذه المخططات من جذورها ويجمع شتات شعب أنهكته شراسة الفتن الاستعمارية لينطلق فيما بعد في ثورة مباركة ما كان لينتصر فيها لو لم يكن يتذرع بالإيمان ولو لم يكن ينطلق من معتقدات ومقدسات الشعب التي ديست وانتهكت في وضح النهار.

لقد كانت عزيمة عبد الحميد بن باديس قوية لا تقهر وكانت مخططاته من الدقة والحكمة ما جعلها تتحقق مرحلة بعد مرحلة، فقد استمرت الحركة الإصلاحية بعد وفاته سائرة في النهج الذي خطه لها من أول يوم جاعلة نصب عينيها إجلاء المستعمر عن هذه الأرض. ولإدراك أهمية هذا العمل الإصلاحي الجبار الذي قام به الإمام عبد الحميد بن باديس في الجزائر يجدر بنا أن نستعرض ولو باختصار شديد إلى حياة هذا المصلح الكبير.

كان ميلاده في الخامس من ديسمبر 1889 بمدينة قسنطينة بالشرق الجزائري وبعد أن تمكن من مبادئ اللغة العربية والعلوم الشرعية اتجه إلى جامع الزيتونة بتونس حيث تحصل على زاد علمي كبير ثم قفل حاجا إلى البقاع المقدسة وهنالك التقى برجالات الإصلاح والجهاد من كل أنحاء العالم الإسلامي وهناك أيضا خطط برنامج عمل طويل بصحبة صديقه ورفيقه وخليفته من بعده هل رأس جمعية العلماء الجزائريين الشيخ البشير الإبراهيمي.

عاد الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى قسنطينة ليبدأ عملا عظيما وخطيرا في الآن نفسه لقد عرف ابن باديس مكمن الداء لدى مواطنيه فاتجه إليه مباشرة، وما كان التوفيق ليحالفه لو لم تكن برامجه دقيقة طويلة الأمد، هادئة، في حركتها. ماذا عساه أن يفعل بشعب اجتمعت فيه كل الأمراض والعلل فهو فقير وجاهل ومتخاذل بل ومخدر من طرف بعض شيوخ الطرق الذين أغدقت عليهم السلطة الاستعمارية الأموال وأحاطتهم بهالة كبيرة فاندفعوا يقنعون أتباعهم بشرعية هذا الاحتلال وأنه من مقادير المولى سبحانه وتعالى!!

ولكن عبد الحميد بن باديس المسلم الحقيقي والعالم العارف بأمور الدين ورجل الإصلاح الذي لا يتبادر اليأس إلى نفسه والوطني المخلص، لذلك خطط في عمله لمواجهة كل هذه المثبطات التي ستعترض سبيله وتعكر صفوه وأعطى من نفسه المثل للتضحية من اجل الشعب : فكان يجلس في المسجد الأخضر بقسنطينة من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الظهر يعلم أبناء المسلمين أمور دينهم. فكان يعلمهم العقائد والتفسير والحديث واللغة كل ذلك ممزوجا بروح من الايجابية والفاعلية والكراهية للمستعمر والاعتزاز بالنفس.

وما كان عمله لينتهي عند صلاة الظهر بل إنه يرتاح ساعة يتناول فيها ما تيسر له من طعام ثم يعود للتدريس إلى منتصف الليل وفي هذه الفترة الثانية يعلم الكبار، ولقد استمر على هذا النسق من العمل الدائب والمجهود الجبار إلى أن غادر هذه الدنيا رضي النفس. وكان يخصم من وقته أياما على حساب راحته يذهب فيها إلى الجزائر العاصمة وبقية المدن ليحاضر الجماهير التي سمعت عنه وعن حركته الكثير وتجاوبت معه من الأبعاد وصار ابن باديس الأب الروحي للشعب الجزائري والتف حوله نخبة من خيرة أبناء الجزائر وعلمائها فصاروا له أعوانا وعن مبادئه الإسلامية منافحين وتقاسموا تحت إشرافه القيام على العمل الإصلاحي في مختلف جهات الجزائر.

ولقد كانت مهمة كبيرة وعسيرة في الآن نفسه لأن المستعمر جند كل طاقاته وإمكانياته لإماتة هذه الروح التي يسعى ابن باديس وجماعته إلى إحيائها وإيقاظها في الأنفس النائمة والعقول الجامدة. ولقد استعان ابن باديس في عمله الإصلاحي بكل الوسائل لإبلاغ مبادئه إلى كل أفراد الشعب الجزائري، هذه المبادئ التي تتلخص في الشعار الصادق الذي رفعته الحركة إلا وهو (الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا) وهل يمكن أن يتعايش هذا الشعار مع دعوات الاندماج والذوبان والفرنسة؟!

إن الجواب لا يمكن أن يكون إلا عمليا ولقد تجسد في عشرات المدارس العربية ومئات الكتاتيب القرآنية والكليات الشعبية. لقد استعاد المسجد دوره الطلائعي في قلب المجتمع بقيام هذه الحركة المباركة فإذا هو حصن من حصون الإسلام المنيعة. انطلقت من مساجد الحركة كتائب الإيمان في مسيرة خالدة سجلها التاريخ واستعاد فيها الإنسان الجزائري عزته وكرامته ولقن قوى الشر دروسا لن تنساها.

وأصدر ابن باديس عدة صحف ومجلات ظلت منابر هدى ومشاعل إيمان يهتدي بها شعب الجزائر في مسيرته الإصلاحية رد فيها الشيخ ابن باديس على التهم الواهية التي تلصق بالإسلام والعروبة، ورد فيها على من ذهبوا يبحثون عن ذاتية الشعب الجزائري فلم يجدوها!!

بتأكيده أن شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب. ولقد صمدت هذه الحركة لكل الأعاصير التي اجتاحتها والمؤامرات التي استهدفت القضاء عليها ونال ما نال القائمين عليها من الاضطهاد والتضييق ما سيجازيهم عنه الله خير الجزاء. ولقد تنبه الاستعمار إلى خطورة هذه الحركة وخصوصا عندما استجابت جماهير الشعب إلى نداء رائدها الشيخ عبد الحميد ابن باديس بمقاطعة احتفالات الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر والتي أعدت لها فرنسا اكبر الاستعدادات ففشلت وشعر المستعمر من ذلك اليوم بأن بقاءه في الجزائر لن يطول وانه مرهون بيقظة هذا الشعب والتفافه حول رواد الإصلاح. واستمر الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله على هذا النسق من الجهاد إلى أن وافته المنية في 16 من ابريل 1940م.

إن الحديث عن عبد الحميد ابن باديس هو الحديث عن شعب بأكمله يعترف له اليوم بالأبوة الروحية فلقد كان رحمه الله مثال العالم العارف والمجاهد المحتسب والمؤمن المخلص وكان يشعر رحمه الله شعورا صادقا أنه أب لكل الشعب فبادله الشعب ذلك الشعور ببنوته ولقد برهن ابن باديس أن العالم متى أخلص العمل لوجه الله وتفاعل مع ما يؤمن به وكان صادق اللهجة فلن يعجز عن تحقيق عظائم الأمور.

آخر التغريدات: