العلاّمة الشيخ أحمد يحي بن الحاج الصالح رحمه الله "يحي بعطوشي"

بقلم: البشير بوكثير –

هو أحد تلامذة الشيخ عبد الحميد بن باديس القلائل الذين ارتووا من معينه السلسال وعلمه المهطال ونبعه الزّلال بالجامع الأخضر بقسنطينة في نهاية الثلاثينيات، وهو أيضا أحد النّجباء الأخيار والطلبة الأحرار بجامع الزيتونة الميمونة والدرّة المصونة في زمن الجهابذة الأبرار، وهو إضافة إلى ذلك من العلماء الربانيين الذين أسّسوا بعد الاستقلال لخطاب مسجدي معتدل نابع من مرجعيتنا الدينية المالكية الأصيلة، التي تكالبت عليها - في زمننا هذا - المذاهب والنّحل المتطرفة الدّخيلة.

كنتُ مواظبا على دروسه بالمسجد العتيق بمدينة رأس الوادي في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، وكم شدّني أسلوبه الآسر واستطراده الباهر وعلمه الزّاخر بالكنوز والجواهر، وتمكنّه من ناصية الضّاد وبيانها السّاحر..

كان الشيخ البعطوشي -رحمه الله- موسوعة علمية وذخيرة فقهية ونحوية وبلاغية وقامة في علم الحديث وأصول الفقه والعقيدة، ولا تزال عبارته ولازمتُه الشهيرة ترنّ في أذني مثل سلسال رشراش: " محلّ الشّاهد في آش".

عُرف الشيخ أحمد يحي بالسمت الحسن ووضاءة الوجه، ونقاء السريرة، ورباطة الجأش، وقوة الشكيمة، وسداد الرأي، وحصافة الفكر ونباهة واستنارة التفكير، وحسن التعبير وجودة التحبير، وحلاوة النكتة وحسن انتقاء العبارة وبراعة اللفتة.
وشيخنا الجليل -رحمه الله- أحد جهابذة قبيلة أولاد تبان رفيعة القدر عالية الشأن، وقلعة الثوار الأحرار والنشامى الأطهار، والفرسان الأحرار، الذين نقشوا أسماءهم بأحرف من نور ونار في سبيل تحرير الوطن المفدّى من ربقة الاستدمار.

إنّه - أخي القارئ- العالم الرباني والقبس النوراني سيدي أحمد بن الحاج الصالح بن البشير التباني من مواليد قرية أولاد تبان بولاية سطيف يوم السابع والعشرين عام 1915م والده الحاج الصالح بن البشير وأمّه صحرة سحنون من أعيان الفضل وعناوين الشهامة والنّبل.

حفظ القرآن الكريم في سنّ مبكرة إضافة إلى حفظه متون النحو والصرف والفقه في زاوية سيدي ساعد، ثمّ ما لبث أنْ يمّم شطر زاوية ابن الحملاوي في منتصف الثلاثينيات فاستزاد من علوم اللغة والفقه والحديث وأصول الدين ما جعله أحد المتميزين فيها، ليحط الرحال كما أسلفنا سابقا بالجامع الأخضر لينهل من معين رائد النهضة الإمام عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- قرابة السنتين حيث حصل على شهادة الأهلية، وطابت نفسه التوّاقة لاستنشاء عبق الزيتونة الميمونة فالتحق بها رفقة الشيخ سي النايلي في نهاية الثلاثينيات، بيد أنه انقطع عن الدراسة بها وقفل راجعا إلى مسقط رأسه لظروف خاصة، حيث انقطع للتعليم والتّوجيه والإرشاد، وترك أعظم الأثر في تلك الربوع الطاهرة التي نهلت من علمه الثّــرّ وشمائله الزُّهر بدءا بأولاد منصور بالمسيلة ودوار لارباع وانتهاء برأس الوادي التي استقرّ بها وتزوج فيها سنة 1950م.
وإبان الثورة التحريرية أسندت إليه مهمّة القضاء وحلّ النزاعات وجمع الاشتراكات الأمر الذي كلفه دخول السجن سنة 1959م.

وبعد الاستقلال تمّ تعيينه إماما خطيبا بالمسجد العتيق بمدينة رأس الوادي الذي تمّ تشييده أواخر العشرينيات وتناوب على إمامة الناس فيه زمن الفترة الاستدمارية المشايخ الأجلاّء الآتي ذكرهم:

بوحفص محمد بن الحاج لعياضي الذي استشهد فيما بعد، وخلفه ابن أخيه بوحفص عبد الله الذي نال أيضا وسام الشهادة بدوار أولاد سي أحمد، بعدها تولى إمامة الناس الشيخ الفقيه الورع الزاهد النبيه محمد بن علي صويلح وهو صهر الشيخ ابن العيساوي وقد رفض الإمامة بعد الاستقلال لاستعظامه إياها.

وقد ختم الشيخ أحمد يحي حياته على منبر العتيق ناثرا الزبرجد والعقيق بعلمه الدقيق وفقهه العميق إلى أن وافته المنية في 2 جويلية 1987م عن عمر ناهز الــ72 سنة ..

رحمه الله وأكرم مثوانا ومثواه.

آخر التغريدات: