مسألة التاريـخ عند الإمام عبد الحميد بن باديس

بقلم: أ.د. مولود عويمر-

تحاول هذه الدراسة البحث عن تصور ابن باديس لمسألة التاريخ ومدى أهميته في بناء مشروع إصلاحي في ظروف تتحكم فيها دولة مستعمرة عانت نفسها من إشكالية التاريخ والهوية بعد هزيمتها في حرب 1870 مع دولة فتية (ألمانيا).

وقد انتصرت ألمانيا بفضل عزيمتها على استعادة مجدها، وبناء مستقبل قوي استنادا على تراثها العريق. وبدأت فرنسا فعلا في تفعيل حركة الكتابة التاريخية لبناء هوية غالبة، بإصلاح مناهج التعليم وإصدار سلسلة من الكتب والمجلات التاريخية التي مازالت بعض منها تصدر إلى اليوم.

وهذا المفهوم للتاريخ المعبر عن الشعور الوطني والمحرك للتحرر والمؤسس لمشروع النهضة هو الذي حدد أسلوب تعامل إبن باديس مع التاريخ والكتابة التاريخية، فاستقدم الماضي لفهم الحاضر وبناء المستقبل. فهو ينطلق من فكرة المؤرخ بيساه شينار وهي أن: "أي مجتمع يعيش حركة تحريرية أو تغير في نظام حكمه أو تغيرات اجتماعية لابد أن يصاحب هذا أو يسبقه أو يتبعه إعادة نظر في تاريخ هذا المجتمع".

التاريخ والوعي التاريخي:

التاريخ بمعناه العام "هو دليل وجود الأمة، وديوان عزها، ومبعث شعورها، وسبيل اتحادها، وسل رقيها." وبمفهومه الأكاديمي هو دراسة لنشاط الإنسان في الزمن، وتحليل الأحداث النابعة من عمق المجتمع الواعي بذاته، والمدرك لرسالته الحضارية.

أما الوعي التاريخي فهو "حالة متقدمة في مجال المعرفة التاريخية وامتلاك القدرة على ممارسة التدوين التاريخي فالوعي التاريخي هو حالة أكثر تقدما من الحس التاريخي لجماعة أو أمة من الأمم .. ونرى أن الكتابة التاريخية لا تتحقق قبل تحقق الوعي التاريخي عند أمة أو جماعة.‏"

فالوعي التاريخي هو إذن يقظة داخلية تبحث عن الذات، وتتساءل عن انتمائها الحضاري وهويتها الثقافية، ومصيرها المجهول في الحاضر والمستقبل، وإن "الكوارث القومية" كما يرى بعض المؤرخين كالدكتور قسطنطين زريق والدكتور عبد الله العروي لها دور حاسم "في خلق الوعي التاريخي" لأن "عدم إدراك أسباب الكوارث أنكى وأضر بالشعوب من المصائب في ماديتها".

وتزداد أهمية هذا التساؤل الذاتي في الجزائر، أين يعيش المسلم الجزائري حالة المستعمر، فشلت كل محاولاته السابقة السياسية والعسكرية في التحرر من الاحتلال الاستعماري الفرنسي.

ويؤدي التاريخ وما حوى من إنجازات وإخفاقات إلى تحويل هذا الشعور النفسي إلى وعي ورشد يحمل مجتمعا ما أو أمة ما إلى قراءة لمختلف أطوار حياتها، وماضيها وإنجازاتها، لتتحرك في الواقع، وتتوجه بثقة نحو المستقبل.

ينما يرى المفكر المغربي الدكتور عبد الله العروي أن الهدف من الوعي التاريخي هو ليس استرجاع للماضي، وإنما محاولة التغلب عليه وتجاوزه.

مصادر إبن باديس التاريخية:

في مقال نشره إبن باديس في عام 1937 بيّن فيه فلسفة دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وحدّد أصولها ومنابعها الأساسية. ويهمنا هنا بالدرجة الأولى أصولها التاريخية. ففي البند الخامس، أكد على التزام الجمعية بـ "سلوك السلف الصالح - الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وأتباع التابعين- تطبيق صحيح لهدي الإسلام." وركز في البند السادس على "فهوم أئمة السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب والسنة".

فيعتبر إبن باديس نفسه حلقة في سلسلة طويلة تستمد مرجعيتها الفكرية ومنهجها في التغيير من مصادره الأولى وهي الوحي ثم التراث العلمي الذي أنتجه العقل المسلم عبر أجيال من العلماء والمصلحين. فهو سلفي المرجعية ومجدد المنهج في تعامله مع الواقع الجزائري.

كانت تتنافس في الجزائر نزعتان: نزعة إبادة هذه الأمة ونزعة إدماج ومسخ هذا الشعب في الأمة الفرنسية حتى تقضي عليها. فالتحدي مضاعف. ولعل الاحتفالات الصاخبة بذكرى المئوية باحتلال الجزائر كان مثالا على هذا التحدي الذي استجاب له العلماء الجزائريون، وأثبتوا لفرنسا أن الجزائر العربية والمسلمة حية لا تموت.

وقد أصدر إبن باديس بيانا بمناسبة الاحتفال بذكرى احتلال قسنطينة، بين فيه أن الأمة الجزائرية بقيت حية رغم مرور قرن من الاستدمار.

ويرى إبن باديس أن المعركة بين المستعمر والمستعمر تلعب في ملعب التاريخ. فقد حارب الاستعمار الفرنسي كل ما يذكر الجزائريين بانتمائهم العربي الإسلامي، وقدم عبّر العديد من المثقفين الجزائريين عن غربتهم في وطنهم، وجهلهم لتاريخهم وماضيهم بسبب محاربة الاستعمار للتعليم العربي في الجزائر.

وقال ابن باديس في هذا السياق: "إن من جنايات الاستعمار الأوروبي على البشرية أنه قلب حقائق التاريخ على الناس، فقد صور الأمم التي ابتليت به وأصيبت بشره، بصور من الهمجية والوحشية والتأخر والانحطاط لا أبشع منها، ذلك ليبرر استيلاءه عليها، ومن عليها بما زرعه فيها عمران، وإن كان هو المستغل لذلك العمران والمستبد به."

وضرب ابن باديس مثالا على ذلك، هو يتمثل في تشويه الأمريكيين لتاريخ الهنود الحمر،وربطه بتشويه فرنسا لتاريخ الجزائر. وهو تشويه لا يقل شرا عن الأول. فيأتي كتاب أحمد توفيق المدني "محمد عثمان باشا" ليدحض مزاعم بعض المؤرخين والمثقفين والسياسيين الفرنسيين الذين قدموا صورا سوداء عن الجزائر في عهد الحكم العثماني، ويبيّن " ما كانت عليه الجزائر من القوة والعمران قبل الاحتلال الفرنسي، وما أصابها من التخريب والتقتيل أيام الاحتلال وبعيد الاحتلال، ناقلا له من كتب ووثائق فرنسية لا غبار عليها."

شواهد كثيرة ودراسات متعددة تؤكد على اهتمام إبن باديس بالتاريخ وهو طالب في تونس متأثرا بأستاذه البشير صفر الذي كان له الفضل في اطلاع إبن باديس على تاريخ أمته ووطنه، وبث في الروح "التي جعلت منه عالما مصلحا.

واهتم ابن باديس بالتاريخ كمدرس، فقد درس هذه المادة لطلبته بالإضافة إلى العلوم اللغوية والشرعية. فذكر تلميذه محمد المنصوري الغسيري أن دروس إبن باديس "ترتكز على محاضرات في التاريخ العربي الإسلامي، والنهضة الإسلامية الحديثة، والدروس الدينية الصافية." ومن أهم هذه الكتب المقررة في دروسه نذكر: سيرة إبن هشام ومقدمة إبن خلدون، والعروى الوثقى للإمامين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وتاريخ العرب للمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون.

وأريد أن أتوقف قليلا هنا عند تأثيرات إبن خلدون. فقد حرص ابن باديس على تدريس فصول من كتاب "المقدمة" على تلامذته الأصفياء بعد صلاة الفجر بعيدا عن أعين الاستعمار التي تغفل في هذا الوقت المبكر.

والسؤال الذي نريد أن نطرحه هنا هو: هل اكتفى ابن باديس بتدريس "المقدمة" من باب نشر الثقافة الإسلامية بين صفوف تلامذته، أم أنه كان هو نفسه متأثرا بابن خلدون؟

كان ابن باديس متأثرا بالفكر الخلدوني ويظهر ذلك بوضوح في كتاباته، فلنقرأ هذه السطور التي سينسبها القارئ إلى إبن خلدون لو حذفنا اسم كاتبها الحقيقي، وهو إبن باديس، لتشابه الألفاظ وتقارب المعاني: "من المعروف في تاريخ الأمم والأجيال أو الناس في كل جيل وكل أمة يختلفون في درجات المدنية والرقي، فتوجد فيهم الطبقات المنحطة، وأكثر ما تكون في دواخل البادية، وتوجد فيهم الطبقة الراقية، وأكثر ما تكون في المدن والقرى. والبادية – كما هي مصدر غذاء الحاضرة المادي كذلك هي مصدر غذائها الاجتماعي والفكري، فلا تزال البادية تدفع بالأفراد والجموع منها الأقوياء الأبدان المتان الأخلاق السالمي الفطر، إلى الحاضرة فيجددون فيها ما أضعفته المدنية من أبدان، وما أفسدته من أخلاق، وما شوهته من فطرة، ولا تزال الحاضرة – في مقابل ذلك- تبعث بأشعة علومها وتهذيبها إلى البادية فتنيرها وتستحث أهلها على اللحاق بطبقات الراقين المتمدنين. هكذا الحال ولا يزال بينهما دواليك"

وكذلك يظهر هذا التأثير الخلدوني في قول ابن باديس : "العدل هو أساس الأمن والسلام." وهي مقولة تشبه مقولة ابن خلدون الشهيرة: "العدل أساس الملك". وكثيرا ما ردد ابن باديس مصطلح "العمران". وفي وصفه لكتاب أحمد توفيق المدني يقول عنه : "عرض للتاريخ بين دلائل العلم ومناهج الفن". ونحن نعرف أن ابن خلدون هو أول من أطلق مصطلح الفن على التاريخ في مقولته الشهيرة التاريخ "فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية".

إسهاماته في كتابة التاريخ ونشر الوعي التاريخي

في البداية، أريد أن أشير إلى أن الدراسات القليلة التي اهتمت بإسهامات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في كتابة تاريخ الجزائر ركزت بشكل كبير على كتابات الشيخ مبارك الميلي وأحمد توفيق المدني، وأهملت إسهامات الأعضاء الآخرين من الجمعية.

وفي الفترة الأخيرة ظهرت بعض الدراسات التي استدركت جزءا من هذا النقص، إذ تم التطرق لإسهامات ابن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي.

صدرت الدراسة الأولى في مجلة "الموافقات" الصادرة عن المعهد الوطني العالي لأصول الدين للباحث حسين شرفة .

أما الدراسة الثانية فقد قدمها الدكتور أبو القاسم سعد الله على شكل محاضرة في الملتقى الدولي حول شخصية الإبراهيمي، حيث تناول "الثقافة التاريخية عند الشيخ الإبراهيمي". وأنا سأركز هنا على إسهامات الشيخ إبن باديس.

 

تحدث إبن باديس عن دور الإنسان في التاريخ وخاصة المتميّزين من البشر الذين يعود لهم الفضل في تحريك مسار التاريخ. "العباقرة الذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب، فيحوّلون مجرى التاريخ ويخلقونه خلقا جديدا".

وقال في موقع آخر عن دور العلماء في الحفاظ على كيان الأمة ووحدتها : "وإذا راجعنا تاريخ المسلمين في سعادتهم وشقائهم وارتفاعهم وانحطاطهم وجدنا دلك يرتبط ارتباطا متينا بقيام العلماء بواجبهم، أو قعودهم عما فرضه الله وأخذ به الميثاق عليهم."

 

ولخص المصلح الجزائري مهمة الأنبياء في الدعوة والإصلاح في هذه العبارة ذات النكهة التاريخية: "وليس الأنبياء إلا تاريخ جهاد ومجاهدة في هداية الناس".

وحدّد ابن باديس أسس الوحدة العربية، فوضع التاريخ عاملا أساسيا في هذه المعادلة التي تعبر عن العلاقات التي تربط العرب: التاريخ، اللغة، الجنس، الألم.

وكان إبن باديس حريصا على نشر بعض الوثائق التاريخية لدحض السياسة الاستعمارية من جهة ووضع وثيقة نادرة في أيدي المؤرخين ليستعينوا بها في كتاباتهم. فنشر التقرير الذي كتبه عمه حميدة بن باديس عن حالة الجزائر في نهاية القرن التاسع عشر. وعلّق إبن باديس على هذا التقرير بقوله أنه يمثل وثيقة تاريخية يجب أن يعتبر بها القراء، ويقارنوا من خلالها بين ماضيهم وحاضرهم.

وفي نفس السياق، نشر الشيخ ابن باديس كتاب "العواصم من القواصم" لأبي بكر بن العربي في 1928 في جزءين بالمطبعة الإسلامية بقسنطينة. واعتبر المفكر الجزائري مالك بن نبي هذا الإصدار من حيث المضمون والفترة الزمنية التي اختارها إبن باديس لنشرها خطوة عملاقة في مسيرة تأسيس المشروع حضاري: "عندما قام بطبع كتاب "العواصم من القواصم" لأبي بكر بن العربي (468 هـ-543هـ) على نفقته كانت هذه الطبعة –رغم ثغراتها- تأكيدا لشخصية تعمل على الصعيد التاريخي لحضارة ما."

وخصص إبن باديس بابا في مجلته "الشهاب" عنوانه: "رجال السلف ونساؤه" لوضع تراجم لشخصيات إصلاحية من السلف الصالح لاستخلاص العبر وأحذ القدوة والتذكير الجزائيين بانتمائهم الحقيقي بالأمة الإسلامية، وتجديد روح الحياة في نفوسهم.

واعتمد في كتابته لهذه الشخصيات على تاريخ ابن خلدون والطبري وابن العربي. وكان الهدف كما جاء في افتتاحية المقال الأول هو تثبيت القلوب وبعث القدوة ونفخ روح الحياة.

ولاشك أنه يريد من خلال سرد هذه النماذج الناجحة في العلم والأخلاق والقوة والعزة أن يربط الجزائري بماضيه المجيد حتى لا يشعر بالغربة في الحاضر، ولا ييأس من الفرج في المستقبل.

وكتب إبن باديس سلسلة من المقالات تحت عنوان " الفكرة الإسلامية" ليفند كل الأطروحات الإستشراقية التي شوهت تاريخ الفتح الإسلامي، فقد بين إبن باديس خلال سبعة مقالات تسامح المسلمين مع غيرهم من الشعوب المسيحية واليهودية، وتمتعهم بكامل حقوقهم في ظل الدولة الإسلامية.

ظهر التاريخ في أدبيات جمعية العلماء وتآليف رجالها. فقام الشيخ مبارك الميلي بتأليف كتاب "تاريخ الجزائر في القديم والحديث"، صدر المجلد الأول في عام 1928، وصدر الثاني في عام 1932. وكان هذا الكتاب أول كتاب يبيّن للجزائريين المستعمرين بأنهم أمة مستقلة عن فرنسا، لها أمجادها ومآثرها، خلافا لما ادعته المدرسة التاريخية الاستعمارية الفرنسية.

ويقول في هذا الصدد المؤرخ أحمد الخطيب: "يعتبر أول محاولة وطنية لكتابة تاريخ الجزائر، في العصر الحديث وذلك بعد إنفراد المؤرخين الفرنسيين بكتابة تاريخ هذا القطر العربي." ووصف الإمام عبد الحميد بن باديس هذا الكتاب بـ"السفر الجليل". واعتبره صفعة قوية في وجه الاستعمار لأنه أحيا الأمة الجزائرية من جديد.

وقام الأستاذ أحمد توفيق المدني العضو البارز في الجمعية بنشر "كتاب الجزائر"، فكشف الغطاء عن تاريخ الجزائر، ورجالها. وأصدر أيضا أحمد توفيق المدني كتاب "محمد عثمان باشا" داي الجزائر (1766-1791) ليرد على ادعاءات فرنسا التي تقوم بتشويه تاريخ الجزائر.

وكتب عنه إبن باديس في مجلة "الشهاب" منوّها بهذا الجهد الكبير، والهدف النبيل: "تاريخ الجزائر في العصر التركي، وبين حالتها الاجتماعية والأدبية والسياسية بأسلوب بديع جمع الفصاحة والتناسق، وعرض للتاريخ بين دلائل العلم ومناهل الفن، وبروح إسلامية لا تعرف إلا الصدق، عربية لا تفارقها العزة والشهامة... فالأخ الأستاذ المدني بكتابه هذا لم يكن كاتبا بليغا ومؤلفا مبدعا ومؤرخا حكيما فحسب، بل كان فوق ذلك من خير من بعثوا أوطانا وأحيوا أمما... " ثم أوصى إبن باديس كل الجزائريين بقراءة هذا الكتاب المفيد.

توظيف إبن باديس للتاريخ

اعتبر إبن باديس التاريخ جزء لا يتجزأ من شخصية المسلم الجزائري وفند إدعاءات المستعمر التي تصر على إقناع الجزائري بأنه لا ماضي له، وأن تاريخه هو تاريخ غاز يطرد غازيا (الوندال والرومان والمسلمون والفرنسيون).

وفي رده على مقال فرحات عباس الذي أنكر فيه الشخصية القومية الجزائرية، كتب إبن باديس مقالا وظّف فيه الموروث التاريخي ليدحض تاريخيا وليس سياسيا ما تبناه فرحات من أفكار لا تستند إلى وقائع تاريخية.

فالحجة الدامغة عند ابن باديس يستمدها بالدرجة الأولى من التاريخ نفسه الذي بحث فيه فرحات عباس. فهل الخلل في التاريخ أو في قراءة التاريخ؟: " نحن فتشنا في صحف التاريخ وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها، وأخلاقها، بما فيها من حسن وقبيح، شان كل أمة في الدنيا. ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها وفي دينها..."

وأضاف ابن باديس في موقع آخر أن الجزائر: "أمة لها قوميتها ولغتها ودينها وتاريخها، فهي بذلك أمة تامة الأهمية لا ينقصها شيء من مقومات الأمم. وأنهم إلى ذلك مرتبطون بأمة عظيمة ذات تاريخ مجيد، ومدنية راقية، وحكومة منظمة، وأن عليهم أن يراعوا هذا كله في حياتهم فيحترموا قوميتهم، ولغتهم، ودينهم، وتاريخهم، والأمة التي هم مرتبطون بها، والحكومة التي هم مسيّرون بقوانينها." فالارتباط بفرنسا مفروض على الجزائريين بالحديد والنار، ولا يجمعهم بفرنسا دين أو لغة أو تاريخ.

والرموز التاريخية كثيرا ما فسرت أحداثا تاريخية معقدة وبسطتها للعامة. فابن باديس يلجأ إلى رمز سجن الباستيل الذي هدمه الثوار الفرنسيون في عام 1789، ويرى أن من واجب الشعوب أن تتعظ من ماضيها بانتصاراته وهزائمه: " الباستيل وما أدراك ما الباستيل! وما أحوج الشعوب المستضعفة أن تعرف تاريخ الباستيل ونهاية الباستيل!"

وقد أعاد أحمد توفيق المدني في مسرحيته حنيبل، إلى الأذهان انتصارات القرطاجين على الرومان. فالحديث كان على الانتصارات الماضية على الرومان، والمقصد هو العمل على الانتصار على أحفادها الفرنسيين.

وفي سياق تعبئة الجماهير وشحن الهمم بالتركيز على أمجاد الماضي، خطب إبن باديس في بجاية وقال: " لقد درست تاريخ الأمم، فوجدت الأمم تنهض بشيئين اثنين: إما بكثرة العلم، وإما بكثرة الظلم، أما العلم فنحن فيه فقراء، وأما الظلم فنحن فيه أغنياء، اللهم إن كنت تريد إنهاضنا بكثرة الظلم فنحن لك من الشاكرين." فهذا الكلام يغني عن كل تعليق.

وحرص إبن باديس على إحياء المناسبات التاريخية لاستخلاص العبر وربط الحاضر بالماضي، فبمناسبة ذكرى هجرة الرسول (ص) ألقى محاضرة بمقر جمعية التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة بعنوان "أسباب الهجرة وسر بداية التاريخ الإسلامي" . وقد بيّن في مداخلته المواعظ والعبر التي يستفاد منها،وهي:إنشاء جيل مطبوع بالطابع الإسلامي، يكون صالحا للنهوض بجلائل الأعمال لوطنه ولأمته وللبشرية.

تقييم كتابات التاريخية لإبن باديس:

ليس المقصود بالكتابة التاريخية عند العلماء الجزائريين هو الإسهام في الإنتاج المعرفي، وتطوير علم التاريخ فحسب، وإنما كانت كتاباتهم تدخل قبل كل شيء ضمن العمل القومي والنضال السياسي لتحرير الوطن من قبضة الاستعمار. وتندرج في هذا السياق كتابات الشيخ عبد الحميد بن باديس التاريخية.

ألا يمكن أن نأخذ هذه الكتابات على المزج بين التاريخ والإيديولوجية، وبالتالي نحكم عليها بالابتعاد عن الحقيقة التاريخية وعدم الالتزام بالضوابط العلمية؟ إنه من الصعب وخاصة في هذه المرحلة الفصل بين الالتزام السياسي (النضالية) والعمل التاريخي لأن "المؤرخ يؤمن على الدوام –غريزيا أو بسذاجة- بأن له دورا ينهض به" ، سواء إلى جانب الحركة الاستعمارية أو الحركة التحررية. (colonisation ou décolonisation). ويكون الأمر أصعب عندما يكون المؤرخ مناضلا بشكل مباشر أو سياسيا محترفا للكتابة التاريخية.

وقد بيّن هذه الجدلية بشكل واضح الباحث التونسي زهير الذوادي في دراسته للمفكر والزعيم السياسي الشيخ عبد العزيز الثعالبي. فلخص هذه المسألة في هذه الكلمات: "يأخذ النضال السياسي دائما شكل صنع التاريخ، وتقود رغبة صنع التاريخ –أحيانا- كل نضال سياسي، وقد يكون هذا الأمر أكثر وضوحا وتأكدا- على مستوى الوعي أو اللاوعي- بالنسبة للمناضل السياسي المثقف."

خاتمة:

وصلنا إلى نقطة أساسية، وهي كيف نستفيد من تراث إبن باديس؟ إن الاستفادة تكون بلا شك بتنزيل هذا التراث على الواقع، ومعالجة قضايا حساسة في الجزائر المستقلة مستعينا بتصوراته وأفكاره في مجالات التربية والاجتماع والثقافة لتتبوأ الجزائر مكانة رائدة بين الأمم الأخرى. فهو يقول في هذا الشأن: "إننا شعب خالد ككثير من الشعوب. لكننا ننصف التاريخ إذا قلنا: إننا سبقناها في ميادين الحياة، سبقناها بهدايتنا، ونشرنا بينها الشريعة الحقة قبل أن تتكون هذه الأمم، وسبقنا هذه الأمم في نشر الحق، أيام كانت في ظلمات من الجهل حالكة، أيام كانت تسبح في لجج من الأوهام والخيالات. وذلك ما كنا فيه، وما سنعود إن شاء الله إليه. وإنما علينا أن نعرف تاريخنا، ومن عرف تاريخه جدير بأن يتخذ لنفسه منزلة لائقة به في هذا الوجود."

إن التاريخ قد مثّل لابن باديس وسيلة لتربية النشء، ووسيلة لمحاربة المشروع الاستعماري في الجزائر، وأداة فعالة لتفنيد مزاعم المؤرخين الفرنسيين. ولم تكن كتاباته أكاديمية، وإنما كانت تعبر عن تاريخ وطني يخدم أهدافا وطنية وقومية ينشئ جيلا يسعى للتحرر ويكرس هوية الجزائر العربية الإسلامية.

 

آخر التغريدات: