دار الحديث … معركة البرجوازية

بقلم: محمد بغداد –

معركة حقيقية أخذت أبعادا دولية معرفيا وثقافيا، تلك التي خاضتها جمعية العلماء، بعد سنوات ستة من تأسيسها، قررت أن تؤسس أول مشروع لها، يعبر عن خطها الفكري ويجسد منهجها الإصلاحي، ويكون نموذجا لنظرتها الإصلاحية، وقد تمثل المشروع في إطلاق دار الحديث، كمجمع تعليمي وفكري، واختارت له الجمعية، مدينة تلمسان لتكون مقرا له، في محاولة منها لتغيير الكثير من التصورات والمفاهيم، التي واجهتها الجمعية بعد تأسيسها.

وقد بدأ التفكير في المشروع منذ سنة 1932، من اقتراح نائب رئيس الجمعية البشير الإبراهيمي، الذي تابعه وأشرف شخصيا على كل مراحل إنجازه، باعتباره صاحب الفكرة، وقد نجح في إنجاز دار الحديث، وأشرف على إطلاقه سنة 1937، متحديا كل العقبات التي واجهته، ومتجاوزا كل الصعوبات التي اعترضته.

لقد كان البشير الإبراهيمي، يعلم أن السلطات الاستعمارية لن تسمح بإنجاز المشروع، خاصة وأنها أدركت منذ البداية الأهداف التي كانت تسعى إلى تحقيقها الجمعية من وراء هذا المشروع، كما أنه كان يدرك أن العديد من العراقيل ستقف في وجهه من طرف المنافسين للجمعية، والذين لن يقبلوا بظهور المشروع ولن يسمحوا له بالتجسيد، ولهذا حرص الابراهيمي على متابعة المشروع طيلة السنوات الستة.

ونظرا لما كان يتمتع به الإبراهيمي، من ذكاء حاد، وشكيمة قوية، وشخصية نافذة، وعزيمة نافذة، فقد اعتمد إستراتيجية دبلوماسية لتجاوز كل العقبات المتوقعة، وذلك بالاستناد على البرجوازية الوطنية، التي كانت في مدينة تلمسان، والتي تمكن الإبراهيمي من إقناعها بالانخراط في المشروع وتبنيه، وهي التى سارعت إلى احتضانه وتقديم كل الإمكانيات المادية والأدبية في سبيل إنجازه، خاصة عندما تمكن الإبراهيمي من إقناعها بأن المشروع يخدم مصالحها، وهو يدر عليها الكثير من الأرباح الأدبية بالدرجة الأولى، وقد كان الابراهيمي قد ظفر بتأييد قادة جمعية العلماء، بعدما شرح لهم الأهداف الكبرى التى يرمي إليها من خلال المشروع، مما جعلهم يغدقون عليه بالتأييد والمساندة المطلقة.

كان من أولويات أهداف تأسيس مشروع دار الحديث في تلمسان، إزالة تلك التهم التي أطلقتها جمعية علماء السنة الجزائريين ضد جمعية العلماء، بأنهم لا يهتمون بالسنة النبوية، وهي التهم التي ألحقت الكثير من الأضرار بصورة جمعية العلماء المسلمين، وبالذات في منطقة الغرب الجزائري، التي كان نفوذ الجمعية فيها ضعيفا، ولوقت طويل حسبت الجمعية على منطقة الشرق الجزائري، وبالذات قسنطينة، ومن خلال مشروع دار الحديث، ليتم تجاوز الكثير من تلك التهم وإزالتها من طريق الجمعية، ويفتح لها باب جديد للحصول على شرعية التمثيل الوطني، وإعطاء الصبغة العامة لحركة الإصلاح الجزائرية، من خلال الحصول على تأييد المزيد من الجماعات والزوايا والتيارات،في منطق الغرب، وتوفير مركز اتصال قريب منها لتسويق صورتها وشرح أفكارها.

لقد كان مشروع دار الحديث بتلمسان، الفرصة المناسبة لجلب تأييد البرجوازية الوطنية المحافظة، والحصول على دعمها والظفر بمساندتها، وفتح الأبواب أمامها للمساهمة في حركة الإصلاح الجزائرية، وهي الفئة التي كانت لها رغبات في المساهمة في العمل الوطني، وأظهرت رفضها للاستعمار الفرنسي، وغضبها من الوضع الاجتماعي والتعليمي المحلي، إلا أن هناك عدة ظروف ومعطيات لم تسمح لها بالمشاركة الفعالة، وهي القوة الفاعلة التي كانت جمعية العلماء بحاجة ماسة إليها خاصة في مواجهة الضغوط الاستعمارية من جهة، ومحاولة لتجاوز العقبات الواقعية التي تقف أمام إمكانية تنفيذ مشاريع الجمعية.

عمل مشروع دار الحديث بتلمسان، على صناعة مركز إعلامي لتسويق صورة عن الجزائر نحو الفضاءات الخارجية، والحصول على تأييد القوى الدولية، وبالذات في العالم العربي والإسلامي، وترويج رسالة أن الاستعمار الفرنسي لا يمكن أن يحرم الجزائر من انتمائها إلى هذا الفضاء الحيوي، وأن حركة الاصلاح الجزائرية تتجاوز مستويات التعليم العادي، وتعديل الانحراف والاجتماعي، والغبن الاقتصادي، ولهذا حرصت جمعية العلماء على دعوة العديد من كبار علماء المسلمين من الأقطار الإسلامية للمشاركة في الاحتفال الكبير، الذي أعدته لافتتاح دار الحديث، إلا أن السلطات الفرنسية تنبهت إلى ذلك فسعت لمنع مشاركة هؤلاء، ولم يتمكن من المشاركة إلا القليل منهم، مما جعل جمعية العلماء تحقق التسويق الدولي، لصور حركة الإصلاح الجزائرية.

آخر التغريدات: