حمودة بن ساعي أو المصير البائس لمثقف جزائري

بقلم: سعدي بوزيان –

وفق الأستاذ نور الدين خندودي في اختيار عنوان معبر عن مصير مثقف جزائري في جزائر الاستقلال وهو الأستاذ المفكر حمودة بن ساعي.

وعبر شخصيا هو عن نفسه بألم وحسرة: “أصبحت غريبا في وطني مظلوما معانا مخذولا” باتنة 8 مايو 1983.

وفي رمضان 6 أوت 1980 نراه يناجي الله في هذا الشهر المبارك علّ الله يفرج كربته ويقول بهذه المناسبة “وفي شهر رمضان المعظم أرفع صوتي الخافت نحو السماء مناجيا العلي القدير أن يرحم حال بؤسي الطويل وأن يمنحني عونه وبركاته” وكيف ينتهي مصير مثقف وطني يكتب بلغتين الفرنسية والعربية في وطن ما أحوج لأمثاله للنهوض بالثقافة الوطنية وقد قال عنه هان رينر أنت تكتب بلغة فرنسية جيدة، وهناك العديد من الكتاب الكبار الذين سيسعدون كثيرا لو يكتبون بنفس قدرتك”، ولا أريد أن أفهم كيف أن رجلا بمستوى حمودة بن ساعي الثقافي والفكري لا يجد مكانا له في دار الثقافة بباتنة وقد حصل أن التقيت ذات يوم بمدير دار الثقافة وسألته عما إذا كان يعرف بعض أسماء المثقفين من أوراس بصفته مديرا لدار الثقافة في عاصمة الأوراس، وذكرت له بعض الأسماء د-تابليت علي الكاتب والصحفي سعدي بزيان فوجدته خالي الذهن تماما، وهو مع ذلك على هرم سلطة الثقافة في عاصمة الأوراس، حقا إننا نعيش قحطا ثقافيا لا على مستوى الأوراس بل على مستوى التراب الوطني وتصحرا فكريا لا نظير له، وصدق الأستاذ نور الدين خندودي عندما وصف الساحة بقوله: “برحيل حمودة بن ساعي والتحاقه بالدكتور عبد العزيز خالدي ومالك بن نبي ومحند تازروت تكون الساحة الفكرية في البلاد قد خلت من رواد فكر جزائري عميق بأبعاد محلية وكونية يضاهي الفكر العالمي وهذه الأسماء رسمت الطريق للأجيال القادمة، وقد آن الأوان للباحثين الجزائريين وخاصة أبناء الأوراس التنقيب على آثار حمودة بن ساعي وجمع مقالاته في جريدة النجاح قبل أن تتحول إلى جريدة في خدمة الاستعمار، كما نشر بن ساعي عدة مقالات في جريدة صوت الأهالي بالفرنسية، وعندما اطلع ابن باديس على مقالات بن ساعي في النجاح انبهر بأسلوبه وطرحه للقضايا الثقافية والفكرية، كما انبهر طلبة شمال إفريقيا في باريس وهم يستمعون لمحاضرة حمودة بن ساعي حول “القرآن والسياسة” التي ألقاها مرة أخرى في نادي الترقي بالجزائر وباللغة العربية.

كما وصفه أوغستين بيرك والد المستشرق الفرنسي المعروف جاك بيرك 1910-1995 “زعيم التيار الواقعي الإسلامي Cournt Positiviste Musulman فإهمال الشخصيات الوطنية والفكرية تكاد تكون ظاهرة جزائرية محضة، فإذا كان الشعب الماليزي قد ترجم أعمال مالك بن نبي إلى الانجليزية واتخذها قاعدة أساسية للانطلاق في مجال الإقلاع الاقتصادي والصناعي كما أخبر بذلك وفد من ماليزيا حضر معنا ملتقى عالميا حول مالك بن نبي الذي انعقد في فندق الأوراس في 18-19-20 أكتوبر 2003. بالجزائر العاصمة، ونشرت هذه الأعمال في كتاب تحت إشراف المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر، وماذا فعلنا نحن بمالك بن نبي 1905-1973، وفكره وأعماله هل وجدت التوصيات التي تمخضت عن الملتقى والتي منها إدراج فكر مالك بن نبي في مناهج الدراسة على مستوى التعليم الثانوي والجامعي وإنشاء مركز للبحث العلمي باسم مالك بن نبي يعنى بفكره وتراثه، إنه مجرد كلام، فالحقيقة تقتضي مني أن أقول أنه لولا الكاتب والصديق الحميم لمالك بن نبي وهو عمر كامل مستقاوي اللبناني الذي أودعه مالك بن نبي وصيته ليتولى بعد وفاته نشر أعماله، فكان مستقاوي صادق قد وفى بالوعد والعهد فلولاه ولولا المرحوم د. عبد الصبور شاهين من مصر الذي نقل بعض أعمال مالك، ولولا ترجمة بعض أعمال مالك بن نبي من صديقنا التونسي الراحل الطيب شريف، الذي جمعتني وإياه ظروف العمل في جريدة الشعب لما عرف قراء اللغة العربية شيئا عن مالك بن نبي الذي كتب جل أعماله باللغة الفرنسية، ولولا جهود الباحث والكاتب نور الدين خندودي ودار نشر عالم الأفكار التي نشرت دراسة خندودي عن حمودة بن ساعي وترجمته إلى العربية، وأشكر الشاب قرفي رضا الذي سلم لي مخطوط الترجمة الكاملة للأستاذ نور الدين خندودي الذي يحمل عنوان حمودة بن ساعي أو المصير البائس لمثقف جزائري و باللغة الفرنسية

Hommage et témoignage ou Farouche destin d’un intellectuel Algérien

وكان صديقنا بومالة قد حاور المرحوم بن ساعي قبيل وفاته، فلم يفعل شيئا بعد ذلك هل لا زال يحتفظ ببعض وثائقه وقد قال لي رضا قرفي بن عبد الكريم صاحب مكتبة النهضة بباتنة سأل عائلة بن ساعي عما إذا كان الأستاذ بومالة مازال يحتفظ بوثائق لحمودة بن ساعي، فأجابت العائلة  بأنه أعاد كل الوثائق إلى العائلة الوارثة، وتذكر جريدة الشروق اليومي أن الشيخ البشير الإبراهيمي تنبأ لحمودة بن ساعي بهذا المصير الأسوأ الذي آلت إليه حالة بن ساعي ورافقته طيلة حياته، عندما التقى الإبراهيمي بباتنة بالأستاذ حمودة بن ساعي سنة 1950.

هكذا تودع الجزائر علماءها ومفكريها بهدوء وكأنها لا تعبأ لا بوجودهم ولا برحيلهم، فقد رحل شيخ المؤرخين الجزائري أبو القاسم سعد الله ولا كلمة عنه في الصحف الفرنكوفونية التي اهتمت التي اهتمت بفكر بوعلام صنصال ومحمد سيفاوي، فقد تجاهلت الصحف الفرنكوفونية الجزائرية رحيل سعد الله صاحب موسوعة تاريخ الجزائر الثقافي وأكثر من 50 عنوان واهتمت بأدب مايسة باية، وقد أقامت هذه الصحف جدارا أشبه بجدار برلين في وجه الثقافة والمثقفين، فلا يكاد المثقف النزيه يجد مكانته في مجتمع تسود فيه مقولة الفهامة ممنوعة واللي يفهم بالزاف يموت بالزعاف، وإلى متى يبقى شعار المرحوم أبو القاسم سعد الله الكتابة في الجزائر معجزة، فكل ما كتبه كان قد كتبه خارج الوطن صالحا، ويؤكد هذه المقولة، وكان المرحوم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي قال للمفكر حمودة بن ساعي أثناء زيارته لباتنة في 20 مارس 1950 “قلبك مملوء بالوطنية الصادقة وحالتك تبكيني، فاخرج من هذا الوطن المنحوس، ونتساءل لماذا يؤول مصير مثقف من طراز حمودة بن ساعي 1902-1998 إلى هذا المصير المؤلم وهو الذي كان مثالا للاستقامة، وكان يجسد الثقة والحرص أكثر من ذلكم، فقد كان هو أستاذي في فلسفة الإسلام، وأنا أدين له هنا بالتحية التي سبق وأن وجهتها له في هذا الإهداء الذي صدرت به الظاهرة القرآنية.

وأنا بدوري أشكر الصديق رضا قرفي الذي سلمني مخطوطا عن حمودة بن ساعي مترجما إلى اللغة العربية، فكان لي خير عون في هذه الدراسة، ولم أجد من اهتم بالأستاذ حمودة بن ساعي مثل الباحث الأستاذ الصادق سلام المعروف بأبحاثه وكتبه عن الفكر الإسلامي المعاصر في الغرب وخاصة فرنسا وهو حاليا يشغل منصب أستاذ في معهد الغزالي التابع لمسجد باريس الكبير وصاحب عدة دراسات وكتب عن الإسلام والمسلمين في فرنسا، وها هو مفكر مغربي يدعى د. عبد السلام الهراس الذي حضر معنا ملتقى دوليا حول فكر مالك بن نبي، في فندق الأوراس وأورد في مداخلته مقولة لمالك بن نبي 1905-1973 حول أستاذه بن ساعي الذي أوتي فهما عميقا لتفسير آيات قرآنية تفسيرا اجتماعيا يحلل من خلالها أحوال المسلمين، ومالك بن نبي لا يخفي أبدا تأثره بفكر صديقه الأستاذ حمودة بن ساعي ويثني عليه في كل مناسبة.

آخر التغريدات: