البعد التعليمي في كتاب "عيون البصائر" للعلامة محمد البشير الإبراهيمي

بقلم: شهيرة بوخنوف-

يعد العلامة محمد البشير الإبراهيمي رائدا من رواد الإصلاح التربوي التعليمي في الجزائر فهو لم يكن شخصية عادية، وإنّما كان شخصية عبقرية ومعلما بارزا غزير المعرفة، واسع الأفق ثاقب الفكر، فالحديث عنه حديث ذو شجون، فماذا عساني أقول عنه في هذا المقال المختصر؟ إنه ينطق الألسنة وينصت الأسماع ويلفت الأنظار فالحديث عنه حديث عن أصالة الجزائر وتاريخها وصمودها في وجه الاستعمار الغاشم الذي حاول محو مقومات الجزائر، ولكن الشعب الجزائري الأبي وقف في وجه طموحاته، فتسلحوا بالعلم ولاسيما الذين سعفهم الحظ فنالوا قسطا من التعليم، وذلك من أجل تربية النشء وتعليمهم. ومن بين الرجال العظام الأفذاذ الذين كانوا نعم اللسان البليغ والبيان الفصيح المعبر عن الجانب التعليمي في الجزائر نجد العلامة محمد البشير الإبراهيمي الذي أسهم في توعية الشعب الجزائري منطلقا من مرجعية التعليم، إذ يرى بأنه ركن أساسي لابد منه لتحرير الشعب الجزائري من قبضة الاستعمار، فكتب عدة مقالات مربيا معلما موجها نصائحه إلى الشباب الجزائري عسى وأن يهديه بمقالاته العلمية ويعوض جهله بنور العلم المنير ليفيق من سباته ويتحرر من قيود الاستعمار.

 

وعليه سنحاول في مقالنا المختصر، التركيز على البعد التعليمي في مقالات العلامة محمد البشير الإبراهيمي المنشورة في كتابه: "عيون البصائر" باحثين عن الإشكالية التالية: هل اهتم العلامة محمد البشير الإبراهيمي -في كتابه "عيون البصائر"- بالبعد التعليمي في عهد الاستعمار الذي كان همه الوحيد هو القضاء على التعلم وإفشاء الأمية بين أفراد المجتمع؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل اهتم بأركان التعليم وأسسه التي اهتمت بها التعليمية؟

قبل الولوج إلى الجانب التعليمي في مقالات العلامة محمد البشير الإبراهيمي نود أن نقف ولو قليلا عند سيرته الذاتية العلمية المنيرة عسى وأن يهتدي منا الجيل الناشئ. يقول في سيرته الذاتية التي سماها (خلاصة تاريخ حياتي العلمية) التي كتبها بطلب من مجمع اللغة العربية بالقاهرة عندما أنتخب عاملا فيه سنة 1961 بأن اسمه هو محمد البشير الإبراهيمي ولد يوم الخميس في الرابع عشر من شهر شوال سنة 1306هـ، الموافق للرابع عشر من شهر يونيو سنة 1889م، تُعرف قبيلته بأولاد إبراهيم بن يحي بن مساهل ويرجع نسبها إلى إدريس بن عبد الله الجد الأول للأشراف الأدارسة، موطنه هو السلاسل الغربية المتفرعة من جبل أوراس وموقعها الغرب المائل للجنوب لمدينة قسنطينة عاصمة المقاطعة الشرقية للقطر الجزائري.

حفظ القرآن الكريم ومتون العلم الكبيرة وهو ابن تسع سنين، وتلقى علوم الدين والتربية في بيت أسرته على يدي عمه (الشيخ محمد المكي الإبراهيمي) رحمها الله الذي كان علامة زمانه في العلوم العربية، فحفظ ألفية ابن مالك وألفية ابن معطي الجزائري وديوان الحماسة ورسائل سهل بن هارون... وهلم جرا، فاالله قد وهبه حافظة خارقة وذاكرة عجيبة ساعدته في تحصيل العلم، هذا فيما يتعلق بالمرحلة الأولى، أما المرحلة الثانية فهي المرحلة التي مات فيها عمه وهو في السن الرابعة عشر بعد أن أجازه في العلوم التي تلقاها عليه، وقد بدأ في تدريس تلك العلوم التي تعلمها، فتوافد إليه طلاب العلم، وقد بقي على تلك الحال مدرسا إلا أن بلغ من العمر عشرين سنة فاختار الهجرة إلى الشرق وبالضبط إلى المدينة المنورة، وقد مر بالقاهرة فحضر بعض دروس العلم في الأزهر على يدي الشيخ سليم البشري والشيخ محمد بخيت... وتتمثل المرحلة الثالثة في خروجه من القاهرة قاصدا المدينة المنورة فاجتمع بوالده وتعلم عند شيخين بارزين هما: الشيخ العزيز الوزير التونسي، والشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي. أما المرحلة الرابعة فهي المرحلة التي بدأ فيها بالتعليم بالمدارس الأهلية وقام بإلقاء دروس الوعظ والإرشاد بالجامع الأموي ثم دعته الحكومة بعد خروج الأتراك من دمشق إلى تدريس الآداب العربية بالمدرسة السلطانية، وكان مكلفا بتدريس الصفوف النهائية المرشحة للبكالوريا، فتخرج منه عماد الأدب العربي في سوريا أهمهم: الدكتور جميل صليبا والدكتور المحايري والدكتور عدنان الأتاسي... وعندما سنحت له الفرصة عاد إلى الجزائر. وتتمثل المرحلة الخامسة في عودته إلى الجزائر ولقائه بأعلم علماء الشمال الإفريقي (عبد الحميد بن باديس) وفي سنة 1913م بدأ مع عبد الحميد يضعان الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي برزت للوجود سنة 1931م، وقد ترأسها عبد الحميد بن باديس وبعد وفاته انتخب المجلس الإداري للجمعية ورؤساء الشعب البشير الإبراهيمي رئيسا للجمعية. وقد اعتبر هذه المرحلة أهم مرحلة في حياته لأنه استغلها في وطنه ولغته ودينه. وقد قدم إلى مصر وزار باكستان والعراق وسوريا وظل مربيا معلما محبا لوطنه إلا أن وافته المنية في يوم: 20 ماي 1964م رحمه االله. ومن آثاره نجد: "عيون البصائر" وهي مقالات كتبها بقلمه في جريدة البصائر، و"بقايا فصح العربية في اللهجة العامية بالجزائر" و"أسرار الضمائر في العربية" و"النقايات والنفايات في لغة العرب" و"التسمية بالمصدر" و"الصفات التي جاءت على وزن فعل" و"نظام العربية في موازين كلماتها" و"الاطراد والشذوذ في العربية" و"ما أخلت به كتب الأمثال من الأمثال السائرة"، ورواية "كاهنة أوراس" و"رسالة في مخارج الحروف وصفاتها بين العربية الفصيحة والعامية" وكتاب "حكمة مشروعية الزكاة في الإسلام" و"شعب الإيمان"، ويرى أن أعظم ما دونه هو ملحمة رجزية نظمها في السنين التي كان فيها بعيدا في الصحراء الوهرانية وهي تبلغ ستة وثلاثين ألف بيت من الرجز السلس اللزومي في كل بيت منه.1

رغم كلّ هذه الآثار التي خلفها لأحباب وطنه، إلا أنها في نظره قليلة، يقول: «لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلا، ولكنني أتسلى بأنني ألّفت للشعب رجالا وعملته لتحرير عقوله تمهيدا لتحرير أجساده وصححت له دينه ولغته فأصبح مسلما عربيا، وصححت له موازين إدراكه فأصبح إنسانا أبيا»2 ومن بين آثاره الكثيرة المتعددة اخترنا كتاب "عيون البصائر" وانتقينا منه المقالات التي لها علاقة بالبعد التعليمي، لأنه هو من أشرف على طبعه في حياته، ومن ثم بقاء تلك المقالات كما هي دون تحوير أو تغيير.

اهتمام العلامة محمد البشير الإبراهيمي بالبعد التعليمي:

يرى العلامة محمد البشير الإبراهيمي أن الثورة ليست سلاحا فحسب، بل هي أيضا لسان ناطق يربي ويعلم، لأن الاستقلال والتحرر لن يتأتى إلا بوسيلته الفعالة المتمثلة في التعليم والعلم «وقد كان الإمام مقتنعا أن ذلك التحرر لن يتم إلا إذا هيئت وأعدت وسيلته فلا يمكن أن «تسبق غاية وسيلة» وما الوسيلة - في رأيه- إلا العلم بأوسع معانيه» 3 فهو يرى أن العلم وسيلة لتحقيق غاية الاستقلال والتحرر من الاستعمار لهذا نجده يعتبر «التعليم «نوع من الجهاد» ويرى المدارس «ميادين جهاد» ويعتبر المعلمين «مجاهدين» مستحقين لأجر الجهاد، لأن» التعلم هو عدو الاستعمار الألد» 4 ويعني هذا القول، أن التعليم جهاد في سبيل الله، فهو وسيلة لتحقيق الاستقلال. ولقد حاول محمد البشير الإبراهيمي محاربة كل الآفات التي تعيق العلم وتسد أبوابه في وجه الشعب الجزائري بما في ذلك الاستعمار الروحاني المتمثل بمشائخ الطرق الذي كان يسعى إلى تجهيل الأمة لئلا تفيق بالعلم، فوضع بعد أن كلفه إخوانه أعضاء المجلس الإداري لائحة داخلية تخص أعمال الجمعية، وقد كان من بين تلك الأعمال، أعمال متعلقة بالجانب التعليمي منها 5:

1 -الشروع العاجل في التعليم العربي للصغار؛

2 -تجنيد المئات من التلاميذ المتخرجين ودعوة الشبان المتخرجين من جامع الزيتونة للعمل في تعليم أبناء الشعب؛

3 -العمل على تعميم التعليم العربي؛

4 -مطالبة الحكومة برفع يديها على المساجد والمعاهد لاستخدامها في تعليم اللغة والدين للأمة. وقد خصص بمقاطعة وهران التي كانت عاصمتها القديمة تلمسان، فأحيا بها العلوم حتى أنشأ فيها مدرسة "دار الحديث" فاختار لها نخبة من العلماء الأكفاء للصغار، وتولى بنفسه تعليم الطلبة الكبار المتمثلين في أهل البلد والوافدين، وليس هذا فحسب بل كان يتجول في مدينة وهران ومداشرها المختلفة فيلقي فيها دروسا في الوعظ والإرشاد ومختلف قضايا العلم.6 ورغم اعتقاله من قبل فرنسا ونفيه إلا أن ذلك لم ينقص من عزيمته وإرادته في تعليم الناشئة، إذ لما أطلق سراحه كانت بادرة أعماله إنشاء مدارس، يقول في هذا الصدد: «كانت فاتحة أعمالي تنشيط حركة إنشاء المدارس، فأنشأت في سنة واحدة ثلاثا وسبعين مدرسة في مدن وقرى القطر كلّه، كلّها بأموال الأمة وأيديها واخترت لتصميمها مهندسا عربيا مسلما فجاءت على طراز واحد لتشهد للأجيال القادمة أنها نتاج فكرة واحد»7 ولم ينكر مساعدة الأمة في إنشاء المدارس، يقول: «وتهافت الأمة على بذل الأموال لتشييد المدارس حتى أربت على الأربعمائة مدرسة ولم أتخل بعد رئاستي للجمعية وخروجي من المنفى عن دروسي العلمية للطلبة وللعامة» 8 فرغم انشغاله بأعمال جمعية العلماء المسلمين إلا أنه لم يتخل عن محاضراته ودروسه العلمية التعليمية سواء بالنسبة للطلبة أو العامة، لأن الأمة بالنسبة إليه لا تنهض إلا بالعلم، يقول: «إنك لا تنهضين إلا بالعلم، وإن نهضة لا يكون أساسها العلم هي بناء بلا أساس ولا دعامة» . 9 وقد ركز العلامة محمد البشير الإبراهيمي بمراحل التعليم الابتدائي، لأنه يمثل «مراحل التكوين الأولى للناشئة وعلى أساسها يبنى مستقبلهم في الحياة، فإن كان هذا التكوين صالحا كانوا صالحين لأمتهم ولأنفسهم وإن كان ناقصا مختلا زائفا بنيت حياة الجيل كله على فساد وساءت آثاره في ولم يكتف بالتعليم الابتدائي، الأمة، وكانت الأمية أصلح لها منه وأسلم عاقبة» 10 فهو في نظره غير كاف يقول: «التعليم الابتدائي وحده لا يكفي هما ولا يشفي ألما، وإنما هو مفتاح للعلم وارتفاع عن الأمية وإن وراءه لدرجات إن لم يؤد إليها كان عقيما وكان عاطلا، وإن للوقوف عنده والقناعة به لآفات، منها زهد الجيل في ولهذا نجده لما بلغ عدد المتخرجين العلم، وفتور هممه فيه وفساد تصوره له...»11 عشرات الآلاف بالشهادة الابتدائية ولاسيما عندما «أصروا على البشير الإبراهيمي بعد أن ذاقوا حلاوة العلم المزيد منه ثم المزيد فلم يبخلهم بذلك رغم الثورة والاستعمار وانشغالاته العديدة في جريدة البصائر وجمعية العلماء فطلب عونا من الأمة فأعانته فأنشأ معهدا ثانويا بمدينة قسنطينة نسبه إلى إمام النهضة عبد الحميد بن باديس تخليدا لذكره، وهيأ له الأساتذة والكتب...»12 وما نريد التنويه إليه، هو إن الأستاذ الإبراهيمي قبل أن يكون إماما مصلحا وفقيها أصوليا ومربيا حكيما وسياسيا محنكا، كان أديبا شاعرا وخطيبا مفوها، يهز القلوب ببيان ساحر، يعيد إلى الأذهان ما كان للخطابة العربية من مكانة وسلطان في عهودها القديمة الزاهرة» 13 فالعلامة محمد البشير الإبراهيمي إذن، كان حاملا لمختلف فنون اللغة العربية وآدابها، فهو يرى أن «الأدب والأدباء عنوان العصر ومرآة الجيل، وعلى لهواتهم يتردد تاريخ الأمم والشعوب، ويظل وراءهم خالدا باقيا فلنحرص على أن يكون لقب (الأديب) عنوانا على ذروة الكمال النفسي والفني ولنرتفع بهذا اللقب عن أن يتسمى به من لا يرتفع إلى مستواه...» 14

محمد البشير الإبراهيمي ومقومات العملية التعليمية التربوية (أركان التعليم)

إن من يدقق النظر في مقالات العلامة محمد البشر الإبراهيمي، يدرك بكلّ وضوح وجلاء مدى اهتمامه بأركان التعليم وأسسه، أي مقومات العملية التعليمية التربوية التي بدونها يستحيل التعليم. لهذا نجده عندما طلب منه عبد الحميد بن باديس كما يقول: «أن يضع برنامجا جامعا لدروس الكلية وكتبها ودرجاتها ومناهج التربية فيها وطرائق التعليم العالي... ففعلت. وجاء البرنامج حافلا بالتدقيقات الفنية في التربية والاعتبارات العملية في التعليم والكتب القيمة للدراسة ومعه تخطيط للكلية. إن المتأمل في هذا القول، يدرك بأن العلامة محمد البشير الإبراهيمي ومرافقها» 15 قد أولى عناية كبيرة للعملية التعليمية التربوية وهيأ لها مستلزماتها الضرورية من برنامج دقيق ثري وكتب قيمة وطرائق واضحة مفيدة، أي أن محمد البشير الإبراهيمي قد اعتنى بأركان التعليم ومقوماته المتمثلة في:

1 -المعلم/ الأستاذ

. 2 -المتعلم/ الطالب

. 3 -المحتوى/ المادة العلمية

. 4 –الطريقة

. 1ـ المعلم/ الأستاذ: يقصد محمد البشير الإبراهيمي بالمعلمين «هذه الطائفة المجاهدة في سبيل تعليم أبناء الأمة لغتهم وتربيتهم على عقائد وقواعد دينهم وبما أن المعلمين هم حجر الزاوية في وطبعهم على قالب من آدابه وأخلاقه» 16 العملية التعليمية التربوية وهم المسؤولون عن صناعة النشء وإعدادهم للحياة، فقد اعتنى بهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وعدهم طرفا مهما في العملية التعليمية التربوية، لأن صلاح المنظومة التربوية وفسادها مرتبطان به أشد ارتباط، لهذا جعل أعمالهم النبيلة جهادا لا يختلف عن جهاد المجاهدين في الجبال، وقد جعلهم مسؤولون عن أعمالهم يقول في مقاله (إلى أبنائنا المعلمين الأحرار): «واعلموا أنكم عاملون، فمسؤولون عن أعمالكم فمجزيون عنها من الله ومن الأمة ومن التاريخ ومن الجيل الذي تقومون على تربيته كيلا بكيل، ووزنا بوزن» 17 فهو يحثهم على أداء واجباتهم التعليمية التي كلفوا بها على أكمل وجه، وقد عد التقصير في الواجب جريمة، يقول في هذا الشأن: «إن التقصير في الواجب يعد جريمة من جميع الناس... وقد نهى ديننا الإسلام عن التقصير في الواجبات، ونهى التفريط في الحقوق، وبين آثاره وعواقبه، وحض على الأعمال في مواقيتها، وقبح الكسل والتواكل والإضاعة...» 18 فهو يذكرهم في هذا القول بواجباتهم مدعما رأيه من القرآن الكريم الذي ينهى عن التفريط في الحقوق والتقصير والتكاسل في أدائها وقد شبههم بعروش الممالك، قائلا لهم: «ها أنتم هؤلاء تربعتم من مدارسكم عروش ممالك، رعاياها أبناء الأمة وأفلاذ أكبادها، تديرون نفوسهم على الدين وحقائقه وألسنتهم على اللسان العربي وتسكبون في آذانهم نغمات العربية... وتقودهم بزمام التربية إلى مواقع العبر من تاريخهم، ومواطن القدوة الصالحة من سلفهم ومنابت العز والمجد من مآثر أجدادهم الأولين...» 19 فهو في هذا القول يذكر المعلمين بواجباتهم نحو المتعلمين المتمثلة في تعليمهم أسرار اللغة العربية والأخلاق الفاضلة وأن يعلموهم كيفية الإقتداء بأمجادهم العلماء الأولين وأن يسيروا على منوالهم داعيا إياهم إلى أن يحرصوا « كل الحرص على أن تكون التربية قبل التعليم» . 20

وقد ذكر العلامة محمد البشير الإبراهيمي شروط ومميزات المعلم الكفء التي تؤهله للتدريس نوجزها في النقاط التالية:

1 -التحلّي بالأخلاق الفاضلة، يقول: «لا يضيركم ضعف حظكم من العلم إذا وفر حظكم من الأخلاق الفاضلة، فإن أمتكم في حاجة إلى الأخلاق والفضائل، إن حاجتها إلى الفضائل أشد وأوكد من حاجتها إلى العلم» 21؛

2 -الكفاءة في التدريس: يقول في هذا الشأن: «فالجمعية تشترط في المعلم كفاءته العلمية والأخلاقية أو تزكية جمعية العلماء له» . 22 فالكفاءة ضرورية للتعليم؛

3 -الاستزادة من العلم: يقول في هذا الصدد: «إن التعليم لإحدى طرق العلم للمعلم قبل المتعلم، إذا عرف كيف يصرف مواهبه، وكيف يستزيد وكيف يستفيد وكيف ينفذ من قضية من العلم إلى قضية، وكيف يخرج من باب منه إلى باب فاعرفوا كيف تدخلون من باب التعليم إلى العلم، ومن مدخل القراءة إلى الفهم وتوسعوا في المطالعة يتسع الإطلاع...» 23؛

4 -حسن اختيار الكلمات أثناء التعليم، لأن «لكل فلتة ولكل كلمة تصدر منكم أثرا في نفوس تلاميذكم، لأنكم محل القدوة عندهم» 24؛

5 -أن تكون أقوالهم مطابقة لأفعالهم، يقول لهم في هذا المضمار: «أحرصوا على أن يكون ما تلقونه لتلامذتكم من الأقوال منطبقا على ما يرونه ويشهدونه منكم من الأعمال... واعلموا أن كلّ نقش تنقشونه في نفوس تلامذتكم من غير أن يكون منقوشاً في نفوسكم فهو زائل، وأن كلّ صبغ تنفضونه على أرواحكم من قبل أن يكون متغلغلا في أرواحكم فهو – لا محالة- ناصل حائل...»25

6 -الصبر على الشدائد وتقوى الله باعتبارها مبحث القوة والطمأنينة والرفق في ممارسة الأشياء وخفض الجناح للناس أجمعين واجتناب الغيبة والنميمة وحسن العشرة والتعامل مع بعضهم البعض، مع الإيمان العميق بشرف العلم ومهنة التعليم... 26 ولعلّ الشيء الملفت للانتباه، أن ما قاله المعلم البشير الإبراهيمي ينطبق تماما إلى ما تدعوا إليه التعليمية، التي أولت أهمية بالغة لشروط المعلم يقول مجدى عزيز إبراهيم: «لا تقتصر معرفة المدرس للمواد الدراسية على مجرد جمع المفاهيم والتعميمات والحقائق والقوانين التي تتضمنها هذه المواد، بل هي أشمل من ذلك بكثير، لأنها تنطوي على فهم أعمق، وعلى قدرة على الربط بين تلك المفاهيم والتعميمات والحقائق لاستنتاج مجالات وتطبيقات جديدة للمعرفة» 27 فإذا كان العلامة البشير الإبراهيمي يدعو المعلمين إلى ضرورة الاستزادة من العلم، وإلى الفهم والتحليل، فإن هذا ما تدعوا إليه التعليمية التي جعلت الفهم وقدرة الربط بين الظواهر العلمية أمر ضروري للفهم العميق. ففنيات التدريس «تعتمد على الدرجة الأولى على المعلم المؤهل تربويا وعلميا، والحامل للمواصفات التربوية والنفسية والاجتماعية والفعلية والخبرة التي تقرر صلاحيته أن يكون مربيا، إضافة إلى استعداده لممارسة التعليم وحبه لها... وعلى هذا المعلم أن يتلقى التدريبات لضمان مواكبته للتطور»28.

هذا فيما يتعلق بشروط المعلمين الذاتية التي ينبغي أن تتوفر لديهم حتى يحق لهم التدريس، أما شروطهم تجاه المتعلمين وواجباتهم نحوهم، فإننا نوجزها في النقاط التالية حسب ما ذكرها محمد البشير الإبراهيمي29:

1 -إنقاذهم من الأمية وجعلهم يحبون العربية؛

2 -تربيتهم على الفضيلة الإسلامية كحب الخير والتعاون والتآخي... وتعويدهم على ممارسة الشعائر الدينية وهم صغار السن لتترسخ في نفوسهم عند الكبر؛

3 -أن يجعل المعلم التلاميذ يحبون العلم والمعلم والوالدين مع حب بعضهم البعض؛

4 -تقوية عزائمهم وإرادتهم وتعويدهم الصوم على الشهوات؛

5 -تربيتهم على ما ينفعهم وينفع الوطن كلّه؛

6 -تربيتهم على حسن استخدام مواهبهم الفطرية من عقل وفكر وذهن وتعليمهم صحة الإدراك ودقة الملاحظة؛

7 -عدم المبالغة في مدح المجتهدين، لأنه حتى وإن كان المدح مذْك للنشاط فإنه في الوقت ذاته يدعو إلى الغرور، والغرور لا يزول والنشاط يعود؛

8 -تربيتهم على بناء الأمور على أسبابها والنتائج على مقدماتها علما وعملا؛

9 -تربيتهم على ملكة التعليل لتتضح لهم العلل والأسباب؛

10 -تربيتهم على العيش بروح الإسلام وآدابه وتاريخه والاقتداء برجاله العظام؛

11 -مزج العلم بالحياة والحياة بالعلم وعدم الاكتفاء بالقواعد لأنّها تحتاج إلى بناء، فالعلامة البشير الإبراهيمي يدعو إلى ضرورة مزج الحياة بالعلم، لأنه من متطلبات العلم المفيد، يقول مجد عزيز إبراهيم: «يجب على المعلم أن يواجه المتعلم بالمشكلات أو يدمجه في خبرات لها جذورها في الحياة الإنسانية اليومية المستمرة كما يجب ألا يطلب المعلم من المتعلم أن يصغي – فقط- إلى المشكلات الواردة في الكتب المقررة التي قد تكون بعيدة كل البعد عن مجالات اهتمامات المتعلم» . 30

إن البشير الإبراهيمي لم يضع هذه الشروط اعتباطيا، بل وضعها عن تجربة لأنه كان مربيا نزيها حكيما، ملما بمهنة التعليم، فمن «الصفات البارزة التي يعرفها العاملون والعاملات في ميدان التربية والتعليم والوعظ والإرشاد عن إمامهم وقائدهم الإمام الإبراهيمي أنه كان يحنو ويعطف عليهم عطف الأب على أبنائه ويبذل أقصى ما في وسعه لإرشادهم وتوجيههم إلى أحسن السبل لأداء مهمتهم على الوجه الأكمل، مع حرصه الشديد على حل مشكلاتهم المادية والأدبية مع الجمعيات المحلية القائمة بشؤون المدارس والمساجد والنوادي والدفاع عن كرامتهم وحقوقهم أمام السلط الاستعمارية الباغية «31 فهو يدعو إلى حسن المعاملة بين المسؤولين ولاسيما علاقة المعلمين بالمتعلمين و«لتأكيد العلاقة الحيوية بين المعلم والمتعلم يجب أن يمتلك المعلم قدرات خاصة يستطيع عن طريقها أن يجعل المتعلم يثق وذلك مثل الصدق، والأمانة، والالتزام، وقبول الآخر، والتضحية بكثير من وقته لصالح المتعلم والتعامل بإنسانية...» 32 فإعداد المعلم الجيد لابد له من أن يسير في نواح ثلاث33:

. 1 -الناحية الثقافية،

2 -الناحية اللغوية،

3 -الناحية التربوية.

استنادا إلى ما سبق نقول، إن المعلم محمد البشير الإبراهيمي يدعو إلى مهارة المعلم من جهة وحسن علاقته مع المتعلمين من جهة أخرى، وهما بعدان تربويان فعالان، والبعدان ذاتهما ذكرهما مجدي عزيز إبراهيم الذي يرى أن الأصول التربوية الفاعلة تقوم على بعدين هما:« - مهارة المدرس وبراعته في خلق الإثارة العقلية والفكرية لدى التلاميذ تؤثران إيجابا في نوعية التعليم – الصلة الايجابية بين المدرس والتلاميذ وأنماط العواطف والعلاقات التي تثير دافعية التلاميذ لبذل أقصى ما في وسعهم في الدراسة، لها دور في جعل التدريس أكثر كفاية وإنتاجية » 34. . ولم يكتف الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في الحديث عن المعلم وواجباته نحو المتعلمين، بل اهتم أيضا بالجانب المادي للمعلمين، يقول في هذا الصدد: «يجب توفير أرزاق المعلمين حتى لا تطمح نفوسهم إلى هجر التعليم...أما والله لو استطعت لأعطيت المعلم جما ثم لأوسعت العطاء ذما، حتى تقوى فيه نزعة الكرامة وشرف العلم... » 35 فهو يرى أن إشباع المعلمين بالجانب المادي يؤدي إلى تقوية الكرامة وشرف العلم، لأن فقرهم سينعكس أثره في التعليم، يقول: «فإذا حصل ذلك جاء التعليم وفيه أثر الجوع والهزال، وعليه سيما الفقر والخصاصة، ويأتي هذا الجيل وعلى عقله من هذه الآثار ما على أجسام مواليد الحرب التي نشأت في فقر من المواد المغذية » 36 ويعني هذا الكلام، إن تحسين الجانب المادي للمعلمين يؤدي لا محالة إلى تحسين إنتاجهم وإثرائه.

2ـ المتعلم/ الطالب: إذا كان المعلم هو الجسر الذي تعبر من خلاله المعلومات فإن المتعلمين هم الوعاء الذي تصب فيه تلك المعلومات، لهذا اهتم بهم المربي والمعلم محمد البشير الإبراهيمي، فعدهم أمل الأمة ورجاؤها الوحيد، لهذا كان يخشى من فسادهم يقول: «ونخشى أكثر منه على هذه الطائفة المقبلة على العلم المنكبة على تحصيله...هذه الطلائع التي هي آمال الأمة، ومناط رجائها والتي لا تحقق رجاء الأمة إلا إذا انقطعت إلى العلم وتخصصت في فروعه، ثم زحفت إلى ميادين العمل مستكملة الأدوات تامة التسلح تتولى القيادة بإرشاد العلم، وتحسن الإدارة بنظام العلم فتثأثر لأمتها من الجهل بالمعرفة، ومن الفقر بالغنى، ومن الضعف بالقوة ومن العبودية بالتحرير...» 37 فطلاب العلم هم الرجاء الوحيد الذي ينتظره الشعب لينير لهم الدروب ويحررهم من عبودية الاستعمار الغاشم. ولقد قارن الإبراهيمي بينهم وبين أسلافهم القدامى الذين كانوا يقطعون البراري والقفار من أجل تحصيل العلم، وقد كانوا ينقطعون عن ديارهم لسنوات طويلة عكس ما هم عليه الطلبة اليوم إذ يزورون ديارهم في كلّ موسم وعطلة، وقد أراحتهم المطابع من الكتابة التي كان أسلافهم يكتبون الحروف حرفا حرفا، كلمة، كلمة38. ولم يرد هذه المقارنة عبثا، وإنما أوردها عسى وأن يهتدوا بأسلافهم ويأخذوها عبرة يهتدون منها، فيعودون محملين بزاد علمي معرفي واسع يضاهي الزاد الذي كان يرجع به أسلافهم العلماء من رحلاتهم العلمية فيسهمون بعلمهم في تطوير بلادهم. وبين لهم أن الحياة قسمان، حياة علمية وحياة عملية موضحا لهم كيف أن الحياة العلمية تؤثر على الحياة العملية، فقوة الحياة العملية وضعفها مرهونان بقوة الحياة العلمية وضعفها. 39 وحاول تصحيح الخطأ السائد بين المتعلمين – طلاب العلم – الذي كان سائدا في تلك الفترة، والذي لا يزال إلى اليوم الذين يتخيلون أن الحياة العملية راحة ورفاهية قائلا لهم ناصحا: «فادفعوا عنكم هذه الخيالات، ووطنوا النفوس على أنكم تَلْقَون من البلاء والمجهدة في الحياة العملية أضعاف ما تَلْقَون منهما في الحياة العلمية» 40 فهو في هذا القول، يحاول ترويض أفكار الطلبة وتوجيهها نحو الصواب لتهون عليهم الشدائد والمصائب. وقد أوصاهم البشير الإبراهيمي بطلب العلم لوجه الله، لا من أجل نيل الشهادات والوظائف العليا في المجتمع كما يسعى أغلبهم اليوم داعيا إياهم – ولاسيما الطلاب المهاجرين إلى تونس لكثرة عددهم– بأن لا يشعروا بالغربة، فتونس والجزائر بلدان تجمعهما رابطة العروبة والإسلام، كما نصحهم بأن لا ينغمسوا في الملذات والأشياء الرذيلة، وأن يعتصموا بالعلم الذي من أجله هاجروا الأهل والوطن الذي هو بحاجة ماسة إليهم.41 ويقدم العلامة محمد البشير الإبراهيمي مجموعة من المبادئ التربوية وأسس المراجعة الصحيحة والخصائص التعليمية التي بوساطتها يتم العلم النافع الصحيح وترسخ المعرفة العلمية التربوية في الذاكرة، نوجزها في النقاط التالية42 :

1 -الانقطاع للعلم، أي إنفاق كل الوقت، الدقائق والساعات في تحصيله

2 -أخذ العلم من أفواه الرجال وبطون الكتب والرحلة في سبيل تحصيله؛

3 -استثمار كنوز العلم بالبحث والمطالعة وكثرة المناظرة والمراجعة الدائمة؛

4 -ضرورة تدوين العلم لأنه أكثر حفظا وبقاء؛

5 -وجوب التعرف على الجديد من العلم، والطريف من الآراء والمفيد من الكتب؛

6 -عدم الاكتفاء بالدروس وحدها، بل الاعتماد على المذاكرة التي هي لقاح العلم؛

7 -عدم الاكتفاء بالكتاب المدرسي المبرمج والمقرر للسنة الدراسية، وإنما يجب قراءة ومراجعة كتب أخرى في مختلف العلوم والمعارف كالتاريخ والأدب والحكمة والأخلاق والتربية ليتسع الإدراك وتنموا الملكة اللغوية؛

8 -حسن استغلال أوقات الفراغ وعدم تضييعه فيما لا ينفع صاحبه؛

9 -عدم الاكتفاء بحفظ المتون وحدها، وحفظ كلّ ما يقوي ويثري الملكة اللغوية البيانية، داعيا إياهم إلى حفظ القرآن الكريم وتدريب الألسنة عليه من خلال الاستشهاد به في اللغة والقواعد والدين والأخلاق واستظهاره أثناء الحاجة إليه؛

10 -تجنب استباق الأحداث، فلكلّ وقت وحدثه، أي إنجاز المهام في أوقاتها وعدم التسرع في إنجازها دون أن يحل وقتها لتأخذ بقوة واستحقاق أكثر. وما نريد الإشارة إليه، أن العلامة محمد البشير الإبراهيمي قد دافع عن حق الجنس الأنثوي في التعليم «في مجتمع كان يعتبر تعليم البنت إحدى الكبر، وقد جادل الإمام الإبراهيمي جدالا كبيرا عن حقها في التعليم، بل عن واجبه عليها، إذ الإسلام يجعل العلم فريضة على المسلم ذكرا كان أم أنثى وبذلك وصل عدد الإناث في مدارس الجمعية إلى 5696 بنت سنة 1951م ليقفز إلى ثلاثة عشرة ألف بنت سنة 1953م وهو عدد ضخم نظرا للظروف ذلك العهد الاجتماعية والنفسية والمادية» 43 إن من يدقق النظر في المبادئ والخصائص العلمية التي ذكرها الإبراهيمي، يرى مدى اهتمامه بالمتعلمين لأنهم أساس بناء الأمة ونهضتها، لهذا وجه إليهم تلك المبادئ العلمية الثمينة التي والله إذا أخذوها بجد ستنير لهم دروب المعرفة والعلم وستفتح لهم آفاقه وأبوابه وسترسخ مختلف معارفه في ذاكرتهم. وهي مبادئ وأسس ضرورية للتبحر في العلوم في وقتنا الراهن، فما أحوجنا اليوم إلى مثل تلك المبادئ والخصائص العلمية.

3ـ المحتوى/ المادة العلمية: لم يغب في ذهن العلامة محمد البشير الإبراهيمي أثناء حديثه عن المعلم والمتعلم من المادة العلمية التي تحتويها الكتب العلمية ومختلف المصنفات، فاهتم بمحتواها الوارد في متونها، فسعى إلى توضيحها للمسؤولين وللمعلمين، فذكر مضمون المحتوى التعليمي الذي يجب أن يتلقاه المتعلمون كما يلي:

1 -اللغة العربية أساس التربية والتعليم، فهو يرى أن الرأي الصواب هو أن «نتعلم ديننا ولغتنا وكلّ ما يخدمها من علوم وفنون، من البدايات إلى النهايات» 44 ويعني كلامه هذا ضرورة احتواء المادة العلمية علوم اللغة العربية وفنونها؛

2 -أن يكون المحتوى مسايراً للعصر، يقول: «والأمة تريد تعليما عربيا يساير 45 العصر وقوته ونظامه لا تعليما يحمل جراثيم الفناء، وتحمله نُذر الموت... » ويعني هذا القول ضرورة مسايرة المادة العلمية لروح العصر ومستجدا ته؛

3 -أن تكون الكتب سهلة مبسوطة، يقول: «... وقرؤوا غيره من الكتب السهلة المبسوطة في ذلك العلم... وسينتهي الإصلاح الذي تقوم به إدارات جامعاتنا إلى اختيار كتب سهلة ممتعة في كلّ علم تفرض عليكم قراءتها ومطالعتها» 46 أي أن يكون المحتوى سهلا واضحا مبسوطا؛

4 -أساس العلوم هو القرآن الكريم، لذلك ينبغي حفظه والاستشهاد به في المحتوى العلمي، يقول: «والقرآن القرآن تعاهدوه بالحفظ وأحيوه بالتلاوة...»47

5 - أن تكون المادة العلمية أصيلة مأخوذة من بطون الكتب48؛

6 - تنوع المحتوى العلمي وإثرائه بمختلف العلوم، فهو لم يكتف في حديثه عن علوم الدين والعربية، بل ذكر علوما أخرى يرى أنّها ضرورية في المحتوى العلمي كالتاريخ والجغرافيا والرياضيات وعلوم الطبيعة والأدب والتربية والحكمة والطب...49

7 -توحيد البرنامج والمنهاج في المحتوى العلمي، يقول في هذا الشأن: «إننا نجري على منهاج واحد ونسير على برنامج واحد عاهدنا الله على تنفيذه»50 ويقول عنه محمد الغسيري: «وضع أستاذنا الجليل محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء منذ سنوات برنامجا حافلا للتعليم العربي بجميع أنواعه وضمنه أصولا عظيمة من علم التربية» 51 فالمادة العلمية إذن التي أوردها محمد البشير الإبراهيمي في ثنايا مقالاته ثرية ومتنوعة تأخذ بيد المعلمين والمتعلمين إلى الرقي والازدهار ولاسيما وأنه دعا إلى ضرورة احتوائها على علوم جديدة كالطب والرياضيات والتاريخ والجغرافيا... والأعظم من ذلك أنه دعا إلى ضرورة مواكبة المحتوى لروح العصر ومستجداته.

4ـ الطريقة: إن التربويين الحقيقيين لا يكتفون بالمادة العلمية التي تزخر بها رفوف المكتبات والتي بإمكان أي متعلم الوفود إليها، وإنّما يركزون أكثر على طريقة إيصالها إلى المتعلمين بأسلوب واضح بسيط يفهمونه، وإلا فما جدوى ذلك المحتوى الواسع الثري بشتى أنواع المعارف؟ وما فائدة وجود المعلمين في الساحة العلمية؟ فهي طريقة «لا تنفصل عن المحتويات، وتتمثل في الأساليب التي يتبعها المدرس في توصيل المعلومات إلى أذهان التلاميذ» 52 إن الطريقة هي أساس إيصال المعلومات إلى أصحابها، فإذا كانت جيدة كان الاستيعاب قويا مفيدا من قبل المتعلمين، وإذا كانت سيئة كان الاستيعاب أسوء من ذلك. والمعلم محمد البشير الإبراهيمي من التربويين الذين اهتموا بها، فلفت أنظار المعلمين إليها، فالطريقة الصحيحة في نظره لتكوين الناشئة لا تكمن في حشد المعلومات الهائلة وتلقينها للمتعلمين، وإنما تكمن في حسن تربيتهم مع قليل من العلم النافع، يقول عن الطريقة التي اتفق عليها مع عبد الحميد بن باديس في اجتماعه بالمدينة المنورة «ألا نتوسع له في العلم وإنما نربيه على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل» 53 فهو يرى أن العلم يبنى على التربية الصحيحة والعلم القليل المفيد وليس على كثرة المعلومات، لأن الكنز المعلوماتي الكبير «قد يكون مرتبا ترتيبا سيئا، أو في حالة فوضى إلى حد ما أو يكون مختبئا في بعض أجزائه تحت إطار من سوء الفهم...» 54 إلا إذا تدخل المعلم ووضح للمتعلمين ذلك الكنز المعلوماتي بطريقة سهلة واضحة لا لبس فيها. ويرى العلامة محمد البشير الإبراهيمي أن الطريقة الصحيحة هي التي تبنى على المنهج الصحيح السليم الفعال، وذلك من خلال55 :

- الحرص على أن تكون التربية قبل التعليم، فالتربية الفاضلة هي أساس العلم الصحيح؛

- بناء الأمور على أسبابها والنتائج على مقدماتها علما وعملا؛

- استخدام المواهب الفطرية من عقل وفكر وذهن للوصول إلى الاستنتاج؛

- الاعتماد على التمثيل والمشابهة لتتضح العلل والأسباب؛

- صدق التصور وصحة الإدراك ودقة الملاحظة. فحسن اختيار الطريقة العلمية إذن أمر ضروري في المنظومة التربوية لا يمكن الاستغناء عنها حتى وإن كانت المعلومات واسعة توفي بالغرض المطلوب، لأن المهم في العملية التعليمة هو طريقة إيصال تلك المعلومات إلى المتلقين وليس كميتها وكثرتها. وما نريد التنويه إليه، أن غاية وهدف المدرسة العربية حسب محمد البشير الإبراهيمي هي56 :

1 -التربية الصحيحة للنشء، في أفكاره ومشاربه وضبط نوازعه المضطربة وتصحيح نظرته إلى الحياة؛

2 -التفقيه في الأصول العربية من علم ولغة ودين وتاريخ...

3 -توحيد منهاج التربية وبرنامج التعليم، ولا يتم ذلك إلا بتوحيد الإدارة والإشراف العام. بعد هذه الإطلالة المتواضعة في كتاب "عيون البصائر" المتعلقة بالبعد التعليمي، قادنا البحث إلى استخلاص النتائج التالية:

- إن العلامة محمد البشير الإبراهيمي من المعلمين النادرين الرائدين في المجال التعليمي فرغم وحشية الاستعمار واندلاع الثورة والظروف القاهرة إلا أن ذلك لم يحد من عزيمته، ولم يضعف من إرادته في تعليم الناشئة، فسلاحه الوحيد القوي الذي يدافع به عن الاستعمار الغاشم هو التعليم الذي كان يراه ضروريا لمحاربة الأمية التي كانت هدف الاستعمار.

-اهتم المعلم محمد البشير الإبراهيمي بأركان التعليم وأسسه في وقت غاب فيه الاستقرار والأمن وانتشرت الأمية نتيجة الاستعمار. فهو يعد بحق من المعلمين الرائدين في البعد التعليمي الجزائري، لأنه اهتم بكل الإشكاليات المتعلقة بالتعليمية: من يعلم؟ من نُعلم؟ ماذا نُعلم؟ كيف نُعلم؟

-اهتم الإبراهيمي بالمعلم وأولاه عناية كبيرة، باعتباره مربي الأجيال ومصقل الأذهان ومخرجهم الوحيد من الجهل إلى النور، من السبات إلى اليقظة، فعلى يديه تتكون الناشئة وتتربى لتعد للحياة. وإذا كان هو الركن الأساسي في العملية التعليمية فإن المتعلم هو جوهرها ولؤلؤتها، لا يمكن الاستغناء عنه، لهذا وجه إليهم البشير الإبراهيمي مقالات نيرة تدعوهم إلى التعليم ثم التعليم لتفتح لهم الآفاق وتتضح لهم السبل.

- ركز محمد البشير الإبراهيمي بالمادة العلمية التي تلقى للمتعلمين، وعالجها من جميع الجوانب، ولم يكتف بفنون اللغة العربية وآدابها، بل اهتم بكل العلوم من رياضيات وتاريخ وجغرافيا وطب وعلم النفس...على أساس أنها علوم مهمة لا يمكن التغاضي عنها، لمسايرة العصر. واهتم بطريقة تلقينها مركزا على العلم المفيد والتربية الفاضلة. وعموما يمكن لنا تلخيص مقومات العملية التربوية الواردة في كتاب "عيون البصائر" كالتالي:

المعلم

المحتوى - مقومات العملية التعليمية التربوية - الطريقة

المتعلم

مقومات العملية التعليمية التربوية عند العلامة محمد البشير الإبراهيمي.


 

الهوامش:

أ. شهيرة بوخنوف- جامعة مولود معمري تيزي وزو

1 –ينظر: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: في قلب المعركة، دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، برج الكيفان، الجزائر، 2007 ،ص223 ـ 249

. 2 –م، ن، ص245 .

3 –أحمد طالب الإبراهيمي: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ط1 ،ج2 ،دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1997 ،ص21 .

4 – م، ن، ص20

. 5 - ينظر: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: في قلب المعركة، ص236 .

6 – ينظر: م، ن، ص237 ـ 238 .

7 – م، ن، ص240 . 8 – م، ن، ص، ن.

9 – محمد البشير الإبراهيمي: عيون البصائر، ط2 ،الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، د.ت ص279 .

10 - أحمد طالب الإبراهيمي: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج2 ،ص109 .

11 - محمد البشير الإبراهيمي: عيون البصائر، ص280 .

12 – م، ن، ص242 .

13 - أحمد طالب الإبراهيمي: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج2 ،ص9 .

14 - الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: في قلب المعركة، ص158 .

15 - أحمد طالب الإبراهيمي: م، س، ص196 .

16 - محمد البشير الإبراهيمي: عيون البصائر، ص 306 .

17 – م، ن، ص288 .

18 –م، ن، ص289 .

19 – م، ن، ص290 ـ 291 .

20 – م، ن، ص291 .

21 – م، ن، ص296 .

22 – م، ن، ص239 .

23 – م، ن، ص295 .

24 – م، ن، ص298 .

25 – م، ن، ص291 .

26 – ينظر: م، ن، ص291 ـ292 .

–27 مجد عزيز إبراهيم: تنمية تفكير المعلمين والمتعلمين، ضرورة تربوية في عصر المعلومات، ط1 ،عالم الكتب، 2006 ،ص305 .

28 – صالح بلعيد: دروس في اللسانيات التطبيقية، ط4 ،دار هومة، الجزائر، 2009 ، ص72 .

29 – ينظر: محمد البشير الإبراهيمي: عيون البصائر، ص295 – 296 - 299- 300 .

30 – مجد عزيز إبراهيم، م، س، ص258 .

31 – أحمد طالب الإبراهيمي: آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج2 ،ص11 .

32 – مجد عزيز إبراهيم: م، ن، ص256

33. – سميح أبو مغلي: الأساليب الحديثة لتدريس اللغة العربية، مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1999 ،ص116 .

34 – مجد عزيز إبراهيم: م، س، 304 – 305 .

35 – محمد البشير الإبراهيمي: عيون البصائر، ص309 .

36 – م، ن، ص309 .

37 – م، ن، ص49 .

38 – ينظر: م، ن، ص217 .

39 – ينظر: م، ن، ص217 .

40 – م، ن، ص219 .

41 – ينظر: م، ن، ص220

42 – ينظر: م، ن، ص216 – 219 .

43 - أحمد طالب الإبراهيمي: آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج2 ،ص21 .

44 – محمد البشير الإبراهيمي: عيون البصائر، ص275 .

45 – م، ن، ص313 .

46 – م، ن، ص217 – 218 .

47 – م، ن، ص218 .

48 - ينظر: م، ن، ص216 .

49 – ينظر: م، ن، ص218 – 281 – 282 – 49 .

50 – م، ن، 239 .

51 - أحمد طالب الإبراهيمي: آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج2 ،ص108 .

52 – صالح بلعيد: م، س، ص102 .

53 - الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: في قلب المعركة، ص233 .

54 – مجد عزيز إبراهيم: م، س، ص257 .

55 – محمد البشير الإبراهيمي: عيون البصائر، ص291 - 299 - 300 .

56 – م، ن، ص303 – 304

آخر التغريدات: