الفضيل الورتيلاني

بقلم: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي –

وصلتنا من بيروت كلمة من الأخ الكريم الحاج خليل أبو الخدود- ومعها تصريحات لولدنا الأبرّ الأستاذ الفضيل الورتيلانى- قبيل الاجتماع العام لجمعية العلماء، وكنا إذ ذاك منهمكين في إعداد الاجتماع، وفي استقبال السنة الدراسية وشؤون المدارس والمعهد الباديسي، وما يستلزمه ذلك من أدوات ووسائل وتجديد في الأجهزة اللازمة من برامج ومال ورجال، ولقد كان إسكان تلامذة المعهد- وعددهم يشارف السبعمائة- كافيًا لاستنفاد الجهد، واستغراق الوقت، وقارنت تلك الجهود تأخّر «البصائر» عن مواقيتها لأسباب داخلية اقتضاها التجديد، لذلك كله تأخّر نشر الكملة وما معها من تصريحات إلى هذا العدد، فمعذرة إلى الأستاذين الفاضلين، البعيدين عنا بعد الدار، القريبين منا قرب العمل المشترك، والفكرة الجامعة: أبي الخدود والورتيلاني.

...
وقد كنا قرأنا في الجرائد الشرقية خبر عفو أمير اليمن عن المتهمين في الحركة الانقلابية التي كان من آثارها قتل أبيه يحى حميد الدين، فلم يحرّك منا هذا العفو شعرة، كما لم يثر منا ذلك الانقلاب إلا الألم، ولا يستطيع أحد أن يتهمنا في هذا بجفاء الطبع، أو جفاف العاطفة، فنحن من أشد الناس افتتانا بالعروبة والعرب، وأرقّهم إحساسًا في النوائب التي تنوبهم، وأعمقهم أسىً للحالة التي هم عليها، ولكن رأينا في ملوك العرب معروف، ومن رأينا في الكثير منهم أن كل ما يصدر منهم من عقد ونقض وعفو ومؤاخذة فهو ناشئ عن خطرات من الوساوس الفردية، لا عن بواعث من المصلحة العامة، وأنهم عدموا القوانين

المقيّدة، فاستحكمت فيهم النزعات المطلقة، فأصبحوا- في نظرنا- يوجدون، فكأنهم - في فراغ الحياة- ما وُجدوا، ويُفقدون فكأنهم- لهوان الخطب- ما فقدوا، ومن رأينا في ذلك الانقلاب أنه أحط من بصيرة المتبصرين بدرجات، وأنه متأخر عن وقته بسنوات، وأنه لو صحبته البصيرة، وكان العلم والعقل من ذرائعه، لكان تطورًا لا انقلابًا، ولما سال فيه ملء محجم من الدم.
...
وقالت تلك الأخبار: إن العفو شمل الأستاذ الفضيل الورتيلاني المتهم بتدبير الانقلاب والاغتيال، وتباشر أصدقاؤه وعارفو فضله بهذا العفو، كأنهم رأوا فيه حدًّا للحالة التي يعيش عليها، وكأنهم يرون أن تلك التهمة- على بطلانها- عاقت الأستاذ الفضيل عن مواصلة جهاده في سبيل العرب والمسلمين، فالعفو يضمن له متابعة الكفاح.
والأستاذ الورتيلاني ابن بار من أبناء جمعية العلماء، وغصن من دوحتها الفينانة، فتح عينيه على شعاعها، وسار في الحياة من أول خطوة على هداها، وقضى عنفوان شبابه في أحضانها، وتخرّج في العلم والعمل على قادتها، وبزّ الجياد القرّح في ميادينها، ورمى الغايات البعيدة بتسديدها، وراض عقله على التفكير الصائب، ولسانه على الحديث الصادق، في الإصلاح الديني الذي هو أساس مبادئها، فجذبه استعداده القوي منه إلى العمل في ميدان الإصلاح الاجتماعي، وجرّته غيرته المحتدمة على وطنه إلى العمل للإصلاح السياسي، وهذه أنواع من الإصلاح متشابكة الأصول، متشابهة الفروع، تفصل بينها فواصل اعتبارية دقيقة، ولكن الأجرياء المقدمين يرونها متلازمة، متوقفًا بعضها على بعضها، فلا يتم جزء منها إلا بتمام جميعها، ومن هؤلاء ولدنا الفضيل، فلما ضاق عنه وطنه الأصغر، طار إلى وطنه الأكبر.
ولمكان الأستاذ الورتيلاني منا، ومكانته عندنا، وعدّنا إياه من أبنائنا البررة، ورجالنا الأفذاذ، ويقيننا بطهارة ذمّته من القاذورات، وتسامي همّته إلى بناء المأثرات، نرى أن كلمة "العفو عنه" كما تقول الجرائد، سبة لم يسب بأفحش منها، ولا نظن أن ولدنا الفضيل ارتاح لها، أو وقعت منه موقعًا، لما نعرفه فيه من الشمم وكبر النفس، وما زالت كلمة العفو في مثل هذه المواطن ثقيلة على النفوس الحرّة، لا يطرب لها إلا المذنبون الضارعون، كالذي يقول: "رأيت العفو من ثمر الذنوب"، وإذا كان العفو لا يكون إلا عن جانٍ، فإقراره إقرار للجناية، ومتى كان الفضيل جانيًا حتى يعفى عنه؟ أو حتى يكون العفو عنه مدعاة للسرور والابتهاج؟ وقد وقع لنا مثل ذلك مع الاستعمار، يظلمنا، ثم يبدو له فيقول: عفوت عنكم، فلا يكون أحز في نفوسنا من ظلمه إلا عفوه.

كل ذنب الفضيل أنه أراد أن يعالج ناحية من نواحي تلك المملكة الشقية، فعاجلته الأيدي الخفية- التي لا تريد إصلاحًا- بتلك الحادثة.
وبعض ذنبه- إن كان هذا يسمّى ذنبًا- أن جرأته على مصارحة الأمير القتيل بلزوم الإصلاح، وتنبيهه إلى مواقع الخطر المترتّب على الإهمال، كل ذلك جرّأ الطائشين على التعجّل بأمر لم يجيلوا فيه روية، ولا تدبّروا له عاقبة، والمعاني الكبيرة لا تحتملها العقول الصغيرة، وأعان على ذلك ظلم طال أمده واتّسع مداه، وتظلّم خفت صوته فلم يتردّد صداه.
إننا نعلن- نيابة عن الأستاذ الورتيلاني بما لنا عليه من حق الأبوّة- أنه يستحق التبرئة والاعتذار إليه، لا العفو، إذا كانت العقول قد ثابت إلى رشدها، وطهر الجو من الروائح الاستعمارية التي أفسدته؛ أما إذا كان الإمام لا يحسن الإمامة، وكان السيف لا يقطعُ إلا أوصال جاليه، فخير للفضيل أن تتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق من أن تكتب في تاريخه الحافل "طرة" وهي أنه (مجرم معفو عنه).
...
إننا قوم لا نرضى من الأخلاق إلا أن تكون عقائد، وإن هذه الاعتبارات هي التي أسكتتنا عن الحديث في هذا العفو، وإن لامنا عن هذا السكوت اللاءلمون؛ أما ما جرّته تلك التهمة على الأستاذ الفضيل من تنكّر الملوك له، وضيق الحكومات به، فهو امتحان البطولة، وطالما أدّاه الأبطال قاسيًا ثقيلًا؛ وما زالت العليا تعي غريمها، كما يقول ابن خميس؛ وهو دليل البطولة، والبطولة منها عليها شواهد.
وأما ما لقيه بسببها من تجهّم بعض الأصدقاء، فهو دليل على أن صداقتهم كانت على دخن، أو من شماتة بعض الخصوم، فهو دليل على أنه كان غيظ الحاسد، ومسيح الدجاجلة، وكل ذلك مما يغلي قيمة الفضيل، ويبين عن صفاء جوهره، وأن تلك الغمّة العارضة ما زادت على أن كانت تلقيحًا في رجولته، وتنقيحًا في أصدقائه، وافتضاحًا لخصومه ...


* نُشرت في العدد 174 من جريدة «البصائر»، 3 نوفمبر سنة 1951.

آخر التغريدات: