الجمعية في المؤتمر الإسلامي ….المغامرة السياسية للإصلاح

بقلم: محمد بغداد –

بعيدا عما تم تداوله في الذهنية النخبوية الجماعية، في التعاطي مع المفاصل الكبرى في تاريخنا الوطني، تأتي مقاربة البحث عن معاينة أخرى، لحضور جمعية العلماء المسلمين في المؤتمر الإسلامي سنة 1936، وهو الحضور الذي أثار الكثير من الجدل وتناقض المواقف والإستنتاجات والانطباعات التي خضعت لمنطق التجاذبات الإيديولوجية، التي لم تقدم كثير فائدة للذاكرة الجماعية والوعي الذاتي لتاريخ النخب الجزائرية.

بعد خمسة أعوام من تأسيسها، وجدت جمعية العلماء المسلمين نفسها وسط نقاش فكري، تبعه نشاط سياسي شغل الساحة الوطنية بكل تياراتها واتجاهاتها، وهو المناخ الذي لم تتعود عليها الجمعية، فوجدت نفسها بحاجة إلى نوعية جديدة من الخطاب الذي يجنبها عديد الأسئلة، ويرفع عنها حرجها الذي زاحمها من كل جانب، وهو المناخ الذي فرض عليها التعامل مع نخب غير معهودة لديها، خطابا وممارسة ورؤية وسلوكا، وتملك خطابا لم تألفه الجمعية في قاموسها من قبل، لتكون أهمية مشاركة الجمعية في المؤتمر الإسلامي في النتائج والتداعيات التي نتجت عن تلك المشاركة، والتي لم تكن في الغالب في صالح الجمعية، لعدم قدرت أجهزتها على إنتاج ما يناسب من خطاب، يتعاطي مع النقاش الذي فتحه موقفها من المشاركة، وكأن القرار جاء مفروضا عليها، ووجدت نفسها تتعامل معه كأمر واقع، دون أن تحسب له حساباته، أو توفر لها الظروف المناسبة للتعامل معه.

قد تكون جمعية العلماء المسلمين، قد نجحت في تلك اللحظة التاريخية، المتقدمة من تاريخها في إدراج خطاباها، وإدخال مطالبها في جدول اهتمام النخب السياسية الجزائرية، ووضع تلك المطالب في الزاوية التي لم يمكن بعد ذلك تجاوزها، وفرضت على النخب مفهوم الهوية الثقافية، والأبعاد الدينية في النضال الوطني، وجعل تلك النخب تنتبه لتلك المساحة المفقودة من قبل، وإظهار قيمتها وأهميتها في إعطاء المزيد من الشرعية للمجهود النضالي الجماعي، وفتحت أعين النخب آنذاك على تلك الفجوة العميقة التي كانت تتخبط فيها، ودفعتها إلى إعادة النظر في مفهوم الشخصية الوطنية، والهوية الجزائرية.

لقد واجهت جمعية العلماء المسلمين، سيلا من الأسئلة المحرجة، والضغوطات السياسية المؤلمة، وتحملت تبعات موقف مشاركتها في المؤتمر الإسلامي في تلك اللحظة، وبقيت تلك الهموم تطاردها عبر الزمن، دون أن تتمكن من توفير الطاقة الكافية لتبرير ذلك الموقف أو التخلص منه، والأسوء من ذلك، لم تتمكن الجمعية من تحويل موقف المشاركة في المؤتمر لصالح زخم خطابها، ونوعية نشاطها، وإدراجه في مسار إنتاج إنجازاتها، وعند التدقيق في تفاصيل الموقف آنذاك، نجد أن الصف الثاني من قيادات الجمعية، كانوا وراء موقف المشاركة، بدافع الثقافة والسن والرغبة في الانخراط في تفاصيل الشأن العام، والابتعاد عن الزاوية الضيقة التي حشرت فيها الجمعية في تلك السنوات، والتطلع إلى مساحات جديدة للصف الثاني من القيادات لصناعة فضاءات تناسبها، وتكون قادرة على استيعاب قدراتها، والتكفل بنشاطها، ومنحها الشرعية الميدانية للحضور في المشهد العام.

إن انتقال جمعية العلماء المسلمين، من السياق الإصلاحي (الديني) إلى الانخراط السياسي (الزمني)، كما هو متداول في الأدبيات والمفاهيم المسوّقة في المشهد الثقافي العام، يجعل المتتبع اليوم يواجه كما كثيفا من الأسئلة، التي تعيد كثيرا من العوامل المشكلة لصورة حركة الإصلاح الجزائرية، خاصة فيما يتعلق بمفهوم الجهد الكلي الذي تبذله النخب في التعاطي مع الشأن العام، وما يعترض المجتمع من أزمات ومشكلات، تجعل تلك النخب تدخل في ذلك المعترك، الذي يبدو متعارضا مع تلك الإشارات والعناوين والمنطلقات، التي تكون مجرد عناوين ثابتة، تنطبع في ذهنها بعيدا عن معطياتها الميدانية، وإكراهاتها الذاتية.

إن مشكلة جمعية العلماء المسلمين مع موضوع المؤتمر الإسلامي، لا تكمن في مجرد المشاركة في أشغاله، وليس في التداعيات التي انجرت عنه، وإنما في الأبعاد الفكرية وطبيعة المفاهيم التي وضعتها الجمعية في قانونها الأساسي منذ البداية، والمفهوم الذي انطبع عند أتباعها أولا، وعند غيرها ثانيا، من تلك المنطلقات والحدود، التي حصرت فيها مفاهيم مشروعها التاريخي.

آخر التغريدات: