نصوص عقدية للشيخ عبد الحميد بن باديس في الإيمان بالله, ومنهجه في تقرير أسماء الله وصفاته

بقلم: أ.د. محمد على فركوس-

إنَّ الإيمان بالله تعالى ومعرفةَ أسمائه الحسنى وصفاته العُليا هو الأساس الَّذي تبُنى عليه الحياة الرُّوحيَّة، وتحيى به الحياة الطَّيِّبة، ويبعث بالمرء على طلب معالي الأمور وأشرافها، وينأى به عن محقِّرات الأعمال وسفاسفها.(1)

وقد استقى الشَّيخ عبد الحميد بن باديس : منابعَ استدلاله من المصدر القرآني، واتَّخذ وسيلته للكشف عن حقيقة المعرفة بالله تعالى، والَّتي يرجع مسلكها إلى جهتين.

والثَّانية: وسيلة الأسماء والصِّفات الَّتي تعرَّف الله بها إلى خلقه، والَّتي تحرِّك فيهم الوجدان وتفتح أمامهم مجالاً واسعًا، للتَّعرُّف على صفات الجمال والجلال، وعلى شمول علمه ونفوذ قدرته وتفرُّده بالخلق والإبداع، واستحقاقه الألوهيَّة المطلقة والعبوديَّة الخالصة.

ويتجلَّى من خلال نَفَس الشَّيخ ابن باديس : وعنايته بهذه الجوانب العقديَّة لتعريف مجتمعه بعقيدتهم الإسلاميَّة الصَّحيحة الثَّابتة بالكتاب والسُّنَّة، والَّتي عليها أهل بلاده سَلَفًا قبل عدول بعض الخلف عن نهج الفطرة إلى مدارس عقديَّة مختلفة، انتشرت على إثر الخلافات والصِّراعات السِّياسيَّة والحروب عبر تاريخ الجزائر، مزَّقت الشَّمل والتَّلاحم، ووسَّعت الهوَّة بين الأُمَّة الواحدة، كما ظهر نَفَس الشَّيخ ابن باديس : من جهة أخرى في إعداد العدَّة الإيمانيَّة لمواجهة التَّيَّارات الإلحاديَّة الَّتي كانت في عصره أو ممَّن تأثَّروا بشبههم الضَّالَّة المتواردة على وحدانيَّة الله ووجوه كماله.

وقد رأيت من المفيد أن أتناول عقيدة الإيمان بالله ومنهج الشَّيخ عبد الحميد بن باديس : في تقرير الأسماء والصِّفات من خلال كتابه «العقائد الإسلاميَّة من الآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة»، فأتعرَّض لهذا الجانب العقدي بالشَّرح والتَّعليق على بعض المسائل الَّتي تدعو الحاجة فيها إلى البيان؛ إتمامًا للفائدة العلميَّة وتعميمًا للخير.

يقول الشَّيخ عبد الحميد بن باديس : في الإيمان بالله ـ سبحانه وتعالى ـ ما نصُّه: «الخَامِسُ وَالثَّلاَثُونَ: هُوَ المَوْجُودُ الحَقُّ لِذَاتِهِ، الَّذِي لاَ يَقْبَلُ وُجُودُهُ العَدَمَ».

[ش.ت]: والمراد بـ «الموجود الحقّ لذاته» هو: واجب الوجود بنفسه، أي: الموجود الَّذي لم يسبق وجودَه عدمٌ، لا من سببٍ خارجٍ، ولا لعلَّةٍ خارجة.

وعبارة «واجب الوجود لذاته» أحدثها الفلاسفة والمتكلِّمون، وهي لا تُعرف في كلام الشَّارع، ولا في كلام السَّلف، لكن المعنى ثابتٌ في كلام الشَّارع، ومجمعٌ عليه، وهو قوله تعالى: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ » [الحديد: 3]، وقوله : «أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ»(2)، ولمزيد بيان هذه العبارة نفصِّل وجهها على النَّحو التَّالي: أنَّ الموجود:

ـ إمَّا أن يجب وجوده لذاته، وهو الله ـ سبحانه وتعالى ـ فهو الموجود الأوَّل الأزليُّ الخالقُّ الغنيُّ عمَّا سواه.

ـ وإمَّا أن يمتنع وجوده لذاته، وهو المحال الممتنع الوجود، كالجمع بين الضِّدَّين كالسَّواد والبياض في محلٍّ واحدٍ، أو بين النَّقيضين ككون الشَّيء معدومًا موجودًا في آنٍ واحدٍ.

ـ وإمَّا أن يكون لذاته جائز الوجود والعدم، ويُسمَّى: ممكنًا، كالعالم وسائر أجزائه، وغير الواجب بنفسه وهو الممكن الجائز لا يكون إلاَّ بالواجب بنفسه، فالمخلوق لا يكون إلاَّ بخالق، والفقير لا يكون إلاَّ بغني عنه، فالشَّيء ـ إذن ـ إن افتقر في وجوده إلى سببٍ مؤثِّر فيه خارج عن ذاته فهو الممكن الجائز، وإن لم يفتقر فهو الواجب وهو موجود لذاته، أي: دائم البقاء ما دامت ذاته موجودة، بخلاف ما علَّة وجوده أمر خارج عن ذاته؛ فإنَّه يزول بزوال علَّته.

وهذا التَّقسيم السَّابق إنَّما يختصُّ بالواجب والـممكن؛ لأنَّ الـممتنع لا وجود له.

وإذا اتَّفق الواجب والممكن في مسمَّى الوجود والعلم والقدرة، فهذا المشترك مُطلق كليٌّ يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختصٌّ لا اشتراك فيه، وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن تيميَّة : ما نصُّه: «وأمَّا المعنى الكليُّ العامُّ المشترك فيه, فذاك ـ كما ذكرنا ـ لا يوجد كليًّا إلاَّ في الذِّهن، وإذا كان المتَّصفان به بينهما نوعٌ من موافقة ومشاركة ومشابهة من هذا الوجه فذاك لا محذور فيه، فإنَّه ما يلزم ذلك القدر المشترك من وجوب وجواز وامتناع فإنَّ الله مُتَّصف به، فالموجود من حيث هو موجود أو العليم أو الحيُّ، مهما قيل: إنَّه يلزمه من وجوب وامتناع وجواز؛ فالله موصوف به، بخلاف وجود المخلوق وحياته وعلمه، فإنَّ الله لا يوصف بما يختصُّ به المخلوق من وجوب وجواز واستحالة، كما أنَّ المخلوق لا يوصف بما يختصُّ به الرَّبُّ من وجوب وجواز واستحالة»(3).

وقال ابن أبي العزِّ الحنفي :: «فلو تماثلا للزم أن يكون كلٌّ منهما واجب القدم ليس بواجب القدم، موجودًا بنفسه غير موجود بنفسه، خالقًا ليس بخالق، غنيًّا غير غني، فيلزم اجتماع الضِّدَّين على تقدير تماثلهما، فعلم أنَّ تماثلهما مُنتفٍ بصريح العقل، كما هو منتفٍ بنصوص الشَّرع»(4).

قلت: ومن هذه النُّصوص النَّافية للتَّمثيل والتَّشبيه قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [سورة الشورى]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [سورة الإخلاص الآية 4]، وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا ﴾ [سورة البقرة]، وقوله تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ [سورة مريم]، وسيأتي ذلك من كلام المصنِّف.
«
فَهُوَ القَدِيمُ الَّذِي لاَ بدَايَةَ لِوُجُودِهِ».

[ش.ت]: يلاحظ أنَّ المصنِّف لم يورد لفظ «القديم» على أنَّه اسم مِنْ أسماء الله تعالى، وإنَّما ذكره من باب الخبر، بمعنى أنَّه متقدِّم على كلِّ ما سواه، وباب الإخبار أوسع من باب الصِّفات التَّوقيفيَّة ـ كما أفاد ذلك ابن القيِّم : ـ حيث قال: «إنَّ ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع ممَّا يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشَّيء والموجود والقائم بنفسه؛ فإنَّه يُخْبرُ به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العلى»(5).
قلت: ويجوز الإخبار بهذه الألفاظ عنه ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولكن يشترط في اللَّفظ أن لا يكون معناه سيِّئًا، ومن أمثلة ذلك لفظ: «الذَّات»، ولفظ «بائن» فهذه الألفاظ تحمل معانٍ صحيحة دلَّت عليها النُّصوص، وهذا النَّوع من الألفاظ يجيز أهل السُّنَّة استعمالها كقولهم: «إنَّ الله استوى على العرش بذاته»، أو قولهم: «إنَّ الله عال على خلقه بائن منهم»، فلفظة «بذاته» مراد بها أنَّ الله مستوٍ على العرش حقيقةً، وأنَّ الاستواء صفة له، ولفظة «بائن» يراد بها إثبات العلوِّ حقيقة، والرَّدّ على زَعْم من قال: إنَّ الله في كلِّ مكان بذاته.

وأمَّا من جهة التَّسمية فـ«القديم» لم يرد به نصٌّ من الشَّرع على صحَّته، لذلك لا ينبغي عدُّه في أسماء الله الحسنى لعدم ثبوته من جهة النَّقل، ويغني عنه اسمه سبحانه: «الأوَّل» كما تقدَّم من الآية والحديث.
قال ابن أبي العزِّ :: «وقد أدخل المتكلِّمون في أسماء الله تعالى «القديم»، وليس هو من الأسماء الحسنى، فإنَّ «القديم» في لغة العرب الَّتي نزل بها القرآن هو: المتقدِّم على غيره، فيُقال: هذا قديمٌ للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلاَّ في المتقدِّم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: ﴿عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ [سورة يس]، و«العرجون القديم»: الَّذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثَّاني، فإذا وُجد الجديد، قيل للأوَّل: قديم..., وأمَّا إدخال «القديم» في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام، وقد أنكر ذلك كثير من السَّلف والخلف، منهم: ابن حزم.

ولا ريب أنَّه إذا كان مستعملاً في نفس التَّقدُّم, فإنَّ ما تقدَّم على الحوادث كُلِّها فهو أحقُّ بالتَّقدُّم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى الَّتي تدلُّ على خصوص ما يُمدح به، والتَّقدُّم ـ في اللُّغة ـ مطلق لا يختصُّ بالتَّقدُّم على الحوادث كلِّها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشَّرع باسمه «الأوَّل» وهو أحسن من «القديم»؛ لأنَّه يُشعر بأنَّ ما بعده آيل إليه، وتابع له، بخلاف «القديم» والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة»(6).

قلت: والمصنِّف : قد احتاط في عبارته فقيَّدَ [القديم] بأنَّه [الَّذي لا بداية لوجوده]، فلو أطلقها من غير تقييدٍ لم يكن معناها الحقُّ صحيحًا إلاَّ بالزِّيادة المذكورة.

«وَهُوَ البَاقِي الَّذِي لاَ نِهَايَةَ لِوُجُودِهِ».

[ش.ت]: ففيما ذكره المصنِّف في هذا الجانب من عقيدة الإيمان بالله تقرير لاِسْمَيِ الله تعالى:

ـ «الأوَّل» أي: الَّذي ليس قبله شيء، الدَّالُّ على أنَّه المبتدئُ بالإحسان من غير وسيلةٍ من العبد، إذ كلُّ ما سواه حادثٌ يجب على العبد أن يَعِيَ فضل الله عليه، ويلحظ نعمه الَّتي لا تُحصى سواء دينيَّة كانت أو دنيويَّة؛ لأنَّ من الله الإعداد ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل؛ ولأنَّ الله تعالى خالق السَّبب والمسبَّب.
ـ «الآخر» أي: الَّذي ليس بعده شيء، الدَّالُّ على أنَّه هو الغاية الَّذي تقصده جميع المخلوقات بالذُّلِّ والحاجة والافتقار، وتفزع إليه بتألهها ورغبتها ورهبتها، وتصمد إليه في جميع مطالبها، فيجب على العبد أن لا يثق بالأسباب التي تنعدم لا محالة، ويبقى الدَّائم الباقي بعدها لا نهاية لوجوده.

والاسمان يَدُلاَّن على تفرُّد الله تعالى بالكمال المطلق والإحاطة المطلقة من حيث الزَّمان فهو «الأوَّل والآخر»، كما يدلُّ اسما «الظَّاهر والباطن» على تفرُّده به من حيث المكان.

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [سورة إبراهيم].

[ش.ت]: والاستفهام في الآية للتَّقريع والتَّوبيخ والإنكار، والظَّاهر أنَّ المصنِّف : استدلَّ بالآية على معنى الوجود الحقِّ لذاته ـ وهو أحد معاني الآية ـ ويكون معناها: أفي وجود الله شكٌّ؟! ذلك لأنَّ الفطرة السَّليمة شاهدة بوجوده ومجبولةٌ على الإقرار به، غير أنَّه قد يقترن بالفطرة بعض حالات الاضطراب والشَّكِّ، الأمر الَّذي يحتاج إلى نظر في الدَّليل الموصل إلى وجوده، ومن مُهمَّة الرُّسل إرشادهم إلى طريق معرفته بأنَّه فاطر السَّموات والأرض الَّذي خلقهما وأنشأهما وابتدعهما من العدم، فهي شواهد دالَّةٌ على عدم الشَّكِّ في وجوده سبحانه ووحدانيَّته.

قال ابن القيِّم : «فالعارفون أرباب البصائر يستدلُّون بالله على أفعاله وصنعه، إذا استدلَّ النَّاس بصنعه وأفعاله عليه، ولا ريب أنَّهما طريقان صحيحان، كلٌّ منهما حقٌّ، والقرآن مُشتمِلٌ عليهما.

فأمَّا الاستدلال بالصّنعة فكثير، وأمَّا الاستدلال بالصَّانع فله شأن، وهو الَّذي أشارت إليه الرُّسل بقولهم لأُمَمِهم: ﴿ فِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [سورة إبراهيم]، أي: أيشكُّ في الله حتَّى يطلب إقامة الدَّليل على وجوده؟ وأيُّ دليل أصحُّ وأظهر من هذا المدلول؟ فكيف يستدلُّ على الأظهر بالأخفى؟ ثمَّ نبَّهوا على الدَّليل بقولهم: ﴿ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [سورة إبراهيم].

وسمعت شيخ الإسلام تقيَّ الدِّين ابن تيمية ـ قدَّس اللهُ روحَه ـ يقول: «كيف يُطلب الدَّليل على مَن هو دليلٌ على كُلِّ شيءٍ؟ وكان كثيرًا ما يتمثَّل بهذا البيت:

وَلَيْسَ يَصِحُّ في الأَذْهَانِ شَيْءٌ إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ

ومعلومٌ أنَّ وجود الرَّبِّ تعالى أظهرُ للعقول والفِطر من وجود النَّهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتَّهِمْهُمَا»(7).
هذا؛ والآية تحتمل معنى الإلهيَّة وتوحيد العبادة، ويكون معناها: أفي إلهيَّته وتفرُّده بوجوب العبادة له شكٌّ!! وهو المخترع لجميع الموجودات والمبدع لها على غير مثالٍ سابقٍ، فإنَّ شواهد الحدوث والخلق والتَّسخير ظاهرٌ عليهما، والإلهيَّة مشارٌ إليها بلفظ الجلالة في الآية، وعليه فلا يستحقُّ العبادةَ إلاَّ هو وحده لا شريكَ له، ذلك لأنَّ غالب الأمم كانت مُقِرَّة بالصَّانع، ولكن كانت تعبد معه غيرَه من الأولياء والوسائط(8).
وللآية معنى ثالث ذكره القرطبي : بقوله: «ويحتمل وجهًا ثالثًا: أفي قدرة الله شكٌّ؟ لأنَّهم متَّفقون عليها ومختلفون فيما عداها، يدلُّ عليه قوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقها ومخترعها ومنشئها وموجدها بعد العدم، لينبِّه على قدرته فلا تجوز العبادة إلاَّ له»(9).

قلت: والمعنى الأوَّل الَّذي ذكره المصنِّف أقرب في المجادلة وأوضح عند المحاججة؛ لأنَّ كثيرًا ما يرد في القرآن الاستدلال بتوحيد الرُّبوبيَّة الَّتي جبلت عليه فطر العقلاء، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة الزخرف : 87]، الدَّالّ على توحيد الإلهيَّة بإفراد الله بجميع أنواع العبادات، والإخلاص له فيها على وجه ما شرعه الله على ألسنة رسله، ومُعظم الآيات القرآنيَّة في هذا النَّوع من التَّوحيد، وهو محلُّ دعوةِ الرُّسل، وموضعُ معركتهم مع أُممهم: ﴿أَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَـَهاً وَاحِداً إِنّ هَـَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص : 5].

وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ -2- وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ -3- وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ -4-﴾ [سورة الرعد]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه : 50]. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة].

[ش.ت]: قال ابن القيِّم : «تضمَّنت الفاتحة إثبات الخالق تعالى والرَّدَّ على من جحده بإثبات ربوبيَّته تعالى للعالمين، وتأمَّل حال العالم كُلِّه علويِّه وسفليِّه بجميع أجزائه تجده شاهدًا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمَنْزِلة إنكار العلم وجحده، لا فرق بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق، والفعَّال على الفعل، والصَّانع على أحوال المصنوع عند العقول الزَّكيَّة المشرقة العلويَّة، والفطر الصَّحيحة أظهر من العكس»(10).

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ -35- أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لّا يُوقِنُونَ -36- أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ -37-﴾ [سورة الطور]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد : 3].

[ش.ت]: ومعنى الآية: أَخُلق هؤلاء المشركون من غير خالق ولا موجد، أم هم الَّذين خلقوا أنفسهم؟ وإذا كان كلاَ الأمرين باطلاً ومستحيلاً فتعيَّن أنَّ الله تعالى هو الَّذي خلقهم، وهو المستحقُّ للعبادة وحده المتفرِّد بها من غيرِ شريكٍ له ولا نظيرٍ، ولا تُبْتَغَى العبادة ولا تصلح إلاَّ له سبحانه.

السَّادِسُ وَالثَّلاَثُونَ: وَهُوَ المَوْجُودُ الَّذِي سَبَقَ وُجُودُهُ كُلَّ وُجُودٍ، فَكَانَ تَعَالَى وَحْدَهُ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ مَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (هوَ الأَوَّلُ﴾ [سورة الحديد: 3]، ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ [سورة السجدة: 4]، ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ [سورة الفرقان : 2]، ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [سورة الفرقان: 59]، ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ -9- وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ -10- ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ -11- فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ -12-﴾ [سورة فصلت].
[
ش.ت]: تقدَّم من كلام المصنِّف: «هو الموجود الحقُّ لذاته.. القديم الَّذي لا بداية لوجوده»، فأراد المصنِّف أن يُبيِّن أنَّ كُلَّ ما سوى الله سبحانه فهو محدَث مخلوقٌ، كائن بعد أن لم يكن، ووجوده لا يكون إلاَّ بموجده الخالق الَّذي لم يسبقه العدم، وسبق وجودُه كُلَّ وجود، فكان اللهُ تعالى بجميع صفاته العلى وحده ولا شيء قبلَه ولا معه، ثُمَّ أحدث المخلوقات بقدرته وعلمه وأوجدها من العدم، ذلك لأنَّ صفاته ـ سبحانه ـ ليست شيئًا غير الموصوف في الخارج، وأمَّا أفعاله ـ سبحانه ـ فهي قديمةُ النَّوع حادثة الآحاد، فهو الموصوف بكونه خالقًا قبل أن يصدر منه الخلق بلا بداية، والموصوف بكونه متكلِّمًا قبل أن يصدر منه الكلام، وإنَّما خلقُه وكلامه مُتجدِّدان، فأوَّليَّة صفاته سبحانه بأوليَّة ذاته قديمةُ النَّوع، وملازمة له في الماضي والمستقبل، فهو بصفاته أبدي لا نهاية له، ويدلُّ عليه قوله ح لأهل اليمن: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ»(11)، وقوله: «أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ»(12).

هذا؛ ومن سياق كلام المصنِّف فإنَّ إثبات ربوبيَّة الله تعالى المحضة لجميع المخلوقات تقتضي مباينته لعالم المخلوقات بالذَّات، والخلق مباينون له، كما يقتضي علوّه على خلقه وتميُّزه وانفصاله عنهم وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم وهو قول سلف الأمَّة وأئمَّتها، قال ابن القيِّم :: «فمن لم يثبت ربًّا مباينًا للعالم فما أثبت ربًّا»(13).

ويترتَّب على هذا المعتقد إبطال قول طوائف المعطِّلة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من متأخِّري الأشاعرة والماتريدية الَّذين ينكرون المباينة بالجهة، فبعضهم ينفي المباينة ويثبت المحايثة، فيقولون: إنَّه بذاته في كلِّ مكان، وبعضهم ينفي المباينة والمحايثة، ويقولون: لا مباين ولا محايث، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن يساره، ولا خلفه ولا أمامه، ولا فيه ولا بائن عنه، ولا شكَّ أنَّ العقول لا تتصوَّره حتَّى تُصدِّقَ به.

كما يترتَّب على هذا المعتقد إبطال زعم الاتحاديَّة من أهل الإلحاد والتَّعطيل، القائلين بوحدة الوجود، الَّذين يعتقدون أنَّه ليس في الوجود: قديم خالق، وحادث مخلوق، وإنَّما وجود العالم هو عين وجود الله، وهو حقيقة وجود هذا العالم، فلا تباين بين الخالق والمخلوق، فالرَّبُّ هو نفس العبد وحقيقته، والمالك هو عين المملوك، والرَّاحم هو عين المرحوم، والعابد هو نفس المعبود، فالكلُّ من عينٍ واحدةٍ، بل هو العين الواحدة، قال ابن عربي الحاتمي:

الـعَـبْــدُ رَبٌّ، وَالـرَّبُّ عَـبْـدٌ

يَا لَيْتَ شِعْرِي، مَنِ المُكَلَّفُ؟

إِنْ قُلْتَ: عَبْدٌ، فَذَاكَ مَيِّتٌ

أَوْ قُلْتَ: رَبٌّ، أَنَّى يُكَلَّفُ؟(14)

﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ [سورة الإسراء : 43].

«السَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ: فَهُوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ عَنِ جمَيِعِ المَوْجُودَاتِ، وَهِيَ المُفْتَقِرَةُ كُلُّهَا ـ ابْتِدَاءً وَدَوْمًا ـ إِلَيْهِ».

[ش.ت]: فالله سبحانه وحدَه الَّذي له الغِنى التَّام المطلق من كُلِّ وجهٍ لا يعتريه نَقْصٌ ولا يلحقه عيب لكماله سبحانه وكمال صفاته، وغناه من لوازم ذاته، إذ أنَّ غناه ثابتٌ له لذاته لا لأمرٍ أوجب غناه.

والخلق فقير محتاجٌ إلى ربِّه بالذَّات لا لعلَّة أوجبت تلك الحاجة، وكُلُّ ما يذكر من عِلَّة الحاجة سواء كانت «الإمكان» كما هو عند الفلاسفة أو «الحدوث» كما هو عند المتكلِّمين فإنَّ الإمكان والحدوث والاحتياج إنَّما هي أدلَّة على الحاجة والافتقار لا علل لها ولا أسباب، قال ابن القيِّم :: «وفقر العالم إلى الله سبحانه أمرٌ ذاتيٌّ لا يعلَّل فهو فقير بذاته إلى ربِّه الغنيِّ بذاته، ثمَّ يستدلُّ بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلَّة على هذا الفقر»(15).

ومن كمال غناه وملكه وعدم نفاده أنَّ الله تعالى لم يتَّخذ صاحبةً ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك ولا وليًّا من الذُّلِّ، وخزائنه سبحانه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأَوَّلين والآخرين من الجِنِّ والإنس ما سألوه مجتمعين كلّهم في مكان واحد، وتمنَّى كلُّ واحدٍ منهم أقصى ما يتمنَّاه، وسأل غاية ما يريده، واستجاب الله للجميع، فأعطى كلاًّ منهم ما أراد وسأل وما بلغت أمانيه ما نقص ذلك من ملك الله شيئًا، فعن أبي ذرٍّ الغفاري ا عن النَّبيِّ ح فيما يرويه عن ربِّه عز وجل أنَّه قال: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ.. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوني فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ»(16)، وهذا التَّعبير في الجملة الأخيرة يراد به «التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه، فإنَّ البحر من أعظم المرئيَّات عيانًا وأكبرها، والإبرة من أصغر الموجودات، مع أنَّها صقيلة لا يتعلَّق بها ماء»(17)، إذا انغمست في البحر، فكانت الحقيقة أنَّه لا ينقص من ملك الله تعالى أيّ شيء، ويدلُّ عليه قوله ح: «يَمِينُ اللهِ مَلأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا في يَمِينِهِ»(18).

ومن كمال غناه أنَّ ملكه سبحانه على غاية الكمال لا يزيد بطاعة جميع المخلوقين ولو كانوا على أكمل صفات البرِّ والتَّقوى ولا ينقص بمعصيتهم ولو كان جميع الخلق عصاة قلوبهم على أفجر رجل منهم؛ لأنَّ الله تعالى الغنيُّ المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله: قَالَ تَعَالَى: يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»(19).

ومن كمال غناه وفضله وجوده أنَّ النَّاس كلَّهم عيال عند الله، وهو وحده الغنيُّ، وهم مفتقرون إليه في جلب مصالحهم، ودفع مضارِّهم في أمور دينهم ودنياهم، فهو الَّذي يأمرهم بدعائه ويعدهم بإجابة دعائهم، ويجزيهم من فضله، ويسعفهم من رحمته، ويؤتيهم ما سألوه وطمعوا فيه وما لم يسألوا عنه، فجوده سبحانه على خلقه غير منقطع، ونعمه متواصلة باللَّيل والنَّهار، وخيره على الخلق مدرار ومتواصل، وهو مغني أهل الجنَّة من النَّعيم واللَّذَّات المتواصلات والخيرات المتتابعات، وهو المغني لجميع خلقه غنًى عامًّا، والمغني لخواص خلقه بما أفاض على قلوبهم من المعارف الرَّبَّانيَّة والحقائق الإيمانية.

هذا؛ والله سبحانه إذ يأمر عباده وينهاهم لا لينتفع بطاعتهم ولا ليدفع الضّرَّ بمعصيتهم، بل النَّفع في ذلك كلِّه لهم، فهو الغنيُّ بذاته الغنى المطلق، وخلقه مفتقر إليه الفقر الذَّاتي، لذلك وجب أن تتَّجه إليه القلوب والعقول والأبصار والأسماع بالخضوع والعبوديَّة الحقَّة، فمنه يستمدُّ العون وبه التَّوفيق تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [سورة الفاتحة : 5].

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [سورة فاطر : 15].

[ش. ت]: قال ابن القيِّم :: «والمقصود أنَّه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنَّها فقيرة إليه سبحانه كما أخبر عن ذاته المقدَّسة، وحقيقته أنَّه غنيٌّ حميد.

فالفقر المطلق من كلِّ وجه ثابتٌ لذواتهم وحقائقهم من حيث هي، والغنى المطلق من كلِّ وجهٍ ثابتٌ لذاته تعالى، وحقيقته من حيث هي، فيستحيل أن يكون العبد إلاَّ فقيرًا، ويستحيل أن يكون الربُّ سبحانه إلاَّ غنيًّا، كما أنَّه يستحيل أن يكون العبد إلاَّ عبدًا الرَّبُّ إلاَّ ربًّا»(20).

﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعاً﴾ [سورة المائدة : 17]، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس : 31]، ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ [سورة الأنعام : 14 ].

[ش. ت]: وقد جاءت آيات أخرى في غير مواضع استشهاد المصنِّف تبرز هذا المعنى من غنى الله تعالى وفقر عباده وحاجتهم إليه، كقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [سورة محمد: 38]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم : 8]، وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [سورة التغابن : 6]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ -56- مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ -57- إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ -58-﴾ [سورة الذاريات]، وقد هدَّد الله تعالى المقلِّبين لهذه الحقيقة المعلومة من الدِّين بالضَّرورة الَّذين أعظموا الفرية على الله بقولهم: إنَّ الله فقير ونحن أغنياء، فقال تعالى: ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [سورة آل عمران : 181].

1-
تنبيه: نصُّ المصنِّف : مقدَّم بخطٍّ غليظ متميِّز عن الشَّرح والتَّعليق، اللَّذين رمزت لهما بحرفي: [ش. ت] بعد كلِّ عبارة تحتاج إلى بيان وإيضاح أو تعليق.

2- أخرجه مسلم (2713) من حديث أبي هريرة .
3- «
منهاج السُّنَّة النبوية» (8/31).
4- «
شرح العقيدة الطَّحاوية» (103).
5- «
بدائع الفوائد» (161).
6- «
شرح العقيدة الطحاوية» (114 ـ 115).
7- «
مدارج السَّالكين» (1/59).
8-
انظر: «تفسير ابن كثير» (2/524)، و«تفسير الشوكاني» (3/97).
9-
في «تفسيره» (9/346).
10- «
مدارج السالكين» (1/59).
11-
أخرجه البخاري (7418) من حديث عمران ابن حصين .
12-
تقدَّم تخريجه قريبًا.
13- «
مدارج السَّالكين» (1/61).

14- «جامع الأصول والأولياء» للكمشخاتلي (296)، وانظر: «فصوص الحكم» لابن عربي: (83، 90، 92)، قال ابن تيمية: في «مجموع الفتاوى» (2/82): «ولهذا يصلون إلى مقام لا يعتقدون فيه إيجاب الواجبات وتحريم المحرَّمات، وإنَّما يرون الإيجاب والتَّحريم للمحجوبين عندهم، الَّذين لم يشهدوا أنَّه هو حقيقة الكون، فمَن العابد؟ ومن المعبود؟ ومن الآمر؟ ومن المأمور؟».

15- «طريق الهجرتين» (10).
16-
أخرجه مسلم (2577) من حديث أبي ذر الغفاري .
17- «
شرح مسلم» للنووي (16/133).
18-
أخرجه البخاري (7419)، ومسلم (993) من حديث أبي هريرة.
19-
تقدم تخريجه من حديث أبي ذر الغفاري .
20-«
طريق الهجرتين» (9).

آخر التغريدات: