السعيد اليجري …. الأمازيغي قادوم النحو

بقلم: محمد بغداد –

في مرافعة عصماء واستثنائية، قام بها الشيخ عبد الحميد بن باديس سنة 1929، الذي حرص أن تكون المرافعة ضمن احتفال مميز نظمه في مدينة قسنطينة على شرف ضيف استثنائي نزل بساحته تعبير من بن باديس عن رد الجميل، والتعريف بالمكانة الاستثنائية التي يحتلها أحد العلماء الجزائريين الكبار، الذي كان الواجب يقتضي أن تحتفل به مدينة قسنطينة، مقدما اعترافا علانيا بشرعية الشيخ السعيد اليجري، القادم من أدغال منطقة القبائل (مدينة العزازقة، ولاية تيزي وزو).

لقد كانت زيارة الشيخ السعيد اليجري، إلى مدينة قسنطينة، الخرجة الأولى له خارج منطقة القبائل، وهي الخرجة التي جاءت بدعوة من الشيخ عبد الحميد بن باديس، كتعبير منه على رد الجميل لتلك الحفاوة التي استقبل بها بن باديس، أثناء زيارته إلى مدينة العزازقة سنة 1925، وهي الزيارة التي حرص الشيخ السعيد اليجري، على أن تكون مميزة، وترقى إلى مستوى استقبال عالم كبير من علماء الجزائر، وإن كانت الوثائق التاريخية، لا تكشف عن تفاصيل علاقة الشيخ بن باديس، والشيخ السعيد اليجري، وكيفية بناء العلاقة بينهما، ولا تجيب عن ظروف ترتيب زيارة ابن باديس إلى ولاية تيزي وزو، وبالذات إلى معاقلها منطقة العزازقة، وإن كان المتبادر للذهن أن الزيارة جاءت في إطار جولات ابن باديس، للتعرف على علماء الجزائر وشيوخها، والتعريف بمشروع جمعية العلماء، والإعداد لإطلاقه، من خلال جس نبض العلماء منه، فمكانة للشيخ السعيد اليجري، مؤثرة في منطقة القبائل، من خلال ما اكتسبه خلال المدة الطويلة التى قضاها في التدريس، والتي تنقل خلالها إلى أغلب زوايا المنطقة، التي عرفته واستفادة من علمه الغزير، حتى أنهم لقبوه بـ(قادوم النحو) ، وهو الأمر الذي يكون ابن باديس، قد راهن عليه وضمن دعم الشيخ السعيد اليجري لمشروع جمعية العلماء.

إلا أن توارد حملة المفاجآت، سرعان ما تتوالى مباشرة من الجمعية العامة التأسيسية، لجمعية العلماء، فيجد الشيخ السعيد اليجري، نفسه في موقع عضو في هيئة المستشارين للجمعية، وهي الهيئة الرمزية التي لا مكان لها ولا تأثير في عمل الجمعية، وهو الموقع الذي لا يتناسب مع علم ومكانة الشيخ السعيد اليجري، وتأتي المفاجأة الثانية، عندما يتم شطب اسم الشيخ السعيد اليجري، من هياكل جمعية العلماء، في الجمعية العامة الانتخابية الثانية، دون أن تفيدنا المصادر التاريخية، بالأسباب الحقيقية، التي دفعت قيادات الجمعية، إلى هذه المعاملة، التي لا تتناسب ومكانة وعلم الشيخ السعيد اليجري.

إن قرار إبعاد الشيخ السعيد اليجري، من قيادة جمعية العلماء، تتناقض مع تلك الاحتفالية الكبيرة التى أقامها ابن باديس للرجل في قسنطينة، والمرافعة العصماء التى قام بها في حقه، خاصة وأن الشيخ السعيد اليجري، هو الذي فتح أبواب منطقة القبائل أمام الشيخ ابن باديس سنة 1925، وهي المحطة التي يكون بالضرورة ابن باديس، قد أطلع الشيخ السعيد اليجري، على مشروع جمعية العلماء، ولكنه في الوقت ذاته، لم يقدم له دعوة لحضور اجتماع الرواد، المنعقد بقسنطينة سنة 1928، وآخر زيارة الشيخ السعيد اليجري، إلى غاية سنة 1929، وهي التراكمات التي تكون وراء نفاد صبر الشيخ السعيد اليجري، الذي قرر الانسحاب من جمعية العلماء، وإعلان الانضمام إلى جمعية علماء السنة الجزائريين.

صحيح قد تكون ميولات الشيخ السعيد اليجري الصوفية، وهو المنتمى إلى (الطريقة الرحمانية) وراء التحاقه بجمعية علماء السنة، وانسحابه من جمعية العلماء، انسجاما مع الأبعاد الثقافية والفكرية التي حملتها جمعية علماء السنة، إضافة إلى تلك المعاملة التي عامله بها قيادات جمعية العلماء، وهو ما يفهم بأنه انقلاب من بن باديس عليه، فأراد الشيخ السعيد اليجري، حفظ مكانته وصون كرامته، والبحث عن موقع يتناسب مع مكانته ومستوى علمه، ويتناسب مع ثقافته وميولاته، ولكن الشيخ السعيد اليجري، يختفى بعد ذلك دون ان نحفل له عن نشاط أو موقف، إلا ما تعلق بالتدريس ومواصلة التعليم، إلى غاية رحيله سنة 1951 ، تاركا وراءه الكثير من الاسئلة المؤلمة، خاصة تلك الكامنة في علاقته بحركة الاصلاح الجزائرية، زيادة على تراث من العلم والإبداع المعرفي.

آخر التغريدات: