محمد خير الدين … منعرج الإصلاح

محمد خير الدين … منعرج الإصلاح

بقلم: محمد بغداد –

سنة 1993، رحل آخر رجالات جمعية العلماء المسلمين، الذي عاصر كل مراحلها، وساهم في قيادتها، ولم يلتزم بالكثير من سياقها، فالرجل لم يصل إلى مستوى قيادة الجمعية، إلا في المرحلة الثانية، عندما توارى المؤسسون وقيادات الصف الأول، والشيخ محمد خير الدين، الوحيد من قيادات الجمعية من كتب مذكراته، التي تعد أهم الوثائق التي تؤرخ لتاريخ حركة الاصلاح في الجزائر، وهو الوحيد من قيادات الجمعية، الذي شارك في مرحلة الدولة الوطنية، بكل انسجام وسلاسة، ومن دون امتعاظ.

الشيخ محمد خير الدين، شارك في اجتماع الرواد سنة 1928 بقسنطينة، إلى جانب الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشيخ  مبارك الميلي، والشيخ الطيب العقبي، والشيخ العربي التبسي، والشيخ السعيد الزاهري، وهو الاجتماع الذي مهد لتأسيس الجمعية، ووضع تصورها الأول، إلا أن الشيخ محمد خير الدين، لم يظهر في قيادة الجمعية إلا في المرحلة الثانية، عندما عين نائبا للرئيس، وقبلها كان مجرد مستشارا في الجمعية العامة الانتخابية الثانية.

عمل الشيخ محمد خير الدين، على قيادة تيار مساندة الثورة التحريرية، من يومها الأول، دون تردد أو تفكير، وسعى إلى قيادة تيار الإصلاح الداخلي في الجمعية، خاصة أثناء الثورة التحريرية، معتبرا أن خروج قيادات الصف الأول من الجمعية إلى الخارج، وترك الميدان هو فرصة ضرورية لفتح المجال أمام الصف الثاني من الشباب، الذي يملك شرعية قيادة الجمعية، وفق المعطيات الجديدة والمستجدات الطارئة، وهو الاتجاه الذي جلب على الشيخ محمد خير الدين، الكثير من اللوم والامتعاظ، وعدم ارتياح قيادات الصف الأول.

إن الانتقال من مرحلة الإصلاح، إلى مستوى التفاعل مع الثورة، والمرحلة التي بلغها الشعب الجزائري، كان موقف الشيخ محمد خير الدين، الذي اعتبر أن مرحلة الاصلاح الأولى قد انتهت في منتصف الأربعينات من القرن العشرين، فسارع إلى المشاركة في إدخال الكثير من التعديلات العلمية على منهج الجمعية في التعليم من خلال ترأسه للجنة التعليم، التي كانت تشرف على المدارس وتنظيم شؤونها  في الجمعية، وقبلها قيادة مدرسة الإخاء للتربية والتعليم ببسكرة، وتوليه نيابة إدارة معهد ابن باديس بقسنطينة، وبالرغم من أن الشيخ محمد خير الدين، قضى أغلب حياته في مسقط رأسه بولاية بسكرة، ولم ينقطع عنها إلا أنه وجد الفرصة مناسبة في المرحلة الثانية من تاريخ الجمعية، ليقدم على تنفيذ آرائه ووجهات نظره، بخصوص الكثير من برامج ومنهج عمل جمعية العلماء.

برز اسم الشيخ محمد خير الدين، خارج جمعية العلماء، عندما شارك في عضوية اللجنة التنفيذية للمؤتمر الاسلامي 1936، وقد كان كل يوم يقترب أكثر من النخب السياسية، ومتفاعلا مع الأحزاب والشخصيات النضالية من الاتجاهات والأفكار الأخرى، فكان أكثر شخصيات جمعية العلماء اقترابا وألفة مع النخب السياسية وانسجاما معها، وهو ما جعله يشارك في تأسيس جبهة الدفاع عن الحرية واحترامها 1951، وهي الخطوات التي سمحت للشيخ محمد خير الدين، بالاقتراب أكثر من المشهد السياسي، خاصة خلال الثورة التحريرية، فقد قبل بأن يكون سفير جبهة التحرير الوطني في المغرب، وكان من المشاركين بفعالية في مؤتمر طنجة سنة 1958،  ليكون عضوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، ليتم تعيينه بعد ذلك في منصب نائب أول مجلس وطني جزائري، وكان عضوا في  أول مجلس إسلامي أعلى في الجزائر، سنة 1966.

إن مسيرة الشيخ محمد خير الدين، ارتبطت في المخيال الجماعي، بجمعية العلماء المسلمين، ولكنها تلك المسيرة تجسدت بعيدا عنها في الواقع العملي، فالرجل بالرغم من كونه من المشاركين في اجتماع الرواد، إلا أنه لم يصل إلى مستوى القيادة بعد تأسيس الجمعية، الأمر الذي جعل الشيخ محمد خير الدين، ينتظر حتى انسحاب الصف الأول من قيادة الجمعية ليقود المرحلة الجديدة من تاريخها، ويدخل الكثير من الإصلاحات على عملها وطريقة اشتغالها، وكان صاحب اتجاه انخراط الجمعية في الهموم السياسية، والتكيف مع المستجدات الطارئة، والقيام بتلك التكاليف التي يفرضها العمل الجماعي، والخروج من منطق الجمعية، إلى الانخراط في زمن الدولة.

آخر التغريدات: