جمعية العلماء الجزائريين (3) باعثة الأمة الجزائرية والمغرب العربي وهادمة الاستعمار

بقلم: الشيخ الفضيل الورتلاني –

دامت دعوة العلماء الأحرار، بضع سنوات، يحمل رايتها أفراد مبعثرون هنا وهنالك، في نفوذ متواضع ضئيل، لأن سلطان الجهل والتحريف، يسانده الاستعمار بكل قواه، كان ما يزال في أوجه، جبارا مخيفا، وعامة أهل الجزائر أشد من عامة الناس، فإذا آمنت بالشيء، واقتنعت بصوابه ونفعه، تفديه بالنفس وبالنفيس، ولو كان في نفس الأمر والواقع باطلا وضلالا، وذلك ما قد حصل, منها بالفعل في أوائل الدعوة الإصلاحية، وقبل أن تفهم ما فيها من حق وخير، فلقد تعرض لإهانتها، بل تعرض للقتل أكثر من عالم مصلح، ولم ينج مرة رئيسها الأول، علامة الدنيا في أيامه، الأستاذ عبد الحميد بن باديس، من القتل إلا بأعجوبة.

وفي سنة 1931 تداعى فريق من أولئك العلماء، إلى الاجتماع في عاصمة الجزائر، لتأسيس هيئة تضم شملهم، ويتعاون أفرادها في انتظام، على بث دعوتهم، ونشر مبادئهم. فاستجاب لتلك الدعوة الكريمة، عدد كبير، وتم تأسيس الهيئة فعلا، ووضع لها قانون أساسي، ينص من بين مواده على عدم الاشتعال بالسياسة، لأن ذلك كان هو الضمانة الأولى، والشرط الأساسي، لتأذن الحكومة الاستعمارية بقيامها، وسميت الهيئة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) فمنذ تلك الساعة تطور عمل المصلحين تطورا سريعا، لأنه أصبح جماعيا، ولأن قسما كبيرا من الأمة أصبح يؤمن بدعوتها، أو يميل إليها على الأقل.

وكانت أدوات العلماء في دعوتهم هي اللسان والقلم، وكانت ميادينهم المساجد والأندية، والمدارس الحرة، والصحف والمناشير، وكان لهذه الميادين قصة غريبة بشعة، لا بد من إثباتها هنا، أما المساجد، فكان أكثرها قد صودر من الحكومة الاستعمارية، وحول بعضه إلى كنائس، وبعضه إلى مرافق عامة، وبعضه إلى إصطبلات للحيوانات، والأقل من القليل الذي بقي بالاسم ملكا للأمة. أو الذي أنشأته حديثا بأموالها المتواضعة، هو الذي كان يستعمله العلماء في دعوتهم الإنسانية الكريمة. ولكن لم تطل المدة حتى شعرت الحكومة الاستعمارية، بخطورة هذه الدعوة الحية، لما تحمله في ثناياها من أسباب الهدم للعبودية والاستعمار، فأصدرت أمرا حازما يمنع العلماء المصلحين من التكلم في المساجد منعا باتا، وينص على أن المخالف منهم يقع تحت طائلة عقوبة السجن والغرامة، وما يزال هذا الأمر الحقير قائما حتى هذه الساعة - وبعد مضى خمس وعشرين سنة - معمولا به بكل عناية، ومن ذلك اليوم، والخصام ما يزال قائما على أشده بين الحكومة الاستعمارية، وبين الأمة الجزائرية على تحرير مساجدها، وتحرير شؤون دينها من هذا الاستعمار.

نعم، إنها لخصومة مزمنة. وعلى تحرير المساجد وشؤون الدين. وما رضي هذا الاستعمار السخيف أن يتخلى عن مراقبتها وعن إدارة شؤونها المقدسة بنفسه. فهو الذي يعين أئمة المساجد والمؤذنين والخدم، وأن الخطبة التي يلقيها الإمام في مسجد المسلمين يوم الجمعة، لا بد أن يوافق عليها الحاكم الفرنسي الحر، واللائكي الديمقراطي، ولا بد أن تكون في الدرجة الأولى خالية من روح الدين، وبعيدة عن الحياة، بعد السماء من الأرض، هذا ولما كانت الأوقاف الإسلامية هي الروح التي تقوم عليها حياة الدين في نشر تعاليمه ولغته، وإقامة شعائره، وآداء وظيفة الإحسان للمريض والفقير تبعا لرغبة نصوصه، عمدت الحكومة الاستعمارية إلى مصادرتها جميعا، وضمها إلى خزينة الدولة نهائيا. وكانت تقدر بمئات الملايين من الفرنكات، هذا بعض شأن المساجد. وأما الأندية، فلم يكن منتشرا منها يومئذ إلا أندية القمار، أو اللهو واللعب والخمور، جريا مع خطة الاستعمار العامة من هدم الفضيلة من أساسها، هذا النوع وحده هو الذي كانت تشجعه الحكومة، وتعرقل كل ما عداه.

ولما ظهرت جمعية العلماء إلى الوجود، ورأت أن أكثر طبقات الأمة وأهمها من الشباب، لا تستطيع أن تلقاهم في المساجد، حتى لو كانت حرة مباحة، فشرعت في فتح الأندية، بكل مدينة وبكل قرية مستجيبة للدعوة، يجتمع فيها الشباب وغير الشباب، يسمعون العلم، ويذكرون بالحياة وبالحرية. فلم يمض إلا قليل من الزمن، حتى أصبحت هذه الأندية تعد بالعشرات ثم بالمئات، فشعرت الحكومة بخطر جديد اسمه (الأندية) فأخذت تحاربها بكل الوسائل، حتى الحقير منها، فسنت لها قوانين خاصة تستهدف، إما منعها بتاتا، أو تعجيزها عن أداء رسالتها كاملة على الأقل، مثال ذلك: تحريمها لبيع جميع المشروبات فيها، حتى القهوة والشاي، لأنها هي موردها الأساسي الذي تحيى عليه. واشترطت هذه القوانين أن يكون النادي مستكملا لشروط صحية وغير صحية، قد لا تتوفر إلا في قصر الحاكم العام الفرنسي. والغرض من ذلك مفهوم، هو التعجيز، ومع ذلك كله استمرت الأندية في أداء رسالتها، ضمن معركة شديدة دائمة، حتى غزت حركتها فرنسا وباريس نفسها، وأما المدارس الحرة لنشر اللغة العربية، فيكفي أن تقول أن نصيبها من المحاربة كان أكثر وأعنف من نصيب المساجد والأندية، ومع ذلك فإن في الجزائر اليوم، ما يزيد عن 300 مدرسة حرة أكثرها تديرها جمعية العلماء مباشرة.

أما الصحف وجميع المطبوعات، فيكفي أن يعلم القراء، بأن لغتها العربية، تعد في قانون الاستعمار لغة أجنبية، ويلاحق كل من يحمل على نشرها، كما يلاحق عند الأمم الراقية بائع المخدرات، ومزيف النقود. ومع ذلك لم تعش جمعية العلماء من غير صحف، فكانت تصدرها تباعا، وكانت الحكومة تعطلها بدورها تباعا، فكلما سقطت لها صحيفة شهيدة في ميدان الجهاد، قامت مقامها أخرى على الفور؛ حتى يومنا هذا، ومن غريب ما يجب تسجيله بهذه المناسبة - وكل شؤون الاستعمار الفرنسي غريبة - أن الحاكم العام، قد أصدر مرة، أمرا استبداديا يقضي بتعطيل كل صحيفة تصدرها جمعية العلماء مسبقا قبل ظهورها، وكان ذلك مخالفا للقوانين العامة مخالفة ظاهرة، فتحدته الجمعية، وانتصرت عليه كما انتصرت على سواه.

وبعد، فإن هذه الفذلكة الموجزة، من تاريخ جمعية العلماء الجزائريين، إنما هي قطرة من بحر، أما استيعاب الكلام على أعمال جهادها، فيحتاج إلى أكثر من كتاب، وخلاصة القول فيها، وشهادة الحق لله، أنها كانت الباعثة للأمة الجزائرية على الخصوص، وأعظم مشاركة في بعث المغرب العربي على العموم، وأنها كانت الواضعة للاسفين الأول، في نعش الاستعمار. وأن هذا الاستعمار ليعرف ذلك أكثر من جميع الناس وأنه لم ينس للجمعية يوما هذا الصنيع، وأنه ما يزال يحفظ لها ذلك (الجميل) حتى الآن.


جريدة بيروت المساء 1 - 3 - 1956 والمنار الدمشقية

آخر التغريدات: