ملامح التجديد عند أعلام النهضة .. (مالك بن نبي والطاهر بن عاشور أنموذجا )

بقلم: الشيخ أحمد ولد البان -

كان القرن التاسع عشر عصر التأزم في العالم الإسلامي، فيه انهار البناء الشكلي للأمة (الخلافة) بفعل عوامل عدة أهمها داخليا سيادة الأفكار المُرْهَقَة، أو المميتة بتعبير مالك بن نبي، وقد توجت تلك الأزمة المستحكمة بتقاسم الغرب لأراضيها، كان الاستعمار مفاجئا من الناحية العاطفية على الأقل، لذلك شكل تحديا غير مسبوق للعقل وطاقة الفعل الإسلامِيَّيْن ، كانت الهبة ضده أقوى واستخرجت الأمة طاقتها الاحتياطية في مقاومته ميدانيا (حركات التحرر)، كما أصبح حضاريا وفكريا موضوع تساؤلات هي التي عرفت في أدبيات التداول الفكري بأسئلة النهضة، كانت أسئلة النهضة لاذعة ولكنها أيضا كانت محورية تأسيسية، لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟ كيف يمكن أن نتدارك أمة تشدُّها الهاوية؟ هل العلة في الذات أم خارج الذات؟ وبحكم مركزية الدين في كينونة الأمة كان هناك سؤال أكثر تفصيلا، هل المشكلة في الإسلام نفسه أم أن المشكلة في تمثُّل المسلمين لهذا الإسلام؟.

انبرت للإجابة على هذه الأسئلة نخبة من العلماء والمفكرين ـ نتحدث هنا عن من عرفوا بالإصلاحيين ـ فرقتهم الجغرافيا ووحدتهم الغيرة على حال الأمة، أدركوا ببصائرهم مكامن الخلل وانطلق كل واحد يعمل على شاكلته في إزاحة ما يراه عثرات ورسم ما تصوره طريقا للنهوض، اختلفت اهتماماتهم التفصيلية بحكم البيئة والنشأة ومسار التعليم، ولكنهم اتفقوا ـ حتى لا نقول أجمعوا ـ على محاربة الجبرية المكبلة لحركة الأمة، لذلك كتب أغلبهم عن مكانة العقل وأثر الإنسان في بناء مستقبله الدنيوي، كما اتفقوا على ضرورة العودة للأصلين كضرورة لتنقية التراث الإسلامي (فكرا ـ فقها ـ تاريخا ـ فلسفة) مما علق به من غوائل عصور الانحطاط.

سنركز هنا على علمين من أعلام النهضة هما المفكر مالك بن نبي والشيخ المصلح الطاهر بن عاشور.

مالك بن نبي فيلسوف الحضارة

سخَّر مالك بن نبي فكره لتأمل واقع مسار التحولات الكبرى في العالم الإسلامي خلال القرن الذي عاشه، وكذا الغوص إلى كنه الحضارة الأوروبية الغالبة حينها، وقد أخلص حياته للتعرف على مشكلات الحضارة والتنظير لشروط النهضة، التي اعتبر بناء الإنسان أهم لبناتها، يقول:”كل تفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة” ، وظلت كلمته المشهورة مثلا للآخِرين: “القانون السامي: غير نفسك، تغير تاريخك”.

رغم تشبع ابن نبي بالحضارة الأوروبية التي غاص إلى أعماقها من خلال إقامته في فرنسا متسلحا بمعرفة عميقة للغة الفرنسية، رغم كل ذلك فإن بريق هذه الحضارة لم يمنعه من تشريحها ليفصل بين تفوقها المادي وإفلاسها الروحي، كما لم يُعْمِه تخلف العالم الإسلامي وانحطاطه من اكتشاف طبيعة الخلل الذي أصابه، حيث رأى أن “مشكلاتنا هي نتائج لظروف وليست جوهرية جدا، لكن مشكلاتهم أي الغرب أساسية وجوهرية جدا” .

ومن بين الأفكار المهمة التي قدمها مالك بن نبي؛ فكرة القابلية للاستعمار، والتي تنظر إلى الظروف الفكرية والاجتماعية التي تجعل مجتمعا ما مستعدا لأن يُستعمَر، إنه يولي الحقبة التي تسبق الاستعمار الفعلي أهمية خاصة، هي بالنسبة له أهم من دراسة مجريات الاستعمار ذاته، ومن أجل التخلص من المستعمِر ـ حسب هذه النظرية ـ؛ فإنه ينبغي التخلص من الأفكار والأوضاع الاجتماعية التي مهدت له أصلا.

القابلية للاستعمار هي نتاج الأفكار الميتة التي تستدعي الاستعمار وتأرِزُ إليها الأفكار المميتة ـ حسب مالك بن نبي ـ، الأفكار الميتة هي أفكار فقدت علاقتها بالجذور التي أنتجتها(مسار داخلي)، أما الأفكار المُمِيتة فهي أفكار هاجرت إلى ثقافة أخرى وتركت جذورها التي تمدها بالحياة (مسار مزدوج)، وأحيانا”وأحياناً يجسّد الأشخاص أنفسهم ظاهرتي هذه المشكلة، فالفيروس الوراثي فيهم يمتص ـ إذا صح القول ـ الميكروب الخارجي الوافد إليه؛ أي أن الفكرة الميتة التي يحملها تنادي وتستدعي الفكرة المميتة التي تلقاها المجتمع الإسلامي” .

الطاهر بن عاشور وتجديد العلوم

لا يبتعد شيخ جامع الزيتونة محمد الطاهر بن عاشور في فكره الإصلاحي عن مالك بن نبي، وإن اختلف مجال الاشتغال، كلا الرجلين يملك عقلا تركيبيا وفكرا أصيلا يمقت التقليد والاجترار، حملا همَّ الأمة وآمنا بضرورة نخْلِ وغربلة المفاهيم السائدة، سماها ابن نبي (الأفكار الميتة) وسماها ابن عاشور (حجرات العثور)، كما أعلى كل واحد منهما دور العقل ورأى تعطيله سبب انحطاط الأمة، وتوفيا في نفس العام وينتميان معا إلى بلاد المغرب الأقصى.

صحيح أن ابن نبي كان مفكرا حضاريا بالمعنى المتداول للحضارة في علم الاجتماع، يرصد الحركة الشاملة للمجتمع ويقرأ في الأفكار التي توجه مسار الأحداث، ويبني من استقراء الجزئيات قواعد كلية، أما ابن عاشور فكان عالما شرعيا ذا عقل متحرر، لذلك اشتغل بنخل المنظومة الفقهية والفكرية من الداخل، كان ابن نبي ينتج في الفضاء الموازي لتلك المنظومة أما ابن عاشور فكان ينتج في فضائها الملامس.

حدد ابن عاشور أدواته المنهجية للإصلاح فقال في كتابه (أليس الصبح بقريب)،:” إذن قد كان واجبا علينا خدمة للملة وتهيئة للنشأة العلمية التي تزين مستقبلنا وتمجد ماضينا أن ندخل تلك المجاهل نرفع بإحدى يدينا مشاعل النور ونقطع بالأخرى ما يمانع من حجرات العثور”، وقد التزم ابن عاشور منهجه هذا؛ فظل يقدم آراءه التنويرية ويزيح العقبات من أمام العقل المسلم.

حينما زار محمد عبده مفتي الديار المصرية جامع الزيتونة بتونس في عام 1903 التقى الطاهر بن عاشور واطلع على جوانب من مشروعه التربوي الإصلاحي وسماه (سفير الدعوة)، وذلك لتقارب رؤيتهما في الإصلاح التربوي، صحيح أنهما كانا يدعوان معا لتجديد التعليم ولكن ابن عاشور كان يولي أهمية أكبر لتجديد العلوم ذاتها، وقد باشر بنفسه تجسيد مشروعه في مختلف مصنفاته.

تميز فكر ابن عاشور ـ كما يرى الدكتور فتحي حسن ملكاوي ـ التركيز على الإصلاح الجماعي المنطلق من الأمة بدل التفكير الجزئي المتعلق بالفرد ، كما أولى مسألة الحكم أهمية خاصة، وكان يرى أن مشكلة الأمة دستوريةً، وأن نجاحها مرهون بتحمل المسؤولية الشاملة بين الحاكم والمحكوم.

أدرك ابن عاشور منذ أول وهلة أن النهوض بواقع الأمة يستلزم عودة التشريع إلى عامل تنشيط لحركتها الحضارية، وأن ذلك يقتضي ضرورة إعادة النظر في المنظومة الفقهية والكلامية التي أنتجت ورعت منحنى التراجع في المجتمعات الإسلامية، لذلك قرر إعادة صياغة ـ حتى لا أقول تأسيس ـ علم المقاصد، إنه بذلك يضمن علاقة متوازنة بين النص والواقع، هنا ألف كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية)، وظل يبسط ويجسد هذا التوجه في كل مصنفاته من تفسيره العجيب (التحرير والتنوير) إلى كتابه الواعي (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام).

وقد نبه ملكاوي إلى قضية أخرى بالغة الأهمية وهي إجادة ابن عاشور عرض الشريعة الإسلامية من خلال اعتماد (المدخل القيمي) بدلا من (المدخل القانوني)، إنه يعرض الشريعة الإسلامية من خلال مقاصدها الكبرى وأهدافها العامة في النفس والمجتمع.

آخر التغريدات: