الشريف التلمساني

بقلم: الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس

هو محمَّد بن أحمد بن علي الشريف الإدريسي(1)، وكنيته أبو عبد الله، ولقبه وشهرته الشريف التلمساني، ويعرف ـ أيضًا ـ بالعلْوي، واشتهر بذلك نسبة إلى قرية من أعمال «تلمسان» تسمى «العلوين»، كما يُعرف بأبي عبد الله الشريف(2)، ويكتفى تارة بلفظ «الشريف»(3)، وكثيرًا ما كان أهل عصره ومن بعدهم ينعتونه ببعض الألقاب بحسب الاعتبار الفقهي أو العلمي أو الأصولي أو بعض مؤلفاته: ﮐ «الإمام» أو «الشيخ» أو عبارة «صاحب المفتاح»(4) أو «شارح الجمل للخونجي»(5).

ونسبة التلمساني إلى مدينة «تلمسان»(6) Tlemcen الواقعة في الغرب من القطر الجزائري، تبعد عن عاصمة الجزائر ﺑ 540 كلم.

أصل الشريف التلمساني ومولده:

يعتزُّ أبو عبد الله التلمساني بأصله الشريف، فأصله راسخ في النسب لا يُدْفَع في شرفه، فهو معروف بالإدريسي: نسبة إلى إدريس بن عبد الله بن حسن، وهو أول من دخل المغرب(7)، ومعروف بالحسني: نسبة إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، حفيد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد وُجد نسبه بخط ولده أبي محمَّد عبد الله الشريف متسلسلًا على الوجه التالي:

«أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن علي بن يحيى بن علي بن محمَّد بن القاسم ابن حمود بن علي بن عبد الله بن ميمون بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن حسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما»(8).

قال عبد الرحمن بن خلدون: «وكان أهل بيته لا يدافعون في نسبهم، وربما يغمز فيه بعض الفجرة ممَّن لا يزعه دينه ولا معرفته بالأنساب، فيعد من اللغو ولا يلتفت إليه»(9).

أمَّا مولده فقد تعارضت أقوال المترجمين والمؤرِّخين لحياة الشريف التلمساني على قولين:

القول الأول: أنه ولد سنة عشر وسبعمائة (710ﻫ)، وهو ما عليه الجمهور(10)، ورجَّحه أبو العباس الونشريسي بقوله: «هذا هو الصحيح في ولادته»(11).

القول الثاني: أنه ولد سنة ست عشرة وسبعمائة (716ﻫ)، وهو ما ذكره أبو زكريا السراج(12) والمسيلي.

وفي تقديري أنَّ مذهب الجمهور أقوى لجملة من المرجِّحات تظهر فيما يلي:

ـ ما ذكره ابن خلدون ـ وهو أحد طلبة المترجم له ـ قال: «وأخبرني رحمه الله أنَّ مولده سنة عشر»(13)، ولا يخفى أنَّ الشخص أعرف بنفسه وأعلم بأحواله وتواريخ حياته.

ـ ولأن ما أخبره به نقله عن شيخه مباشرة من غير واسطة فشهادة تلميذه مقدمة على غيره.

ـ ولأنه ورد في جزء لبعض التلمسانيِّين(14) وقف عليه أبو العباس الونشريسي، وفيه أنَّ تاريخ ولادته سنة عشر وسبعمائة(15).

ـ ولأنه ليس للمخالفين دليل يُتمسَّك به لإثبات ما ذهبوا إليه.

أسرة الشريف التلمساني:

ينتسب أبو عبد الله الشريف إلى أسرة علم وتقوى وشرف ونباهة ونبل وصلاح وحسن تديُّن، قال الحجوي: «بيتهم بيت علم خصت تراجمهم بالتآليف»(16)، وقال الحفناوي: «وبيته مجتمع العلماء والصلحاء»(17).

ويظهر ذلك جليًّا فيما يلي:

ـ أنَّ أباه أبا العباس أحمد كان شيخًا فقيهًا جليل القدر وجيهًا عدلًا، قال أبو زكريا السراج: «أبو عبد الله ابن الشيخ الفقيه الجليل الوجيه العاقل العدل المبرِّز أبي العباس»(18)، وقال ناسخ «مثارات الغلط»: «محمَّد بن العدل أبي العباس أحمد»(19).

ـ خاله عبد الكريم، فقد كان ذا وجاهة ويسار، ومن أهل العفة والصلاح، محبًّا للعلم وأهله، حريصًا على مجالس العلم والعلماء(20).

ـ أمَّا حياته الزوجية، فإنَّ هذا الجانب من ترجمة الإمام يكتنفه شيء من الغموض، إذ إن المترجمين لحياته لم يتعرضوا لهذا الجانب بالتجلية، غير أنه يُلْتَمَسُ في ثنايا أخبارهم بين الفينة والأخرى تلميحٌ بأنَّ زوجته الأولى كانت شريفة(21)، وأنَّ السلطان أبا حمو موسى الزياني زوَّجه ابنته(22) وهي زوجته الأخرى(23).

وأمَّا أولاده فمن أشهرهم:

ـ أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن أحمد بن علي الشريف الإدريسي الحسني التلمساني.

ـ أبو يحيى عبد الرحمن بن محمَّد بن أحمد بن علي الشريف الإدريسي الحسني التلمساني.

نشاة الشريف التلمساني ووفاته

نشأة الشريف التلمساني:

وُلد أبو عبد الله الشريف وسط أسرة عربية أصيلة وشريفة، حيث إن مرد نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ـ على ما تقدَّم ـ واتسمت هذه الأسرة بالعلم والنباهة والوجاهة وحسن التدين.

وفي كنف هذه البيئة الخصبة وتحت رعاية خاله عبد الكريم وحرصه الشديد عليه نال أبو عبد الله الشريف حظَّه من التربية والتعليم في سنٍّ مبكِّرة، فساعده ذلك على تنمية مواهبه الفكرية وقدراته الذهنية، الأمر الذي مَهَّد أمامه آفاقًا فسيحة تبشِّر بغد مشرق بالعلم والمعرفة.

وكان الأمراء الزيانيون يُولون أهل العلم رعايةً خاصَّةً فأسَّسوا المدارس وأنشئوا المكتبات العامة، ومنحوا الطلبة ما يساعدهم على تحمل أعباء دراستهم، كلُّ ذلك كان له أثر مهمٌّ في بعث الحركة الفكرية وميول الكثير من الطلبة إلى طلب العلوم المختلفة من عقلية ونقلية وإتقانها، فقد كانت تلمسان في عهد الزيانيين مركزًا ثقافيًّا هامًّا، وبلد إشعاع علمي يضاهي أهم مراكز المغرب الثقافية، وفي وسط هذا المناخ العلمي المناسب نشأ أبو عبد الله الشريف وترعرع، محبًّا للعلم مُجِدًّا في طلبه، يساعده ذكاؤه الوقَّاد وإرادته الجِدِّيَّة، ويدفعه حرص شديد ورغبة أكيدة صادقة في اكتساب المعارف العلمية المختلفة والتبحر فيها، سالكًا في ذلك هدي العلماء العاملين، ومقتديًا بهم سلوكًا وأخلاقًا.

وفاة الشريف التلمساني:

بعدما استقرَّ أبو حمو الثاني بتلمسان، استدعى في أول إمارته أبا عبد الله الشريف التلمساني من «فاس» فسرَّحه القائم بالأمر يومئذ الوزير عمر بن عبد الله، وتلقاه أبو حمو براحتيه وبنى له مدرسة(24)، وكلَّفه بتدريس العلم فيها، فأقام الشريف يبث فيها العلم من خامس شهر صفر (765ﻫ)، فختم تفسير القرآن، وبقي ينشر العلم إقراءً وتأليفًا ونسخًا، ولما كانت سنة وفاته وصل في التفسير إلى قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: 171]، فمرض ثمانية عشر يومًا، ثمَّ مات ليلة الأحد رابع ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وسبعمائة (771ﻫ)(25)، فرثاه الفقيه أبو علي حسن بن إبراهيم بن سبع بقصيدة طويلة، وتأسَّف السلطان أبو حمو لموته أكثر من سواه، فكثيرًا ما كان يرسله سفيرًا إلى المغرب وتونس، فحضر جنازته وأمر أن يُدفن عند قبر والده أبي يعقوب بالمدرسة اليعقوبية(26)، وأرسل أبو حمو إلى ولده أبي محمَّد عبد الله فأكرمه، وقال: «ما مات من خلَّفك، وإنما مات أبوك لي لأنني أباهي به الملوك، ثمَّ ولاه مدرسة والده ورتَّب له جميع مرتَّباته»(27).

صفات الشريف التلمساني ومواقفه

صفات الشريف التلمساني ومنزلته:

لقد كان أبو عبد الله الشريف يتمتَّع بصفات بدنية كاملة، كما توَّج سيرته الذاتية وثروته العلمية والثقافية بجملة من مكارم الأخلاق اتسم بها من بداية حياته إلى أن أصبح إمام أهل المغرب زادت من قدره، وعظَّمت مكانته ومنزلته، لذلك نتعرَّض إلى صفاته البدنية والأخلاقية وإلى منزلته.

صفات الشريف التلمساني الخَلقية:

لم يُعِرِ المترجمون لحياة أبي عبد الله الشريف عناية تُذكر لصفاته الخَلقية كاهتمامهم بالجوانب المتعلِّقة بأخلاقه سوى بعض المصادر والمراجع التي تناولتها على جهة العموم من غير تفصيل، غير أنَّنا نلمس في ثنايا أخبارهم ما يُشعر بتمتُّعه بقوةِ ذاتٍ منيعةٍ وخِلْقَةٍ كاملة، قال السراج في «فهرسته»: «كان أحد رجال الكمال علمًا وذاتًا وخُلُقًا وخَلقًا»(28)، ويؤكِّد ذلك ما يلي:

ـ رحلاته العلمية وسفارته شرقًا وغربًا في أنحاء المغرب الكبير.

ـ جهده المبذول بالإقراء والمطالعة والتلاوة فقد كان ينام ثلث الليل وينظر ثلثه ويصلي ثلثه(29).

كل ذلك وغيره يتطلب قوة جسمية تمكِّنه من الصمود والمقاومة، فضلًا عن أنه لم يُنقل عنه أنه تعرض لإصابة أو علة سوى مرض الموت الذي ألزمه الفراش ثمانية عشر يوما(30).

ومن صفاته الخلقية حسن الهيئة وجمال الوجه وكثرة التبسم، قال الونشريسي في «القول المنيف»: «كان من أحسن الناس وجهًا وقدرًا مهيبًا..»(31)، «جميل العشرة بسامًا منصفًا»(32).

صفات الشريف التلمساني الخُلقية:

لقد اتفق المترجمون على أنَّ الشريف التلمساني كان يتوفَّر على صفاتٍ عاليةٍ ونادرةٍ، تدلُّ على النبوغ والعبقرية والملكات الفكرية الحادة والذهن الثاقب وعلو الشأن، وأنه كان على جانبٍ كبيرٍ من التواضع وحسن الخُلق وجمال الطبع وأنس المعاشرة وعلو الهمة، لذلك نرى من المفيد أن نذكر صفاته منقولة عن بعض المترجمين لحياته على ما نصه: «كان من أحسن الناس وجهًا وقدرًا، مهيبًا ذا نفس كريمة، وهمة نزيهة، رفيع الملبس بلا تصنُّع، سَرِيَّ الهمة بلا تكبُّر، حليمًا متوسِّطًا في أموره، قوي النفس مؤيَّدًا بطهارة، ثقةً عدلًا ثبتًا، سلَّم له الأكابر بلا منازع، أصدق لهجةً وأحفظهم مروءةً، مُشفقًا على الناس، رحيمًا بهم، يتلطَّف في هدايتهم، ويُعينهم بجهده، حسن اللقاء كريم النفس طويل اليد يعطي نفقات عديدة، ذا كرم واسع وكنف لين وصفاءِ قلب»(33).

أمَّا أخلاقه مع أهله ورحمه وضيوفه فقد كان: «جميل العشرة بسَّامًا منصفًا، يقضي الحوائج سمحًا مُتورِّعًا، يُوسِّع في نفقة أهله ويصل رحمه لِله ويواسيهم بجرايات كثيرة من ماله، يُكرم ضيفه ويقرِّب له ما حضر»(34).

وتظهر أخلاقه مع طلبة العلم في أنهم كانوا: «في وقته أعز الناس وأكثرهم عددًا وأوسعهم رزقًا، فنشروا العلم واستعانوا بحسن لقائه وسهوله فيضه وحلاوته مع بشاشة، لا يؤثر على الطلبة غيرهم، ويحمل كلامهم على أحسن وجوهه، يبرزه في أحسن صورة، يترك كل أحد وما يميل إليه من العلوم، ويرى الكل من أبواب السعادة ويقول: «من رُزق في باب فليلازمه»، مع كرم أخلاق، قائمًا بالعدل لا يغضب، وإذا غضب قام وتوضأ، يُطعم الطلبة طيِّب الأطعمة»(35).

ومن زهده ودينه ومروءته أنه كان «غني النفس بربه، ساكن الجأش كثير النفقة على أهل البيت وغيرهم، قليل الإمساك لما بيده، قليل التفكر في أمرها، ولا يستشرف لعطائها، وإنما أمله العلم، حتى ذكر ولده عبد الله أنه بقي بعض الأزمنة ستة أشهر مشتغلًا بالعلم، لم ير فيها أولاده، لأنه يقوم صبحًا وهم نائمون ويأتي ليلًا وهم نائمون، وذكر أنه لم يأخذ مرتَّبًا من مدرسته ولا غيرها في زمن طلبه، وإنما يُنفق من مال أبيه»(36).

«وكان أمينًا مأمونًا حافظًا لسره مالكًا لزمام نفسه، يركن إليه أهل الدين والدنيا من القريب والبعيد، فكان قاضي قسنطينة حسن بن باديس وضع عنده أمانة في قرطاس فوضعها في بيته، فلمَّا طلبه صاحبه أخرجها فوجد مكتوبًا على ظاهر القرطاس مئة ذهب، فحلَّه وعدَّها فإذا خمس وسبعون ذهبًا، فزاد فيها خمسة وعشرين، فأعطاه له، فمكث عنده يومين فرجع إليه وقال: يا سيدي، وجدت الأمانة زيادة خمسة وعشرين، فقال: إنما لم أعدَّها عند أخذها منك فلما وقع بصري على الخط اختبرتها فلم أجد العدد فكمَّلتها ظانًّا ضياعها عندي، فقال: يا سيدي لم أعط إلَّا خمسة وسبعين فرد الزيادة وشكره وحمد الله على وجود مثله»(37).

ومن إنصافه في البحث والحديث والمناظرة رجوعه إلى الحقِّ وقَبوله النصيحة:

فمن ذلك ما حكاه الشيخ أبو القاسم ابن داود الفخار السلوي: أنَّ الشيخ أبا عبد الله الشريف التلمساني افتتح شرح «العمدة» بما نصه: «اللهم أحمد نفسك عمَّن أمرته أن يتخذك وكيلًا، حمدًا عائدًا منك إليك، متحدًا به، دائمًا بدوام ملكك، لا منقطعًا ولا مفصولًا».

قال: فقال لي أبو عبد الله ابن شاطر: «ما هو انفصال عالم الملك ؟»، فقلت: «بالضرورة الوقتية»، فقال لي: «ما أجهلك ! وأجهل سيدك أبا عبد الله ! وأجهل ابن سودكين الذي أخذ من كتابه هذا الحمد ! إذ قال: «لا منقطعًا ولا مفصولًا»، بعد قوله: «بدوام ملكك»، وهو بالضرورة الوقتية وهي منقطعة، فهلا قال: «دائمًا بدوام قيوميتك وعظيم قدرتك ومجدك الأعلى وسبحات وجهك الأكرم لا منقطعًا ولا مفصولًا»، فبلغ ذلك أبا عبد الله فبدَّله»(38).

ومن صفاته مع أهل العلم أنه كان «لا يماري العلماء في مجالس الملوك، ولا يرد على أحد ولا يخطِّئ المفسِّرين، ولا ينصر العامَّة، ولا يجرِّئهم على المعاصي، بل يعظِّم منصب العلم»(39).

هذا، ومن جميل صفاته ـ أيضًا ـ أنه كان «متمسِّكًا في أموره بالسُّنَّة، راكنًا لأهلها كثير اتباع السلف شديدًا على أهل البدع، ذا بأسٍ وقُوَّةٍ في نصر الحقِّ، لا تُشَاهَدُ في قطره بدعة ولا تُهتك عنده حرمة، ولا يضع أسرار الشريعة في غير محلها»(40).

منزلة الشريف التلمساني بين أهل عصره:

يُعَدُّ أبو عبد الله من فحول العلماء وأعلام الصلاح والتقوى، ومثالًا حيًّا جليًّا للحركة الفكرية والعلمية المزدهرة في عصره، وقد رأينا ـ إظهارًا لسمو منزلته ـ أن نتناول علومه ومعارفه، ثمَّ نُعْقِبَ ذلك بشهادات الثناء التي أطلقها عليه أهل عصره ومن بعدهم.

علوم الشريف التلمساني:

لقد كانت مناحي العلوم التي انطوى عليها صدر أبي عبد الله الشريف متعدِّدة، ووصل في التفنُّن فيها إلى الغاية، ويمكن أن نرتِّبها على الوجه التالي:

ـ فهو إمام في التفسير، عالم بقراءاته ورواياته، وفنون علومه من بيان وأحكام وناسخ ومنسوخ وغيرها، فقد فسَّر القرآن خمسًا وعشرين سنةً بحضرة أكابر الملوك والعلماء والصلحاء وصدور الطلبة(41)، قال الشيخ محمَّد البشير الإبراهيمي: «لم ينقل لنا تاريخ العلماء بهذا الوطن أنَّ عالما ختم تفسير القرآن كله درسًا إلَّا ما جاء فيه عن الشريف التلمساني»(42).

ـ محدِّث بارع في علوم الحديث متنه وسنده، صحيحه وسقيمه، غريبه وفقهه، كثير الذب عن السنة، قدير على إزالة الإشكال فيها، متدرب في تعليم غوامضها.

ـ إمام في أصول الدين أَلَّف كتابًا في القضاء والقدر(43)، قال أحمد بابا التنبكتي: «حقَّق فيه مقدار الحق بأحسن تعبير عن تلك العلوم الغامضة»(44).

ـ فقيه مجتهد في الأصول والفروع ثبتًا وتحصيلًا واسع المعرفة بالأحكام ووجوه الاستنباط منها.

ـ خبير بعلوم العربية وآدابها وقواعدها نحوًا وصرفًا وبلاغةً وبيانًا، قوي في غريب اللغة والشعر والأمثال.

ـ واسع الإحاطة بأخبار الناس ومذاهبهم وأيام العرب وسيرها وحروبها.

ـ كثير المعرفة بسير الأعلام من الفقهاء والصالحين، وبمذاهب الصوفية وإشاراتهم.

ـ قمة في العلوم العقلية كلها من منطق وحساب وفرائض وتنجيم وهندسة وتشريح وفلاحة وغيرها(45).

كل ذلك يؤكِّد عظمة شخصيته الأدبية والعلمية الفذة، ويشهد له بالإمامة والاجتهاد ورقي القدر والمنصب في عصره بين فطاحل العلماء العاملين المبرِّزين.

ثناء الناس على الشريف التلمساني:

اكتسب أبو عبد الله الشريف ثقة الملوك وعلماء عصره، وحظي بثنائهم لِمَا تحلَّى به من صلاح وتقوى، وما تمتَّع به من خلق كريم وعلم غزير، فلقد أشاد ملوك زمانه بفضائله، وشهد له شيوخه بوفور العقل وحضور الذهن، وكان علماء الأندلس والمغرب الكبير من أقرانه وتلاميذه أعرف الناس بقدره وأكثرهم تعظيمًا له، لذلك نرى ـ بيانًا لجلال قدره وإظهارًا لسمو منزلته بين أهل العلم والفضل ـ الإدلاء بشهادات أطلقها أهل عصره من ملوك وشيوخ وأقران وتلامذة استحق ثناءهم عليه وتظهر شهادتهم فيما يلي:

أولا: شهادة ملوك زمان الشريف التلمساني:

قال الشيخ أبو يحيى المطغري: «لما اجتمع عند السلطان أبي عنان أمر الفقيه العالم الحافظ القاضي أبا عبد الله المقري بإقراء التفسير فامتنع منه وقال: أبو عبد الله الشريف أَوْلى مني بذلك، فقال له السلطان: إنك عالمٌ بعلوم القرآن وأهلٌ لتفسيره فاقْرَأْه، قال له: إنَّ أبا عبد الله أعلم بذلك مني فلا يسعني الإقراء بحضرته، فعجبوا من إنصافه، ففسَّر أبو عبد الله بحضرة كافة علماء المغرب مجلسًا في دار السلطان، ونزل عن سرير ملكه وجلس معهم على الحصير، فنبع منه ينابيع الحكمة ما أدهش الحاضرين وأتى بما لم يحيطوا به حتى قال السلطان عند فراغه: «إني لأرى العلم يخرج من منابت شعره»»(46).

ومن ذلك ما ذكر بعض فقهاء فاس للسلطان أبي عنان أنَّ الشريف غير متبحِّر في الفقه حسدًا، فأمره بإقراء حديث «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ»(47) بحضرة هؤلاء الفقهاء اختبارًا لفقهه، فأخذ فيها من غير نظر فبيَّن وجوه الحديث وطرقه وفوارقه الفقهية والترجيح، فلما رأى السلطان عظيم فقهه وسعة اطلاعه أقبل على الطاعنين قائلًا: «هذا الذي تشيرون لقصوره في الفقه»(48).

وكان السلطان أبو سعيد يحب الشريف حُبًّا عظيمًا يخاطبه ﺑ «سيدي»(49).

وقال السلطان أبو حمو موسى لأبي محمَّد عبد الله بن الشريف متأسِّفًا لموت والده: «ما مات من خَلَّفك، وإنما مات أبوك لي لأنِّي أباهي به الملوك»(50).

ثانيا: شهادات شيوخ الشريف التلمساني:

كان شيخه المحدث القاضي أبو علي ابن هدية يقول: «كل فقيه قرأ في زماننا هذا أخذ ما قُدِّر له من العلم ووقف إلَّا أبا عبد الله الحسني فإنَّ اجتهاده يزيد، والله أعلم حيث ينتهي أمره»(51).

وقال عنه شيخه أبو عبد الله الآبلي: «هو أوفر من قرأ عليَّ عقلًا وأكثرهم تحصيلًا»(52). وقال ـ أيضًا ـ: «قرأ علي كثير في المشرق والمغرب، فما رأيت فيهم أنجب من أربعة: أبو عبد الله الشريف أنجبهم عقلًا وأكثرهم تحصيلًا».

وكان يقول إذا أشكلت مسألة على الطلبة أو ظهر بحث دقيق: «انتظِروا به أبا عبد الله الشريف»(53).

وكان أبو عبد الله محمَّد بن عبد السلام القاضي يقول: «ما أظنُّ أنَّ في المغرب مثل هذا»(54).

ثالثًا: شهادة أقران الشريف التلمساني:

لقد كان أقران أبي عبد الله يعترفون بعظيم منزلته وفطنته وقوة ذكائه واجتهاده، فمن ذلك:

ـ امتناع أبي عبد الله المقري عن إقراء التفسير بحضرة أبي عبد الله الشريف عند السلطان أبي عنان إنصافًا له واعترافًا بغزارة علمه، فقال: «إنَّ أبا عبد الله أعلم بذلك مني فلا يسعني الإقراء بحضرته»(55).

ـ قول الخطيب ابن مرزوق: «لما سافر أبو عبد الله لتونس كرهت مفارقته، ولكن حمدت الله على رؤية أهل إفريقية مثله في المغرب»(56).

وقال ـ أيضًا ـ في حقِّ الشريف: «إنه أعلم أهل وقته بإجماع»(57).

وذكر أنه وصل إلى درجة الاجتهاد في المذهب(58).

ـ قول ابن عرفة للشريف: «غايتك في العلم لا تدرك»(59)، وقال: «رأيته وقد وفد لتونس، فرأيت منه علمًا تامًّا ومعرفة»(60)، ولما سمع بموته قال: «لقد ماتت بموته العلوم العقلية»(61).

رابعا: شهادة تلاميذ الشريف التلمساني:

وممَّن شهد لأبي عبد الله الشريف ومدى فضله من تلاميذه:

ـ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون حيث وصفه بقوله: «صاحبنا الإمام العالم الفذ، فارس المعقول والمنقول، وصاحب الفروع والأصول»(62).

وقال عنه ـ أيضًا ـ: «وكانت له في كتب الخلافيات يد طولى وقدم عالية»(63).

ـ ووصفه أبو زكريا يحيى بن خلدون بقوله: «شيخنا الفقيه العالم الأعرف أبو عبد الله محمَّد بن أحمد الشريف الحسني، أحد رجال الكمال علمًا ودينًا، لا يعزب عن علمه فنٌّ عقلي ولا نقلي إلَّا وقد أحاط به»(64).

ـ وقال السراج في «فهرسته»: «شيخنا الفقيه الإمام العلَّامة الشهير الكبير الصدر القدوة، الشريف نسبًا، العظيم قدرًا ومنصبًا، أبو عبد الله، كان أحد رجال الكمال علمًا وذاتًا وخُلُقًا وخَلْقًا عالمًا بعلومٍ جَمَّة من المنقول والمعقول، بلغ رتبة الاجتهاد أو كاد، بل هو أحد العلماء الراسخين وآخر الأئمة المجتهدين»(65).

خامسًا: شهادة غير تلامذة الشريف التلمساني:

أمَّا شهادة غير تلاميذ أبي عبد الله الشريف فتظهر فيما يلي:

ـ قول ابن مرزوق الحفيد: «شيخ شيوخنا أعلم عصره بإجماع»(66).

ـ قول التنسي: «كان واحد عصره دينًا وعلمًا، نقلًا وعقلًا، انتفع الناس به حيًّا وبتصانيفه مَيِّتًا»(67).

ـ قول الونشريسي في «القول المنيف»: «وكان آخر الأئمة المجتهدين، نسيج وحده فريد عصره في كل طريقة، انتهت إليه إمامة المالكية بالمغرب، وضُرِبَتْ إليه آباط الإبل شرقًا وغربًا، فهو عَلَمُ علمائها، ورافع لوائها، فحييت به السنة وماتت به البدعة، وأظهر من العلم ما بهر العقول»(68).

مواقف الشريف التلمساني:

لقد كان لانتشار علم أبي عبد الله الشريف وذيوع صيته الأثر البالغ في نفوس الناس، فكان محل ثقتهم، الأمر الذي أتاح لهم طلب صحبته والتقرب إليه، وقد دَوَّن المؤرِّخون مواقف للشريف مع سلاطين وأمراء عصره ومع شيوخه وتلاميذه، تُؤخذ منها العبرة وتستفاد منها العظة، سَجَّلتها كتب التاريخ وتناقلها المترجمون، لذلك نتناول موقف الشريف من سلاطين وأمراء عصره، ثم نتناول موقفه مع شيوخه وتلاميذه.

مواقف الشريف التلمساني من سلاطين وأمراء عصره

إنَّ الإمام أبا عبد الله الشريف، بالرغم ممَّا كان يحظى به عند سلاطين وأمراء عصره من سمعة عالية ومكانة مرموقة، بحيث كانوا يُجلُّونه ويحبونه ويُجلسونه أرفع المجالس ويتباهَوْن به، إلَّا أنه لم يسعَ للتودُّد إليهم وطلب صحبتهم، بل كان يتباعد عنهم مع إقبالهم عليه(69)، وحرصهم على قربه ورفعته، ولكنه لَمَّا قَرَّبوه لم يمتنع لما في ذلك من إتاحة فرصة تقديم النصح لهم وإرشادهم والإفصاح بالحقِّ ونصرة المظلوم وقضاء حوائج الناس دون حوائج نفسه، ولم يكن يخدمهم بدينه، وما تولى منصبًا من مناصب الدنيا مع تمكُّنه، بل كان وقَّافًا مع العلم حيث وقف، ويدلُّ على ذلك ما يلي:

ـ محنة الشريف العظيمة التي امتُحن بها أمام السلطان أبي عنان المريني، ويذكر لنا المترجمون والمؤرِّخون هذه الواقعة الدالَّة على أمانته وصدق لهجته وتباعُده عن مجالس الحكام والسلاطين، وهي أنه لَمَّا انحل نظامُ ملكِ السلطان أبي سعيد(70) أوصاه على ولده وعرض عليه مالًا وديعةً فامتنع بالكلية، فأودعها عند غيره وأشهده عليها، ثمَّ رُفِعَ أمر الوديعة إلى السلطان أبي عنان بعد ملكه وانتزع الوديعة وسخط على الشريف وعاتبه عتابًا شديدًا، وامتنَّ عليه بتقريبه ورفعه على العلماء، فأجابه الشريف بقوله: «إنما عندي شهادة لا يجب علي رفعها بل سترها، وأمَّا تقريبك إياي فقد ضرني أكثر ممَّا نفعني، ونقص به ديني وعلمي»، وشَدَّد القول على السلطان، فغضب لذلك وأمر بسجنه، واتفق أن حل عقب ذلك شيخ أعراب إفريقية، واسمه «يعقوب بن علي» على السلطان، فسأله عما يقول الناس عنه بإفريقية، فقال: «خيرًا، غير أنهم سمعوا بسجنك عالمًا شريفًا كبير القدر، فلامك فيه الخاصة والعامة»، وإثر ذلك أمر بإطلاق سراحه سنة (756ﻫ) بعد أن أقام في اعتقاله أشهرًا، وأمر بالإحسان إليه وأقصاه، ثمَّ أعاده إلى مجلسه، وما زال السلطان يعتذر له إلى أن توفي سنة (759ﻫ)(71).

ـ ما قاله لبعض الملوك وقد أمر بضرب فقيه: «إن كان عندك صغيرًا فهو عند الناس كبير، وإنه من أهل العلم» فنجا الفقيه وسُرِّح مكرَّمًا(72).

ـ ومن ذلك أنه كان يحضر مجلسه كبير وزراء الدولة، فطال يومًا على بعض الأئمة، فغضب عليه الشريف وعاتبه وعنَّفه، فسكت الوزير ولم يقطع المجلس(73).

ـ ومن ذلك ـ أيضًا ـ أنه دخل بعض المرابطين على السلطان أبي حمو في أول أمره، فلم يقبِّل يده ولا بايعه، بل سَلَّم وانصرف، فاشتد عليه غضبه، فقال: «ما له لا يبايعني ؟!» وهَمَّ بِشَرٍّ، فقال له الشريف: «هذه عادته مع من تقدَّم من الملوك، وهو من أهل الله»، فانكسر غضبه وأكرم المرابط وولاه القبيلة كلها(74).

مواقف الشريف التلمساني مع شيوخه وتلامذته

موقف الشريف التلمساني مع شيوخه:

اتسمت صفات الشريف التلمساني ـ على ما تقدم ـ بنبل الأخلاق مع شيوخه وشدة التواضع والتأدب وحسن الإصغاء والإقبال عليهم، مع ميوله للبحث والنظر والحُجَّة معهم معظِّما في ذلك منصب العلم وأهله، فمن مواقفه تلك ما يأتي:

ـ أنه بحث مع شيخه أبي زيد ابن الإمام في حديث، ودارت المناقشة فيه بينهما أخذًا وردًّا وتجاذبَا عليه جوابًا واعتراضًا حتى وُفِّق الشريف وظهر على شيخه فأنشده:

أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ * فَلَمَّا اشْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي(75)(76)

ـ ومن ذلك ما ذكر أحمد بابا التنبكتي من لقاء الشريف لشيخه ابن عبد السلام بتونس، فلازمه وانتفع به ونقل ذلك ولده أبو محمَّد عبد الله بما نصه: «لما حضر مجلس ابن عبد السلام جلس حيث انتهى به المجلس، فتكلم الشيخ في الذكر هل هو حقيقة في ذكر اللسان ؟ فقال أبو عبد الله: «يا سيدي، الذكر ضد النسيان، ومحل النسيان القلب لا اللسان، وتقرَّر أنَّ الضِّدين يجب اتحاد محلهما»، فعارضه ابن عبد السلام بأنَّ الذِّكر ضِدُّ الصمت، والصمت محله اللسان، فيجب كون اللسان محل ضده الذي هو الذكر، فيكون حقيقة فيه».

قال عبد الله: «فسكت عن مراجعته تأدبًا معه، وقد علمت أنَّ الصمت إنما ضِدُّه النطق لا الذكر، فلمَّا جاء في الغد جلس في موضعه، فقام نقيب الدولة فأجلسه بجنب ابن عبد السلام بأمره بذلك»(77).

ـ ومن ذلك حضوره بفاس في بدايته مجلس عبد المؤمن الجاناتي، وفي معرض حديثه اتفق بحث أظهر فيه الشريف رأيًا غاية في الوجاهة، فقال له الشيخ عبد المؤمن بعد أن نظر إليه مليًّا: «ما ذكرته من عندك أو من نقل ؟»، فقال: «من عندي»، فسأله عن بلده ونسبه وسبب مجيئه فلمَّا عرفه حمد الله على توفيقه ودعا له(78).

موقف الشريف التلمساني مع تلامذته:

كان أبو عبد الله الشريف يشفق كثيرًا على طلبة العلم ويلطف بهم ويكرمهم ويُحسن لقاءهم ولا يُؤْثِر عليهم غيرهم، فكانوا ـ حقًّا ـ في وقته أعز الناس، وأكثرهم عددًا، وأوسعهم رزقًا، فمن مواقفه معهم التي سجَّلها التاريخ وذكرها أهل التراجم ما يلي:

ـ جاءه طالب فصيح اللسان فأكرمه وقرأ، ثمَّ دخل عليه مرة بفاس فسأله عن حاله، فشكا إليه سوء وضعيته وحاله حيث إنه قرأ القرآن بالقرويين ولم يجد موردًا ماليًّا يستعين به على قضاء متطلبات المعيشة، فتأسف الشريف لحاله، وفي الغد أرسل أربعة من طلبته بأربعة قراطيس دراهم، وقال لهم:«احضروا مجلسه، فإذا قرأ فارموا القراطيس بين يديه»، ففعلوا فاستبشر بها الطالب وأخذها ودعا لهم، فلما عرف الناس حالته، انهالت عليه العطايا وانثالت عليه المعونات فاتسع حاله(79).

ـ ومن ذلك أنَّ السلطان سأله في إحدى المرات عن مسألة أصولية ضمن مسائل كتاب ابن الحاجب الأصلي(80)، وكان الشريف يعلم بأن أحد طلبته كان محتاجًا، فقال للسلطان: «إنما يفهم هذه المسألة الطالب الفلاني»، فطلبه السلطان من سِجِلْمَاسَة(81) وأمر عاملها أن يعطيه نفقة وكسوة ويوجِّهه في أسرع وقت، فلمَّا حضر بين يدي السلطان بيَّن له المسألة، فسأله السلطان عمن استفادها، فقال الطالب: «عن سيدي أبي عبد الله الشريف»(82).

حياة الشريف التلمساني العلمية

مساعي الشريف التلمساني التحصيلية:

تدرج أبو عبد الله الشريف في تحصيله لمدارك المعرفة بشتى الوسائل والطرق برغبة ملحَّة فتجول في أنحاء المغرب الإسلامي شرقيه وغربيه طالبًا للعلم، فأخذ من علماء تلمسان ابتداءً ثمَّ علماء فاس وتونس بصبر عريض واجتهاد دؤوب وهمة عالية. وترتيبًا على تدرُّجه في التحصيل نقسم مراحله التعليمية إلى مراحل داخلية، ثمَّ مراحل تعليمية خارجية.

المراحل التعليمية الداخلية للشريف التلمساني:

بدأت هذه المرحلة الدراسية في سنٍّ مبكرة، مذ كان أبو عبد الله الشريف تحت رعاية خاله عبد الكريم، حيث كان يصطحبه معه إلى مجالس العلم والعلماء، فظهرت نجابته وقدراته الذهنية ومواهبه الفكرية منذ صغره، فأحب العلم ومجالس العلماء، فأقبل عليه بأخلاق مرضية، وكان خاله يوجِّه ابن أخته التوجيه الحسن بعد ظهور علامات النجابة عليه، ويلازمه ويحرص على تعليمه، وقد ذكر الونشريسي في «القول المنيف» أنه: «حضر يومًا مجلس أبي زيد ابن الإمام في تفسير القرآن فذكر نعيم الجنة، فقال له الشريف ـ وهو صبي ـ: «هل يُقرأ فيها العلم ؟» فقال له: «نعم، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين»، فقال له: «لو قلتَ: لا، قلت لك: لا لذة فيها»، فعجب منه الشيخ ودعا له»(83).

ففي تلمسان اهتم في أوائل دراسته بقراءة القرآن، فأخذه عن الشيخ أبي زيد ابن يعقوب، وممَّن أخذ عنهم من شيوخه:

ـ القاضي أبو عبد الله محمَّد بن منصور بن هدية القرشي المتوفى سنة (736ﻫ)، فقد أخذ عنه علوم العربية والأدب.

ـ الإمام أبو موسى عمران بن موسى المشدالي البجائي الأصل، التلمساني الدار المتوفى سنة (٧٤٥ﻫ)، فقد استفاد منه في علوم الفقه والأصول والجدل.

ـ المحدِّث أبو محمَّد ابن عبد الواحد بن إبراهيم المجاصي التلمساني المتوفى سنة (741ﻫ)، وقد انتفع به في الحديث والفقه.

ـ واختصَّ بابني الإمام التنسي البَرِشْكي أبي زيد عبد الرحمن بن عبد الله التلمساني المتوفى سنة (٧٤٣ﻫ)، وأخيه أبي موسى عيسى بن عبد الله المتوفى سنة (٧٤٩ﻫ) وتفقَّه عليهما في الأصول والكلام(84).

ـ واستقى العلوم العقلية الأولى من الفقيه شيخ التعاليم أبي عبد الله محمَّد ابن يحيى بن علي بن النجار التلمساني المتوفى سنة (749ﻫ).

هذا، ويُذكر أنه ابتدأ التدريس وهو ابن أحد عشر عامًا (11)، فأقرأ العلوم الشرعية والعقلية القديمة والحديثة في زمن شيوخه مع شهادتهم له بوفور العقل وحضور الذهن(85).

المراحل التعليمية الخارجية للشريف التلمساني:

فبعد أن حصَّل فنونا متعددة في سنٍّ مبكِّرة وجد أبو عبد الله الشريف في نفسه عزمًا قويًّا ورغبةً مُلحَّة في المزيد من طلب العلوم، فقرَّر الرحيل صوب مدينة فاس حيث حضر في بدايته مجالس أبي فارس عبد المؤمن بن موسى الجاناتي المتوفى سنة (746ﻫ)، ودرس عليه «المدونة» للإمام مالك رحمه الله تعالى، وهناك قيَّض الله له شيخ العلوم العقلية أبا عبد الله محمَّد بن إبراهيم العبدري التلمساني المعروف بالآبلي المتوفى سنة (757ﻫ) فاعتمد على معارفه فانتفع به انتفاعًا عظيمًا، قال المؤرِّخ ابن خلدون: «ثمَّ لزم شيخنا الآبلي، وتضلَّع من معارفه واستبحر، وتفجَّرت ينابيع العلوم من مداركه»(86)، وفي أثناء تلمذته لم يدَّخر أبو عبد الله الشريف وسعًا يمكنه بذله في سبيل العلم، بل استفرغ وسعه في طلبه بعزيمةٍ صادقةٍ وصبرٍ عريضٍ، فقد لازم الآبلي أربعة أشهر فلم يره نزع ثوبه ولا عمامته لشغله بالنظر والبحث، فإذا غلبه النوم نام نومًا خفيفًا، فإذا أفاق لم يرجع إليه أصلًا، ويقول: «أخذت النفس حقَّها»، فيتوضأ ثمَّ رجع للنظر(87).

وقد استفاد منه علومًا جَمَّةً وبالأخصِّ العلوم العقلية المتمثِّلة في المنطق والحساب والفرائض والتنجيم والهندسة والتشريح والفلاحة وكثيرًا من العلوم القديمة ليتمكَّن بعد حين من شرح «جمل الخونجي»(88)، وهو من أجلِّ كتب الفنِّ.

وقد شهد له شيخه بالنجابة وقوة الذكاء والذاكرة ووفور العقل حيث كان يقول: «قرأ عليَّ كثيرٌ شرقًا وغربًا، فما رأيت فيهم أنجب من أربعة: أبو عبد الله الشريف أنجبهم عقلًا وأكثرهم تحصيلًا»، وإذا أشكلت مسألة على الطلبة عند الآبلي أو أُظْهِرَ بحث دقيق يقول: «انتظروا أبا عبد الله الشريف»(89).

وفي سنة (740ﻫ) ارتحل إلى تونس ولقي بها قاضي الجماعة أبا عبد الله محمَّد ابن عبد السلام بن يونس الهواري المتوفى سنة (749ﻫ)، فلازمه وانتفع به، وكان ابن عبد السلام يستعظم رتبتَه في العلوم ويقدِّره ويُدْنِيه في مجلسه ويعترف بفضله، ووقعت بينهما مذاكرات علمية وأخذ كلٌّ عن صاحبه، وأخذ ابن عبد السلام من معارف الشريف ما يتعلَّق خاصة بالعلوم العقلية منها الحساب والهندسة والحكمة والفلسفة والفرائض ممَّا قد استوعبه من شيخه أبي عبد الله النجار واستحكمها من شيخه أبي عبد الله الآبلي، وفي هذا المضمون يقول المؤرخ ابن خلدون: «وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله، ويعرف حقه، حتى لزعموا أنه كان يخلو به في بيته، فيقرأ عليه فصل التصوف من كتاب الإشارات(90) لابن سينا، بما كان هو قد أحكم ذلك على شيخنا الآبلي، وقرأ عليه كثيرًا من كتاب «الشفا»(91) لابن سينا، ومن تلاخيص كتب أرسطو لابن رشد، ومن الحساب والهيئة والفرائض، علاوة على ما كان يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة، وكانت له في كتب الخلافيات يد طولى وقدم عالية، فعرف له ابن عبد السلام ذلك كله وأوجب حقه»(92).

لقي بتونس كثيرًا من علمائها، منهم الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن محمَّد ابن عرفة الورغمي المتوفى سنة (803ﻫ) فتعجَّب منه، وازداد عنده جلالة، وقال له: «غايتك في العلم لا تُدرك»(93)، وقد رأى منه علمًا تامًّا ومعرفة(94).

ثمَّ رجع أبو عبد الله الشريف إلى مسقط رأسه تلمسان بعدما وصل في التفنُّن إلى غاية، فقضى جُلَّ أوقاته في تدريس العلم وإرشاد العامة، فأحيا السُّنَّة وأمات البدعة، وذاع صيته بين الأمصار والأقطار لما كان يمتاز به من ذكاء وتدقيق وإدراكٍ سليمٍ للحقائق وأخلاقٍ عاليةٍ، مع سلامة العقل جاريًا على نهج السلف(95)، فأقبل عليه الناس والتفُّوا حوله على اختلاف طبقاتهم، فملأ المغرب علومًا ومعارف، وتخرَّج على يده عددٌ كبيرٌ من الطلبة والعلماء كأبي زيد ابن خلدون وأبي زكريا يحيى أخيه، وأبي إسحق الشاطبي وغيرهم ممن سيأتي ذكرهم، فانتفعوا به قراءةً ونسخًا وتأليفًا، فضلًا عن مراسلاته العلمية الآتية من كبار علماء الأندلس كأبي سعيد ابن لب وابن الخطيب وغيرهما.

هذا، وإن لم يُؤثر عنه تآليف عديدة لشِدَّة عنايته بالإقراء والتدريس، إلَّا أنَّ ما وضعه من كتب وتصانيف نالت شهرةً كبيرةً في أقطار المغرب، من ذلك شرحه «الجمل» للخونجي في المنطق، وآخر في أصول الفقه موسوم بعنوان: «مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول»، وكذا كتاب «مثارات الغلط في الأدلة» طبَّق فيهما مسائل الفقه على الأصول، وكتاب «المعاوضات» و«القضاء والقدر».

هكذا كان دأب الشريف التلمساني في تحصيل العلم وتعليمه، فلم يفرِّط في سبيل ذلك لحظة من حياته من نعومة أظفاره إلى أن أصبح إمامًا مجتهدًا، فقد ذكر ابنه عبد الله: «أنه بقي في بعض الأزمنة ستة أشهر مشتغلًا بالعلم لم ير فيها أولاده؛ لأنه يقوم صُبحًا وهم نائمون، ويأتي ليلًا وهم نائمون»(96)، فقد كان يوزِّع نهاره بين التدريس والمطالعة والتلاوة، ويقسم ليلَه أثلاثًا: ثلث للنوم وثلث للنظر وثلث للصلاة(97)، فلم يختلف عن جميع عظماء الأُمَّة الإسلامية في الدأب والجد والمثابرة للوصول إلى قمة المجد العلمي.

ولما استولى أبو عنان المريني على تلمسان سنة (753ﻫ) استخلص الشريف مع من اختار من المشيخة وألحقه بمجلسه العلمي، ثمَّ صحبه إلى فاس، وتألق نجمه وزادت شهرته، فتبرم الشريف من الاغتراب وردَّد الشكوى، ثمَّ نكبه السلطان أبو عنان واعتقله وأطلقه سنة (756ﻫ)، وأقصاه ثمَّ أعاده إلى مجلسه العلمي وقرَّبه إلى أن توفي سنة (759ﻫ)، وبعد استيلاء أبي حمو موسى بن يوسف على تلمسان دعاه إليها وزوَّجه ابنته وبنى له مدرسة سنة (763ﻫ)، وقام الشريف بها متصديًا للإفادة ونشر العلم حتى قبض سنة (771ﻫ).

شيوخ الشريف وأقرانه وتلامذته:

إنَّ طريق معرفة مكانة المرء يكمن في معرفة شيوخه وأساتذته الذين تلقَّى عنهم وتأثَّر بهم، فلقُوَّة شخصية الشيخ وقدرته العلمية الأثر البالغ في بناء شخصية التلميذ ونضج عقليته، ولا يخفى أنَّ الشريف كما تأثَّر بشيوخه تلميذًا، فقد أثَّر على غيره من أقرانه وتلاميذه شيخًا، فالتلميذ أثر من آثار شيخه، وثمرة من ثماره، يُشيع ذكره ويعرف فضله وينشر علمه، وكلما برزت شخصية التلميذ قوية كلما انعكس ذلك على شيخه رفعة لقدره وإعلاء لمنزلته.

لذلك رأينا أن نقتصر على ذكر جملة من كبار شيوخه الذين تلقى عنهم وتأثر بهم، كما نذكر جملة من أقرانه وتلامذته لتتبين مكانته وتعرف منزلته وتعلو شخصيته.

شيوخ الشريف:

تلقى الشريف العلم ـ خلال مرحلته التحصيلية ـ عن طائفة من شيوخه داخل تلمسان وخارجها، لذلك نتعرض إلى جملة من شيوخه بتلمسان، ثم نتناول بعض شيوخه خارج تلمسان.

شيوخ الشريف التلمساني بتلمسان:

من شيوخ الشريف أبي عبد الله بتلمسان ما يأتي:

أولًا: القاضي ابن هدية القرشي، المتوفى سنة (736ﻫ).

ثانيًا: أبو محمَّد المجاصي، المتوفى سنة (741ﻫ).

ثالثًا: القاضي أبو عبد الله التميمي، المتوفى سنة (745ﻫ).

رابعًا: أبو عبد الله ابن النجار، المتوفى سنة (749ﻫ).

خامسًا: أبو موسى المشدالي، المتوفى سنة (745ﻫ).

سادسًا: ابنا الإمام التنسي البَرِشْكي.

أبو زيد عبد الرحمن، المتوفى سنة (743ﻫ).

أبو موسى عيسى، المتوفى سنة (750ﻫ).

سابعًا: القاضي ابن عبد النور، المتوفى سنة (749ﻫ).

شيوخ الشريف خارج تلمسان:

لقد أخذ الشريف العلم خارج تلمسان من علماء فاس وتونس، لذلك نتعرَّض إلى بعض شيوخه المشهورين بفاس، ثمَّ بتونس.

شيوخ الشريف التلمساني ﺑ «فاس»:

ومن شيوخه:

أولًا: عبد المؤمن الجاناتي، المتوفى سنة (764ﻫ).

ثانيًا: أبو عبد الله السطي، المتوفى سنة (749ﻫ).

ثالثًا: أبو عبد الله الآبلي(98)، المتوفى سنة (757ﻫ).

شيوخ الشريف التلمساني «بتونس»:

ومن أشهر شيوخه بتونس:

ـ أبو عبد الله ابن عبد السلام، المتوفى سنة (749ﻫ).

أقران الشريف التلمساني:

ومن أقران أبي عبد الله الشريف:

ـ أبو عبد الله المقري المتوفى سنة (759ﻫ).

ـ أبو عبد الله ابن مرزوق الخطيب، المتوفى سنة (780ﻫ).

تلامذة الشريف التلمساني:

كان الإقراء عند أبي عبد الله الشريف من عظيم اهتماماته وفرط عنايته، وكان الطلبة في وقته أعز الناس وأكثرهم عددًا وأوسعهم رزقًا وأكرمهم مجلسًا، فتخرَّج على يده من التلامذة من لا يحصى من صدور العلماء وأعيان الفضلاء ممَّن أشاعوا ذكره وعرفوا فضله ونشروا علمه.

ولا يسعنا إلَّا أن نشير إلى أهم تلامذته ممَّن حضروا مجالسه العامرة، وتفقَّهوا بمصاحبته وتأثروا بعلمه، ثمَّ نتناول تلامذته الذين لم تسمح لهم ظروف التنقل بالأخذ عنه بالتلقي، فانتفعوا بعلمه كتابةً ومراسلةً.

تلامذة الشريف بالمصاحبة:

وعلى رأس من أخذ عن الشريف التلمساني وانتفعوا بصحبته وسط أسرته الأصيلة وخارجها ولداه أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد المتوفى سنة (792ﻫ) من علية الفقهاء وصدور المدرسين، وأخوه أبو يحيى عبد الرحمن بن محمَّد، المتوفى سنة (826ﻫ)، سيد الشرفاء وشريف العلماء على ما وصفه به الونشريسي(99)، فكان بيته مجتمع العلماء والصلحاء. هذا وممَّن حضروا مجالسه العامرة مرتَّبين ترتيب الوفيات:

1) ابن زَمْرك الوزير، المتوفى بعد سنة (790ﻫ).

2) أبو زيد ابن خلدون، المتوفى سنة (808ﻫ).

3) ابن قنفذ القسنطيني، المتوفى سنة (810ﻫ).

4) ابن السكاك العياضي، المتوفى سنة (818ﻫ).

تلامذة الشريف بالمراسلة:

وممَّن أخذ عن الشريف التلمساني من فحول العلماء من العلوم عن طريق المراسلات الكتابية بإيفاد أسئلة دقيقة في مختلف العلوم قصد حل غموضها وإزاحة الإشكال عنها وإزالة لبسها، أو بعرض كتب مؤلفة بدافع إبداء الرأي والتقويم، أو ممَّن استفاد منه بالبحث عمَّا يصدر عنه من تقييد أو فتوى لحفظها وتدوينها من يأتي ذكرُه:

1) الخطيب أبو سعيد ابن لب، المتوفى سنة (782ﻫ).

2) لسان الدين ابن الخطيب، المتوفى سنة (776ﻫ).

3) أبو إسحاق الشاطبي(100)، المتوفى سنة (790ﻫ).

هذا، ولا يخفى أنَّ الذين انتفعوا بعلمه قراءةً ونسخًا وتأليفًا ومراسلةً من تلامذته أضعاف من ذكرنا، فما هذا إلَّا غيض من فيض بالمقارنة مع مجالسه العامرة في مختلف حواضر المغرب العربي التي حلَّ بها أو في مدرسته التي بناها له أبو حمو موسى الزياني.

آثار الشريف التلمساني العلمية

لم يصلنا عن أبي عبد الله الشريف التلمساني ـ رغم غزارة علمه وسعة إطلاعه ـ من خبر تآليفه سوى القليل، نظرًا لشدة عنايته بالإقراء والتعليم(101) مع إشرافه على المدرسة اليعقوبية التي بناها له السلطان أبو حمو موسى، فلم يسعه الوقت لوضع التصانيف والمؤلفات، أو لعله رأى أنَّ فساد العلم كثرة التآليف(102)، جريًا على مذهب شيخه أبي عبد الله الآبلي(103)، وبالرغم من ذلك فإن ما ألَّفه من كتب جمعت بين المنقول والمعقول وفتاوي علمية قد أحيا ذكره وخَلَّد اسمه، وأكَّد عظمة شخصيته الفكرية.

هذا وقد حفظت لنا مختلف المصادر والمراجع عناوين كتبه ورسائله، فمنها ما خرج إلى حيز الوجود مطبوعًا ومتداولًا، ومنها ما بقي مخطوطًا يعلم مكان وجوده ولم يتعرَّض للتحقيق، ومنها ما بقي مخطوطًا تُجْهَل أماكن وجوده.

مؤلفات الشريف التلمساني وفتاويه:

عاش أبو عبد الله الشريف إحدى وستين سنة، عكف معظم هذه الحقبة من عمره على تحصيل العلوم النقلية والعقلية، وخالط من علماء المغرب العربي الكبير كثيرًا من أئمَّة العلم وشيوخ المعرفة، وعاين من المكتبات في شتَّى الفنون في مختلف البلدان التي رحل إليها ما به ظهرت قُوَّة عقله وعارضته وتأَكَّدت إمامته، ثمَّ أقبل على التدريس، فكان يقرأ الفقه وفي غالبه من «المدونة» لابن القاسم، ودأب على تفسير القرآن الكريم خمسًا وعشرين سنة، يفسِّر كُلَّ يوم ربع حزب منه بحضرة أكابر الملوك والعلماء وصدور الطلبة(104)، وما وسعه من وقت أقبل فيه على التأليف والإجابة على الأسئلة الوافدة عليه، لذلك نشير فيما يأتي إلى بعض مؤلفات الشريف واجتهاداته، وكذا فتاويه العلمية.

كتب الشريف التلمساني:

للشريف التلمساني كتب قليلة، منها ما له علاقة بالعقيدة والفقه وأصوله، ومنها ما يتعلَّق بالمنطق، ويأتي في طليعة كتب الشريف التلمساني المهمَّة ما يأتي:

أولًا: مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول.

ثانيًا: مثارات الغلط في الأدلة.

وهما كتابان قمت بتحقيقهما ودراستهما دراسة تحليليةً: توثيقًا وعرضًا ومنهاجًا ووصفًا.

ثالثًا: شرح الجمل للخونجي.

وعنوان هذا الكتاب أكثر تداولًا في المصادر التي تتعرض حال ترجمة الشريف التلمساني إلى تآليفه، فقد ذكره منسوبًا إليه:

ـ تلميذه أبو العباس أحمد بن قنفذ القسنطيني، المتوفى سنة (810ﻫ) في «وفياته» (84) واصفًا له بقوله: «شارح الجمل في المنطق».

ـ والإمام أحمد بن يحيى الونشريسي، المتوفى سنة (٩١٤ﻫ) في «وفياته» (126).

ـ والإمام أبو العباس أحمد بن محمَّد المكناسي الشهير بابن القاضي، المتوفى سنة (1025ﻫ) في «درة الحجال» (2/ 269).

ـ والمؤرِّخ الفقيه أبو العباس أحمد بابا التنبكتي، المتوفى سنة (1032ﻫ) في «نيل الابتهاج» (256).

ـ وأديب المغرب أحمد بن محمَّد المقري، المتوفى سنة (1041ﻫ) في «نفح الطيب» (7/ 269).

ـ والشيخ أبو عبد الله ابن محمَّد الملقب بابن مريم الشريف المليتي في «البستان» (173).

ـ والشيخ محمَّد بن محمَّد الأندلسي الوزير السراج، المتوفى سنة (1149ﻫ) في «الحلل السندسية» (2/ 179).

ـ والشيخ أبو القاسم محمَّد الحفناوي المتوفى سنة (1360ﻫ) في «تعريف الخلف» (1/ 119).

ـ والشيخ المؤرخ محمَّد بن الحسن الحجوي الثعالبي، المتوفى سنة (1367ﻫ) في «الفكر السامي» (2/ 4/ 236).

والغرض من وضع هذا الكتاب هو شرح وبيان لكتاب «الجمل» للخونجي(105) التي تنضبط بها قواعد المنطق وأحكامه، وهذا الكتاب يعد مختصرًا منطقيًّا شديد الإجمال، لا يتمكَّن من فهمه إلَّا من كان على إطلاع واسعٍ بالعلوم العقلية، عارفًا بالمنطق متبحرًا في دراسته، ولا تدرك خباياه ودقائقه إلَّا بعد المقارنة بكتب الخونجي المنطقية الأخرى ﻛ «كشف الأسرار عن غوامض الأبكار»، و«الموجز في المنطق»، إذ إن الخونجي إنما وضع «جمله» لجمع من أكابر العلماء وأعيان الفضلاء على تصريح منه في مقدمة «جُمله»(106).

ولشرح أبي عبد الله الشريف لجمل الخونجي نسختان خطيتان:

ـ الأولى: نسخة جيِّدة جلية بالمكتبة الوطنية بالجزائر تحت رقم: 1377، وتقع في 118 ورقة.

ـ الثانية: نسخة رديئة بالزاوية الحمزاوية بالمغرب الأقصى ضمن مجموع رقم: 45، ومعه شرح ابن مرزوق على «الخزرجية»، وابن التلمساني على شرح «المعالم في أصول الدين» لفخر الدين محمَّد بن عمر الخطيب الرازي، وتقع في 95 ورقة.

قال أبو عبد الله الشريف في مقدمتها ما يلي: «الحمد لله الذي غرس في الجِبِلَّات العقلية حدائق العلوم الفطريات، وجلاها لأبصاره الأفكار، فأجنت منها معارفها النظريات، سالكة منها جاثموية تتضاءا منها الشبهات المضلات، وتتضح بها البراهين اليقينيات والصلاة التامة على سيدنا محمَّد المبعوث بتبين الشرائع النقليات، وبيان محاسن الخلقيات وعلى آله وصحبه ذوي المآثر السنيات والمعالم السنيات.

أمَّا بعد:

فإنَّ العلم أشرف المناقب وأسنى المكاسب، تستكمل به النفوس الإنسانية قواها، وتبلغ بها غاية السعادات الأبدية منتهاها، وليس ذلك إلَّا في العلوم المتطلبة لا في مبادئها، فإنَّ النفوس مشتركة في الضروريات وحالة مباديها، فإذًا لابد من اقتناص هذه المطالبة العظيمة من فكر صائب، ونظر بذهن ثاقب، ولما لم تكن الإصابة للفكر من ذاته لتطوره بها وبالخطإ في حالاته، مست الحاجة إلى قانون يعصم الجنان في معقولاته كما يعصم النحو اللسان في مقولاته.

ولما كان مختصر الإمام الأوحد الأعظم الفذ أفضل الدين الخونجي رضي الله عنه، قد بلغ في الغاية إلى حيث لا يعدل به ولا تنثني العقول الصحيحة عن قويم مذهبه، فهو وإن صغر حجمه فقد كثر علمه، أجبت إلى تعبير ألفاظه وبيانها، وتمثيل دواعيه وبراهينها، من دعاني إلى ذلك وإجابته ستم، وأشار علي به وإشارته حتم، فشرحت هذا المختصر شرحًا يستوعب بيان معانيه، وإيضاح مشكلاته وتحقيق مبانيه، غير موجز فيه إيجازًا مُخِلًّا، ولا مطنبًا إطنابًا مُمِلًّا، والله سبحانه هو المستعان وعليه التكلان».

رابعًا: كتاب في القضاء والقدر.

وقد نسب هذا الكتاب للشريف:

ـ الشيخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي في «نيل الابتهاج» (259).

ـ والشيخ أبو عبد الله ابن مريم الشريف في «البستان» (172).

ـ والشيخ أبو القاسم محمَّد الحفناوي في «تعريف الخلف» (1/ 117).

غير أني لم أقف على نسخة خطية منه، قصد الإطلاع على مضمونه العقائدي ومعرفة منهجه الاجتهادي في أصول الدين، وعليه فليس لنا منه سوى ما ذكره التنبكتي بقوله: «حقَّق فيه مقدار الحقِّ بأحسن تعبير عن تلك العلوم الغامضة».

خامسًا: كتاب في المعاوضات أو المعاطاة.

ذكره منسوبًا إليه:

ـ الشيخ أحمد بابا التنبكتي في «نيل الابتهاج» (260).

ـ وابن مريم أبو عبد الله الشريف في «البستان» (173).

ـ وأبو القاسم محمَّد الحفناوي في «تعريف الخلف» (1/ 119).

وهذا الكتاب كسابقه لم أقف له على نسخة خطية نَطَّلع من خلالها على مضمون الكتاب، غير أنه يظهر من عنوان الكتاب معالجته الفقهية لبعض قضايا ومسائل البيوع المتعلِّقة بالمعاوضات أو المعاطاة المدرجة ضمن المعاملات المالية.

رسائل الشريف التلمساني وأجوبته:

كانت تفد للشريف التلمساني أسئلة دقيقة في مختلف العلوم قصد كشف غموضها وإزالة الإشكال عنها وإزاحة لبسها عن طريق مراسلات كتابية مع غيره من أئمة العلم ومن دونهم، وتمثَّلت في مسائل علمية نشير إلى بعضها مقسَّمة إلى أجوبته عن المسائل الفقهية وأجوبته الأصولية.

فمن المسائل الفقهية التي أجاب عنها ما يلي:

1ـ مسألة ثبوت الشرف من جهة الأم.

2ـ مسألة فيمن أوصى بثلث ماله واشترط أنه لا يرجع في وصيته.

3ـ مسألة رجوع المنفق فيما أنفقه.

4ـ مسألة الأصل إفراد كل يمين بكفارتها وعدم إشراكها مع غيرها.

5ـ مسألة في شرح حديث: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثَةٌ».

وأما المسائل الأصولية فمنها ما يلي:

١ـ مسألة قول الإمام المرجوع عنه.

٢ـ مسائل متعلِّقة بإشكالات في المنطق والفلسفة والكلام.

اجتهادات الشريف التلمساني:

وصل الشريف التلمساني إلى درجة علمية عالية في التفنُّن، فقد كان عالِمًا بعلوم القرآن والحديث، قائمًا على الفروع والأصول، ثبتًا وتحصيلًا، خبيرًا بلسان العرب وعلوم الأدب نحوًا وبيانًا، فضلًا عن معرفته الواسعة للعلوم العقلية وفهمه لمقاصد الشريعة على كمالها، وباختصار كان محيطًا بمدارك الشرع وطرقها الموصلة إلى الأحكام.

هذه الرتبة العلمية الكبيرة التي حظي بها مَكَّنته من بلوغ درجة الاجتهاد نظرًا لتوفُّر شروطه فيه، ويلاحظ من تصريح بعض أقرانه من معاصريه كالإمام ابن مرزوق الخطيب المتوفى سنة (780ﻫ) في رسالته التي رد فيها على أبي القاسم الغبريني المتوفى سنة (772ﻫ) بقاؤه ضمن حدود المجتهد في المذهب(107) غير أنه ـ في تقديري ـ ومن خلال دراستي لمؤلفاته وفتاويه أنَّ سعة علمه وتبحُّرَه فيه مكَّنته من الاطلاع على اجتهادات المذاهب الأخرى وطرق اجتهادهم، الأمر الذي فسح له مجالًا لاختيار آراء خارجة عن المذهب المالكي أو خلاف المشهور من مذهبه، مائلًا إلى النظر والحُجَّة، جاريًا على نهج السلف في وجوب إتباع الحقِّ متى بان وظهر، لذلك يدخل ـ في نظري ـ ضمن صنف المجتهدين المطلقين المنتسبين(108)، ويؤكِّد ذلك ما يلي:

1ـ اجتهاداته الفقهية والأصولية.

2ـ مناظرته لأبي القاسم الغبريني وما كتبه ابن مرزوق بقول الشريف التلمساني: «فإذا كان مراد المعترض النقل المذهبي فليس من دأبنا»(109).

3ـ ما وصفه به تلميذه أبو زكريا يحيى بن أحمد السراج المتوفى سنة (805ﻫ) بقوله بعدما أثنى عليه كثيرًا: «… بل هو أحد العلماء الراسخين وآخر الأئمَّة المجتهدين»(110).

هذا، وللشريف التلمساني جملة من الاختيارات الفرعية مبنية على تحقيقاته الأصولية المرجِّحة(111).

فتاوى الشريف التلمساني العلمية:

إنَّ الإمام أبا عبد الله الشريف، مع ما يتمتَّع به من قدرة فائقةٍ على التأليف والتصنيف إلَّا أنه لم يترك إلَّا عددًا ضئيلًا من المصنفات، ولكنها عظيمة الفائدة غزيرة المضمون، وقد كان علماء الأندلس أعرف الناس بقدره وأكثرهم تعظيمًا له، وقد تقدَّم أنَّ الإمام المفتي أبا سعيد ابن لب كُلَّما أشكل عليه شيء كاتبه ليُبيِّن له ما أشكل، والعالم الشهير لسان الدين ابن الخطيب إذا أَلَّف كتابًا أرسله إليه وعرضه عليه وطلب منه أن يكتب عليه بخطه، كذا كان صنيع علماء المغرب يفزعون إليه في حَلِّ المشكلات، فكانت تُحمل إليه العديد من الأسئلة برًّا وبحرًا فيجيب عنها مزيلًا لبسها والإشكالات المحيطة بها، مع تورعه في الفتوى وتحرِّيه في مسائل الفقه.

غير أنَّ هذه الفتاوي وجدناها مشتَّتة الأنحاء، متناثرة الأماكن، بين مطبوع ومخطوط في كتب الفقه والتراجم، وقد ذكرنا بعضا منها في تحقيقنا ﻟ «مفتاح الوصول» فلتراجع هناك(112).

[تحقيق «المفتاح» (39)، «الإنارة» (50)]


الهوامش:

1- انظر ترجمته في: «التعريف» لابن خلدون (٦٢)، «بغية الرواد» ليحيى بن خلدون (١٢٠)، «فهرست أبي زكريا السراج» (١خ)، «وفيات ابن قنفذ» (٨٤)، «تاريخ بني زيان» للتنسي (١٧٩)، «المعيار» (١٢/ ٢٢٤)، «الوفيات» (١٢٦) كلاهما للونشريسي، «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٢٥)، «البستان» لابن مريم (١٦٤)، «الحلل السندسية» للسراج (٢/ ١٧٩)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٠، ٢/ ٣٥٢)، «الفتح المبين» للمراغي (٢/ ١٨٩)، «درة الحجال» (٢/ ٢٦٩)، «لقط الفرائد» (٢١٤) كلاهما لابن القاضي، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٤/ ٢٤٦)، «تاريخ الجزائر العام» للجيلالي (٢/ ٢٠٩)، «الأعلام» للزركلي (٥/ ٣٢٧)، «معجم أعلام الجزائر» للنويهض (١٣٩)، «أصول الفقه» للدكتور شعبان (٣٦٢)، «الجزائر في التاريخ» لحاجيات (٤٤٢)، «المفسرون الجزائريون» لإسكندر (١٠٩).

2- انظر الجزء الذي أفرده له الونشريسي في ترجمته سماه «القول المنيف في ترجمة أبي عبد الله الشريف» و«نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٧)، و«البستان» لابن مريم (١٦٦).

3- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٧٧)، مقدمة ناسخ «مثارات الغلط» (ص ٥٦٥).

4- «نفح الطيب» للمقري (٧/ ٢٦٩).

5- «وفيات ابن قنفذ» (٨٤)، «وفيات الونشريسي» (١٢٦)، «لقط الفرائد» (٢١٤)، «درة الحجال» (٢/ ٢٦٩) كلاهما للمكناسي، «الحلل السندسية» للسراج (٢/ ١٧٩).

6- هي عاصمة تلمسان، كانت بلدة رومانية ثمَّ ازدهرت في عهد المرابطين، وجعلها بنو عبد الواد عاصمة المغرب الأوسط، قال يحيى بن خلدون: «ودار ملكهم فيه وسط بين الصحراء والتل، تسمى بلغة البربر «تلمسن»، كلمة مركبة من «تلم» ومعناه «تجمع» و«سن» ومعناه «اثنان» أي الصحراء والتل، ويقال «تلشان» وهو أيضًا مركب من «تل» ومعناه «لها»، «شان» أي لها شأن». [«بغية الرواد» ليحيى بن خلدون (٨٥)].

انظر وصف وموقع هذه المدينة في «معجم البلدان» لياقوت (٢/ ٤٤)، «الروض المعطار» للحميري (١٣٥)، «مراصد الاطلاع» للصفي البغدادي (١/ ٢٧٢)، «المدن المغربية» لإسماعيل العربي (١٣٣).

7- انظر: «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (٦/ ٩٣).

8- انظر نسبه في «تاريخ بني زيان» للتنسي (١٧٩)، «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٢٥)، «البستان» لابن مريم (١٦٤).

9- «التعريف» لابن خلدون (٦٢)، «المعيار» للونشريسي (١٢/ ٢٢٤).

10- انظر المصادر السابقة.

11- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٦)، «البستان» لابن مريم (١٦٦).

12- «فهرست» السراج: (خ) ج: ١، «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٧).

13- «التعريف» لابن خلدون (٦٤).

14- قلت: وهذا الجزء هو الذي لخَّصه الونشريسي في كتاب سماه «القول المنيف في ترجمة الإمام أبي عبد الله الشريف». [انظر: «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٧)، «البستان» لابن مريم: (١٦٦)].

15- المصدران السابقان، نفس الصفحة.

16- «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٤/ ٢٤٩).

17-«تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٦).

18- «فهرست» السراج: (خ) ج: ١، والمرجع السابق نفس الجزء ص (١١١).

19- مقدمة ناسخ «مثارات الغلط» (ص ٥٦٥).

20- انظر «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٧)، «البستان» لابن مريم (١٦٧)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٣).

21- وهي أم أبي يحيى عبد الرحمن بن محمَّد الشريف. [انظر: «البستان» لابن مريم (١٢٧)].

22- «التعريف» لابن خلدون (٦٤)، «تاريخ بني زيان» للتنسي (١٧٩)، «القبائل العربية في المغرب» لمصطفى أبو ضيف (١٥٣).

23- ويؤكد ذلك أنَّ تزوجه بها كان عند عودته من فاس بعد سنة (٧٥٦ﻫ)، في حين نجد أنَّ تاريخ ميلاد ابنه المكنى به أبي محمَّد عبد الله الشريف كان سنة (٧٤٨ﻫ).

24- انظر: «التعريف» لابن خلدون (٦٤)، «تاريخ بني زيان» للتنسي (١٧٩)، «تلمسان عبر التاريخ» للطمار (١٧٨).

25- لاوتاريخ وفاته متفق عليه بين المؤرِّخين والمترجمين. [انظر: «بغية الرواد» ليحيى بن خلدون (١٢٠)، «التعريف» لابن خلدون (٦٤)، «وفيات ابن قنفذ» (٨٤)، «وفيات الونشريسي» (١٢٦)، وقال: «ورأيت بخط تلميذه الأخص به الكاتب البارع أبي عبد الله محمَّد ابن يوسف الثغري ما نصه: وفاته رحمه الله تعالى ونفع به وبعقبه الكريم في نصف ليلة الأحد رابع ذي الحجة عام إحدى وسبعين وسبعمائة، وعدد أيام مرضه ثمانية عشر يومًا رحمه الله تعالى ورضي عنه». «المعيار» للونشريسي (١٢/ ٢٢٥)].

26- «بغية الرواد» ليحيى بن خلدون (١٢٠)، «نفح الطيب» للمقري (٧/ ٢٦٩).

27- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٦٢)، «البستان» لابن مريم (١٧٧)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١٢٢).

28- «فهرست السراج»: خ ج ١، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١١).

29- «البستان» لابن مريم (١٧٤).

30- المصدر السابق (١٧٧) وفيه: «وكان من أجمل الناس وجها».

31- نقلًا عن «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٨).

32- المصدر السابق الصفحة نفسها.

33- المصدر السابق الصفحة نفسها، «البستان» لابن مريم (١٦٩)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٤).

34- المصادر السابقة نفسها.

35- المصادر السابقة نفسها.

36- المصادر السابقة نفسها.

37- المصادر السابقة نفسها.

38- «نفح الطيب» للمقري (٧/ ٢٦٩).

39- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٦٠)، «البستان» لابن مريم (١٧٤)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٩).

40- لمصادر السابقة.

41- المصادر السابقة.

42- «مقدمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي» على كتاب «العقائد الإسلامية» للشيخ عبد الحميد ابن باديس، رواية وتعليق لمحمَّد الصالح رمضان (٧).

43- لم أقف عليه. [انظر: كتب الشريف التلمساني (ص ٣٢٥)].

44- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٩).

45- المصدر السابق الصفحة نفسها، «البستان» لابن مريم (١٧٣)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٧).

46- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٨)، «البستان» لابن مريم (١٧١)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١١٦).

47- أخرجه مسلم في «الطهارة» رقم (٢٧٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

48- المصادر السابقة نفسها.

49- المصادر السابقة نفسها.

50- المصادر السابقة نفسها.

51- «البستان» لابن مريم (١٧١).

52- المصدر السابق (١٧٠)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٦).

53- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٨)، والمصدران السابقان الصفحة نفسها.

54- المصادر السابقة الصفحة نفسها.

55- انظر: شهادة ملوك زمانه: (ص ٢٩٩).

56- «البستان» لابن مريم (١٧١)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٧).

57- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٤٧، ٢٢٧).

58- «البستان» لابن مريم (١٦٦)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١١).

59- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٨)، «البستان» لابن مريم (١٧٠)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٦).

60- «الحلل السندسية» للسراج (٢/ ١٧٩).

61- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٨)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٦).

62- «التعريف» لابن خلدون (٦٢)، «المعيار» للونشريسي (١٢/ ٢٤٤).

63- المصدران السابقان نفساهما.

64- «بغية الرواد» ليحيى بن خلدون (١٢٠)، وعبارة: «لا يعزب عن علمه فنٌّ عقلي ولا نقلي إلَّا وقد أحاط به» فيها مبالغة وغلو.

65- «فهرست السراج» (خ)، «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٥)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١١).

66- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٥).

67- «نظم الدر والعقيان» للتنسي (١٧٩).

68- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٧)، «البستان» لابن مريم (١٦٧)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٣).

69- «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١٢٠).

70- هو أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن. [انظر أخباره في: «العبر» لابن خلدون (١٣/ ٥٠٢) وما بعدها].

71- انظر: «التعريف» لابن خلدون (٦٣)، «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٦)، «البستان» لابن مريم (١٦٥)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١٢٠)، «تلمسان عبر العصور» للطمار (١٤٢).

72- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٦٠)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٩).

73- «البستان» لابن مريم (١٧٦).

74- المصدر السابق (١٧٤).

75- انظر: «مجمع الأمثال» للميداني (١٢٢)، وهو ـ أيضًا ـ من شواهد «العقد الفريد» لأبي عمرو ابن عبد ربه الأندلسي (٣/ ١١٧)، وبعده:

وَكَمْ عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القَوَافِي * فَلَمَّا قَالَ قَافِيَةً هَجَانِي

أُعَلِّمُهُ الفُتُوَّةَ كُلَّ وَقْتٍ * فَلَمَّا طَرَّ شَارِبُهُ جَفَانِي

76- «البستان» لابن مريم (١٧١)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٦).

77- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٧).

78- «البستان» لابن مريم (١٧٠).

79- المصدر السابق: (١٦٩)، «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٨)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٥).

80- وهو كتاب متداول معروف ﺑ «منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل» للإمام جمال الدين أبي عمرو ابن الحاجب المقرئ النحوي الأصولي الفقيه المالكي.

81- مدينة قديمة بالمغرب قامت على أنقاض مدينة رومانية، تقع على مسيرة ١٠٠ميل جنوب شرقي مدينة فاس على تخوم الصحراء وعلى الضفة اليسرى لوادي زين، كانت عاصمة بلاد تافيلات سابقا. [انظر: «معجم البلدان» لياقوت (٣/ ١٩٢)، «الروض المعطار» للحميري (٣٠٥)، «مراصد الاطلاع» للصفي البغدادي (٢/ ٦٩٤)، «وصف إفريقيا» لليون الإفريقي (٢/ ١٢٠)، «المدن المغربية» لإسماعيل العربي (١٢٢)].

82- المصادر السابقة، الصفحات نفسها.

83- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٧)، «البستان» لابن مريم (١٦٧)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٣).

84- «التعريف» لابن خلدون (٦٢)، «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٦)، «المعيار» للونشريسي (١٢/ ٢٢٥)، «البستان» لابن مريم (١٦٤)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٢).

85- «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٤)، «تاريخ الجزائر» للجيلالي (٢/ ٢٠٩).

86- «التعريف» لابن خلدون (٦٢).

87- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٨)، «البستان» لابن مريم (١٦٧)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٤).

88- انظر مؤلفات الشريف التلمساني: (ص ٣٢٢).

89- المصادر السابقة نفسها.

90- هو كتاب «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا أَلَّفه في آخر حياته، وأضاف إلى فصول المنطق والطبيعيات والإلهيات فصلًا خاصًّا بالتصوُّف، ويمتاز الكتاب بسمو التعبير وعمق الآراء، الأمر الذي يجعله مستقلًّا عن نظريات المدارس الأخرى وعليه مآخذ عقائدية.

91- هو من أجلِّ كتب ابن سينا الفلسفية يشتمل على أربعة أقسام: المنطق، الرياضيات، الطبيعيات، الإلهيات، وقد تولَّت طبعه المؤسسة الجامعية للدراسة والنشر. (الفن السادس من الطبيعيات ١٩٨٨).

92- «التعريف» لابن خلدون (٦٢).

93- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٨)، «البستان» لابن مريم (١٧٠)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٦).

94- انظر «الحلل السندسية» للسراج (٢/ ١٧٩).

95- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٧)، «البستان» لابن مريم (١٦٨)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٤).

96- المصادر السابقة نفسها.

97- المصادر السابقة نفسها.

98- الذي حملني على القول بأنَّ الشريف لازم الآبلي بفاس ـ وإن كان المقري الكبير لقيه وأخذ عنه بتلمسان [«نفح الطيب» للمقري (٧/ ٢٤٢)] ـ هو سؤال شيخه عبد المؤمن الجاناتي للشريف عند حضوره بفاس في بدايته عن سبب مجيئه فأخبره الشريف بأنه أتى للقراءة على الشيخ الآبلي. [انظر: «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٨)، «البستان» لابن مريم (١٧٠)].

99- «المعيار المعرب» للونشريسي (٧/ ٣٢١).

100- الذي يدفعنا إلى القول بتلمذة الشاطبي على الشريف التلمساني بالمراسلات الكتابية هو كون الشاطبي وُلد وعَاشَ وَنَشَدَ العِلم بالأندلس، ولم تنقل إلينا كتب التاريخ والتراجم خروجه إلى المغرب العربي أو إلى المشرق الإسلامي، كما أنه ـ من جهة أخرى ـ لا نعرف قيام الشريف التلمساني بمهمة السفارة أو السياحة نحو الأندلس، فغاية ما تذكره تلمذته عليه، فلم نجد بدا من ترتيبه ضمن تلامذته بالمراسلة.

101- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٦٠)، «البستان» لابن مريم (١٧٣)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١٩).

102- والمعني بها تأليف المختصرات.. إلخ.

103- «نفح الطيب» للمقري (٧/ ٢٧١).

104- قلت: ولم يصل إلينا شيء من تفسير الشريف التلمساني ـ فيما نعلم ـ، ولعل التقصير في الحرص والاحتياط كتابةً وتقييدًا يرجع إلى تلامذته الملازمين لحلقاته التفسيرية، وهو ما أشار إليه الشيخ البشير الإبراهيمي في «مقدمته» على «العقائد الإسلامية» لابن باديس (٧).

105- وكتاب الجمل للخونجي مطبوع نشره مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية بالجامعة التونسية، ومعه «المختصر في المنطق» لابن عرفة، تحقيق وتقديم سعد غراب.

106- انظر «الجمل» للخونجي (٢٩).

107- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٦)، «البستان» لابن مريم (١٦٦)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١١١).

108- انظر: «مراتب المجتهدين» في «المجموع» للنووي (١/ ٤٢)، «أعلام الموقعين» لابن القيم (٤/ ٤١٢)، «المدخل» لابن بدران (٣٧٤)، «الأصول العامة للفقه المقارن» للحكيم (٥٩١)، «أصول الفقه» لأبو زهرة (٣٦٥)، «الوسيط» للزحيلي (٥٢٢).

109- «المعيار المعرب» للونشريسي (٩/ ٣٢١).

110- «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٢٥٥)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١٢٧).

111- انظر: اختيارات الشريف التلمساني وتحقيقاته الأصولية في «مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول» بتحقيقنا (ص ٩٨).

112- «مفتاح الوصول إلى بناء الفرع على الأصول» (ص ١٠٣)، (ص ١٥٦).

آخر التغريدات: